للذهاب الى صفحة الكاتب   

أوراق القلب ـ رسائل حب ـ كأنّنا في الحبّ قبل هذا العهد (*)

صالح مهدي محمد

 

 

أحيانًا، ينتابني شعورٌ غريب حين ألتقي بكِ؛ كأنّ اللحظة لا تبدأ حين أراكِ، بل تستيقظ من سباتٍ طويل، وكأنّ قلبي لا يخفق للمرة الأولى، بل يستعيد إيقاعًا أراد له النسيان أن يضيع، فظلّ محفوظًا في أعماقه.

 

أفكّر كثيرًا: كيف يمكن لامرأةٍ أن تبدو غريبةً عن العين، مألوفةً للروح إلى هذا الحدّ؟ وكيف لحديثٍ عابر أن يشبه رسالةً وصلت متأخرةً من عمرٍ آخر؟ وكيف لملامحكِ أن تمنحني ذلك اليقين بأنّني لم ألتقِ بكِ الآن، بل عدتُ إليكِ؟

 

كأنّنا أحببنا قبل هذا العهد، قبل أن تُواري الذاكرةُ ما استعصى على النسيان. كأنّ لنا حكايةً عتيقةً أودعها القدرُ في شقٍّ من الزمن، حيث تنكفئ الذاكرة عن أثرها، ثم أعادنا إلى بعضنا في هيئة غريبين، لنختبر إن كانت الأرواح قادرةً على استعادة ألفتها الأولى، حين تتنكّر الوجوه خلف أقنعة العابرين، ويغدو اللقاءُ استئنافًا لشيءٍ لم ينقطع، وإن توهّمنا أنّه انتهى.

 

زد انسجام الصور والعباراتاجعل الخاتمة أكثر عاطفةكثّف السرد دون إطالة

 

ولعلّ الحبّ ليس أن نبدأ من الصفر، بل أن نعثر في الآخر على شيءٍ يجعلنا نشعر بأنّنا لم نكن تائهين، بل كنّا نسير إليه طوال الوقت. ولعلّ بعض اللقاءات ليست مصادفات، بل مواعيد قديمة تأخّر عنها الزمن، وظلّت القلوب تنتظرها دون أن تعرف ما الذي تنتظره.

 

وربّما لهذا أخاف أحيانًا من شدّة ما أشعر به تجاهكِ؛ لا لأنّ الحبّ يخيفني، بل لأنّ فيكِ ما يتجاوز قدرتي على التفسير. كأنّني كلّما اقتربتُ منكِ، انفتح في داخلي بابٌ لم أكن أعلم بوجوده، واندفعت منه أسئلةٌ لا تبحث عن إجابات، بقدر ما تبحث عن يقينٍ صغير يؤكّد لي أنّ هذا الشعور ليس وليد لحظتنا، وأنّ شيئًا منّا ظلّ ينادي الآخر طويلًا، حتى اهتدت إليه المصادفة أخيرًا.

 

 

لهذا، حين أكون معكِ، لا أشعر أنّني أكتشفكِ بقدر ما أشعر أنّني أتذكّركِ، وأنّ في صمتي تجاهكِ كلامًا قيل يومًا، وفي شوقي إليكِ حنينًا لا تفسّره أيامنا القليلة.

 

أحيانًا، أتخيّل أنّنا افترقنا في زمنٍ لا نعرفه، وأنّ كلّ ما عشناه قبل اللقاء لم يكن سوى محاولاتٍ ناقصة لاستعادة شيءٍ انتُزع من أعماقنا قبل أن نعي فقدانه. وربّما كانت الحياة، بكلّ ما أخذته منّا، تهيّئنا لهذه اللحظة؛ لا لتمنحنا حبًّا جديدًا فحسب، بل لتعيد إلينا ذلك الجزء الغامض من أنفسنا الذي ظلّ ناقصًا، كأنّه كان ينتظر ملامحكِ ليكتمل.

 

فإن سألتِني يومًا: متى بدأ حبّنا؟

 

سأبتسم وأقول لكِ: لا أدري... كلّ ما أعرفه أنّني حين وجدتكِ، شعرتُ بأنّ شيئًا في داخلي قد عاد إلى مكانه، وأنّ قلبي، الذي ظننتُه يتعلّم الحبّ معكِ، ربما كان يعرف الطريق إليكِ قبل أن نلتقي.

 

كأنّنا لم نبدأ الحبّ يوم التقينا، بل التقينا لأنّ الحبّ بيننا كان قد بدأ منذ زمنٍ لا نذكر متى كان، ولا كيف حدث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(*) الرسالة (12) : كأنّنا في الحبّ قبل هذا العهد، من الكتاب المخطوط: أوراق القلب ـ رسائل حب.