
الثالثة وسبع عشرة دقيقة/ قصة
رانية مرجية
توقّفت الساعة عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة.
لم ينتبه آدم إلى ذلك إلا بعد أن غادر آخر المعزّين، وبقيت في البيت رائحة البخور وأكواب القهوة الباردة على الطاولات. رفع رأسه نحو الساعة النحاسية المعلّقة في الصالة، وظلّ ينظر إلى عقربيها الساكنين، كأنّه ينتظر منهما أن يتحرّكا من تلقاء نفسيهما.
لم يتحرّكا.
كان أبوه قد مات قبل ساعات، لكنّ البيت لم يتغيّر بالقدر الذي توقّعه. بقي الأثاث في أماكنه، وظلّ الباب يُصدر الصرير نفسه كلّما فُتح، وبقيت الساعة معلّقة فوق الجدار، تشير إلى وقت لن يعود.
في طفولته، كان أبوه يقول له كلّما رآه يبكي:
«الرجل لا يبكي أمام أحد.»
تعلّم آدم أن يبتلع حزنه، وأن يمسح وجهه سريعًا، وأن يجيب بكلمات قصيرة. كبر وهو يظنّ أن الصمت قوّة، وحين يضيق صدره كان يفرغ ما فيه في كلمات قاسية، يوجّهها إلى أقرب الناس إليه.
كانت ليلى أقربهم.
لم تكن ليلى امرأة تنتظر أن يمنحها أحدٌ حياتها. كان لها عملها وأصدقاؤها وخططها الصغيرة التي تدوّنها في دفتر أزرق تحمله معها أينما ذهبت. وحين وصلها عرض عمل في مدينة أخرى، لم تتعامل معه بوصفه تهديدًا لعلاقتهما، بل فرصةً تستحق التفكير.
أخبرت آدم في مساء هادئ، وهما يجلسان إلى طاولة المطبخ.
قالت إنّها لم تتّخذ قرارها بعد، وإنّها تريد أن يتحدّثا في الأمر.
ظلّ يحرّك ملعقته في فنجان القهوة، ثم قال:
«افعلي ما تريدين.»
انتظرت قليلًا، لعلّه يضيف شيئًا. وحين لم يفعل، أعادت نظرها إلى الفنجان أمامها.
لم تكن تلك أول مرة يتركها وحدها في منتصف حديث، لكنها بدأت تتساءل كم مرة أخرى تستطيع أن تفعل ذلك بنفسها.
بعد أيام، عاد آدم من العمل متعبًا، وأغلق باب غرفة النوم خلفه. لم يكن قد حدث شيء استثنائي؛ مكالمة سيئة، وملاحظة من مديره، وشعور قديم بأنّه لا يفعل ما يكفي. ألقى مفاتيحه على الطاولة، ثم جلس على حافة السرير.
دخلت ليلى بعد قليل تحمل وعاءً من الحساء.
قالت:
«لم تأكل منذ الصباح.»
رفع عينيه إليها.
«لا تعامليني كأنني طفل.»
توقّفت عند الباب. وضعت الوعاء على الطاولة القريبة، ثم قالت:
«أنا أحاول أن أساعدك.»
قال، بصوت أشدّ مما أراد:
«لا تتصرّفي كأنك مسؤولة عن إصلاحي.»
بقيت تنظر إليه لحظة. لم يكن في وجهها غضب بقدر ما كان فيه تعب لم يعد يخفي نفسه.
«أنا لا أحاول إصلاحك يا آدم. أحاول أن أصل إليك.»
أشاح بوجهه. كانت لديه جملة أخرى تدفعها بعيدًا، لكنه لم يقلها، ولم يعتذر.
خرجت ليلى وأغلقت الباب بهدوء.
في الصباح، وجدت الحساء كما تركته، وقد تشكّلت على سطحه طبقة رقيقة من الدهن.
لم تتحدّث إليه عنه.
────────
حين أخبرته ليلى، بعد أسابيع، أنّها قرّرت قبول الوظيفة، لم يرفع صوته، ولم يحاول إقناعها بالبقاء. قال إنّ القرار يعود إليها، ثم عاد إلى هاتفه.
كانت تنتظر منه أن يُظهر لها أنّ رحيلها يعني له شيئًا، لكنها لم تعد تعرف كيف تطلب ذلك من رجل يجعل كلّ طلبٍ منها يبدو كأنّه اتهام.
وقفت أمامه في مساء اليوم الأخير، تحمل حقيبتها الصغيرة.
قالت:
«لا أريد أن أرحل بهذه الطريقة.»
أجاب:
«وأنا لا أعرف ماذا تريدين مني.»
قالت:
«أن تتحدّث معي. أن تسمح لي بأن أكون قريبة منك من دون أن تجعلني أندم على ذلك.»
ظلّ صامتًا.
تابعت، وقد خفّ صوتها:
«لكنني لا أستطيع أن أظلّ أطرق بابًا يُفتح كلّ مرة لأُعاقَب لأنني طرقتُه.»
لم يجد ما يقوله، أو لم يستطع اختيار جملة لا تجرحها.
حملت حقيبتها وغادرت.
هذه المرّة، لم يذهب خلفها.
────────
في المدينة الجديدة، استغرقت ليلى وقتًا حتى اعتادت الطريق إلى عملها. أخطأت الحافلة مرتين في الأسبوع الأول، وتأخّرت عن موعد مهم، ونسيت شراء الطعام.
في إحدى الليالي، فتحت دفترها الأزرق وكتبت:
«اليوم ضعت مرتين. وصلت متأخرة، لكنني وصلت.»
ثم أغلقت الدفتر.
في الأيام التالية، بدأت تحفظ أسماء الشوارع، وتشتري حاجاتها في طريق العودة، وتتصل بصديقتها القديمة وهي تعدّ العشاء. لم تصبح حياتها سهلة فجأة، لكنها لم تعد تنتظر أن يتغيّر مزاج أحد كي تعرف كيف سيكون يومها.
شيئًا فشيئًا، صار للمدينة مكان في ذاكرتها، وصارت لها فيها حياة لا تحتاج إلى تفسير.
────────
بعد رحيل ليلى، صار البيت أكثر هدوءًا مما يحتمل آدم. كانت الساعة لا تزال متوقّفة عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة. حاول تجاهلها، ثم صار يتعمّد ألّا يرفع رأسه نحوها.
بعد شهر، حجز موعدًا مع معالج نفسي.
في الجلسة الأولى، تحدّث عن أبيه أكثر مما تحدّث عن نفسه. وحين سأله المعالج عن علاقته بليلى، عاد إلى الحديث عن طفولته.
تركه المعالج يتكلّم، ثم سأله:
«ماذا تتمنى أن يحدث إذا اعتذرت ليلى عن رحيلها؟»
قال آدم من دون تردّد:
«أن تعود.»
«وإذا عادت، ثم شعرت بالخوف نفسه؟»
فتح آدم فمه، لكنه لم يجد جوابًا.
عاد إلى البيت ذلك المساء، وجلس في الصالة. أدرك أنّه لم يكن يريد عودة ليلى فحسب؛ كان يريد أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، من دون أن يواجه ما يفعله بالآخرين.
لم تكن ليلى قد غادرت فجأة. كانت قد حاولت الوصول إليه مرات كثيرة، وكان في كلّ مرة يجد طريقة ليجعل اقترابها خطأً ارتكبته.
في الجلسة التالية، قال إنّه تعلّم من أبيه أشياء كثيرة، وإنّه لم يعرف كيف يتخلّص من بعضها. لم يكن ذلك مريحًا، لكنه كان بداية تحمّل مسؤوليته.
────────
بعد أسابيع، زار أمّه.
وجدها جالسة قرب النافذة، ترتّب صورًا قديمة في صندوق كرتوني. ظهرت صورة لأبيه شابًا، واقفًا أمام البيت القديم، يضحك للكاميرا. بدا مختلفًا عمّا يتذكّره آدم؛ أخفّ وأقلّ صلابة، كأنّ الوجه في الصورة ينتمي إلى رجل لم يعرفه.
قالت أمّه:
«كان يحبّكم.»
أعاد الصورة إلى الصندوق، ثم قال:
«كنت أخاف منه.»
نظرت إليه طويلًا.
«أعرف.»
لم تدافع عنه، ولم تطلب منه أن يسامحه. وضعت يدها على يده لحظة، ثم عادت إلى الصور.
لم يعد آدم مضطرًا إلى إنكار خوفه كي يعترف بأنّ أباه كان إنسانًا له قصته أيضًا.
────────
أخذ الساعة إلى صانع ساعات في شارع قديم. وضعها الرجل على طاولة العمل، وفتح غطاءها الخلفي، ثم قرّبها من مصباح صغير.
قال:
«هذه القطعة صدئت، ولهذا توقّفت الساعة.»
سأل آدم:
«هل يمكن إصلاحها؟»
أجاب الرجل:
«يمكن.»
جلس آدم قرب الواجهة يراقب يديه وهما تعملان. وحين انتهى الصانع، أعاد الغطاء إلى مكانه وحرّك المفتاح الصغير.
صدر صوت خافت، ثم دقّت الساعة.
تكتكة منتظمة، دقيقة، لم يكن فيها شيء استثنائي. ومع ذلك، شعر آدم بشيء ينقبض في صدره.
حين عاد إلى البيت، علّق الساعة في مكانها. كانت عقاربها تشير إلى وقت مختلف. مدّ يده نحوها، ثم توقّف قبل أن يضبطها على الثالثة وسبع عشرة دقيقة.
تركها كما هي.
────────
كتب إلى ليلى بعد أيام، بعدما أعاد صياغة الرسالة مرات كثيرة. حذف جملًا أراد بها أن يشرح نفسه، وأخرى كادت تتحوّل إلى طلبٍ مبطّن. وفي النهاية، أرسل:
«آسف لأنني جعلت خوفي عبئًا عليك، ولأنني آذيتك حين لم تستطيعي أن تطمئنّيني بالطريقة التي أردتها. ما مررت به يفسّر بعض ما فعلته، لكنه لا يبرّره. لم تكوني تستحقّين أن تُعاملي بهذه الطريقة.
لا أكتب إليك لأطلب منك العودة أو أن تسامحيني. أردت أن أعترف بما فعلته، من دون أن أطلب منك إصلاح شيء آخر من أجلي.»
قرأ الرسالة بعد إرسالها، ثم وضع الهاتف على الطاولة.
لم تأته إجابة في ذلك اليوم.
وفي اليوم التالي، وجد رسالة منها:
«شكرًا لأنك كتبت إليّ بهذه الصراحة. أتمنى لك أن تواصل ما بدأتَه، من أجلك أنت. أنا أبني حياتي هنا، وأحتاج إلى أن أواصلها بعيدًا عمّا كان بيننا. أتمنى لك الخير يا آدم.»
قرأها مرة، ثم ثانية.
كانت واضحة وهادئة، ونهائية بالقدر الذي احتاج إليه كي يفهم أنّ اعتذاره لا يمنحه حقًّا في شيء.
فتح حقل الكتابة، وكتب:
«أشتاق إليك.»
ظلّت الجملة أمامه لحظات، ثم محاها وأغلق الهاتف.
لم يكن اشتياقه كذبًا، لكنه لم يعد يريد أن يجعل منه بابًا آخر يطلب منها أن تفتحه.
────────
اتصل بسامر بعد انقطاع طويل. كان سامر قد ابتعد عنه تدريجيًا، بعدما تحوّلت لقاءاتهما إلى سلسلة من المزاح الثقيل والتعليقات الجارحة التي يتبعها آدم دائمًا بجملة: «أنت تعرف أنني أمزح.»
حين أجاب سامر، تبادلا بضع كلمات عادية قبل أن يقول آدم:
«أردت أن أعتذر لك.»
ساد الصمت لحظة.
تابع آدم:
«كنت أجرحك، ثم أتصرف كأنّ المشكلة في أنك أخذت كلامي على محمل الجدّ. لم يكن ذلك عادلًا.»
قال سامر:
«أقدّر أنك قلت هذا، لكنني أحتاج إلى وقت.»
شعر آدم برغبة في أن يشرح، وأن يذكّره بالسنوات التي جمعتهما، لكنه ترك الكلمات في مكانها.
قال:
«أتفهّم.»
انتهت المكالمة بعد دقائق قليلة.
لم يتغيّر شيء على الفور، ومع ذلك لم يحاول أن يملأ المسافة بكلمات أخرى.
ترك له الوقت الذي طلبه.
────────
في إحدى الليالي، استيقظ آدم قبل الفجر. كان البيت غارقًا في الظلام، والساعة تواصل تكتكتها من الصالة.
جلس على حافة السرير، ووضع قدميه على الأرض الباردة. حاول أن يهدأ، كما اعتاد أن يفعل، لكنه هذه المرة لم ينهض ليشغل نفسه، ولم يفتح هاتفه.
انحنى، وغطّى وجهه بيديه، وبكى.
لم يكن بكاءً صاخبًا، بل خرج متقطّعًا ومتعبًا، كأنّ جسده يتعلّم حركة نسيها منذ زمن.
لم يوقفه.
في الخارج، مرّت سيارة تنظيف الشوارع، ثم فُتح باب المخبز عند الزاوية. سمع صوت شاحنة بعيدة، وخطوات جارٍ ينزل الدرج. كان الصباح يبدأ، كما يبدأ كلّ يوم، من دون أن ينتظر أن ينتهي أحد من حزنه.
غسل آدم وجهه، وخرج من الغرفة.
كانت الساعة تعمل.
لم يكن في البيت ما يدلّ على أنّ الماضي قد تغيّر. لكن الزمن لم يتوقّف.
