للذهاب الى صفحة الكاتب   

سركون بولص... شاعر حمل العراق في حقيبة المنفى

في الذكرى التاسعة عشرة لرحيله (1944–2007)

اعداد وكتابة كمال يلدو

 

ثمة شعراء يكتبون القصائد، وثمة شعراء تتحول حياتهم نفسها إلى قصيدة طويلة، تتداخل فيها الأحلام والخيبات، والمنافي والذكريات، والوجوه التي عبرت وخلّفت وراءها حكايات لا تنتهي. ومن هؤلاء الشاعر والقاص والمترجم العراقي سركون بولص، الذي رحل في الثاني والعشرين من تشرين الأول عام 2007، تاركًا إرثًا أدبيًا متميزًا، وحضورًا لم تستطع سنوات الغياب أن تطفئه.

لقد كان سركون واحدًا من الأصوات المهمة في حركة الشعر العراقي الحديث، ومن أولئك المبدعين الذين تجاوزوا الحدود الجغرافية والثقافية، من دون أن يتخلوا عن جذورهم العراقية، أو عن ذكريات طفولتهم ومدنهم الأولى.

 

من الحبانية إلى كركوك... البدايات الأولى

ولد سركون بولص في التاسع عشر من شباط عام 1944 في مدينة الحبانية العراقية، لعائلة آشورية كانت لغتها الأم السريانية المحكية، أو ما يُعرف بالسوريث. وفي عام 1956 انتقلت عائلته إلى مدينة كركوك، حيث أمضى سنوات المراهقة والشباب الأولى.

لم تكن كركوك بالنسبة إليه مجرد مدينة للإقامة، بل كانت فضاءً ثقافيًا وإنسانيًا غنيًا بتعدد اللغات والقوميات والأديان. ففي أزقتها وأسواقها امتزجت العربية بالكردية والتركمانية والسريانية والأرمنية، وتشكلت في وجدانه صورة مبكرة عن عراق متعدد الهويات، موحد بذاكرة المكان.

ومن هذا المناخ استمد الشاعر حساسيته الخاصة تجاه اللغة والإنسان، وأخذ يكتشف عالم الأدب، مدفوعًا بشغف استثنائي بالقراءة، وبخاصة الأدب المكتوب باللغة الإنكليزية، التي أتقنها مبكرًا وأصبحت نافذته الواسعة على التجارب الأدبية العالمية.

 

جماعة كركوك... التمرد على المألوف

في ستينيات القرن الماضي، برز اسم سركون بولص ضمن مجموعة من الأدباء الشباب الذين عُرفوا لاحقًا باسم «جماعة كركوك»، وضمت أسماء بارزة، منها فاضل العزاوي، وجان دمو، ومؤيد الراوي، وجليل القيسي، وأنور الغساني، وصلاح فائق، وآخرون.

لم تكن الجماعة مدرسة أدبية ذات بيان موحد بقدر ما كانت ملتقى لمبدعين جمعتهم الرغبة في التجديد والتمرد على القوالب السائدة في الشعر والقصة والمسرح.

وكان سركون من أكثر أعضائها انفتاحًا على الأدب العالمي، بفضل قراءاته وترجماته عن الإنكليزية. وقد أسهم هذا الانفتاح في تطوير لغته الشعرية، وتحريرها من الأساليب التقليدية، ليمنح النص الشعري طاقة جديدة في التعبير والتصوير.

ولم يكن بعيدًا عن عالم القصة القصيرة، فقد بدأ الكتابة والنشر في سن مبكرة، واستطاع أن يجمع بين الحس الشعري والبناء القصصي، في تجربة ظلت أقل شهرة من تجربته الشعرية.

 

شاعر وقاص ومترجم

حين يُذكر سركون بولص، تتجه الذاكرة غالبًا إلى قصائده، لكن هذا المبدع امتلك مواهب متعددة. فقد كتب القصة القصيرة، وترجم الشعر والنصوص الأدبية، واهتم بالرسم والفنون التشكيلية.

وتشير دراسات الدكتور روبين بيت شموئيل إلى أن سركون نشر عددًا من قصصه خلال الستينيات في الصحافة العراقية واللبنانية، وأن تلك القصص حملت سمات حداثية واضحة، من حيث غرابة المشاهد، وكثافة الصور الشعرية، والابتعاد عن السرد التقليدي.

ولعل من الجوانب الجديرة بالاهتمام أن سركون لم يجمع قصصه بنفسه في كتاب مستقل، رغم أهميتها. وقد تولى الدكتور روبين مهمة البحث عنها في الصحف والمجلات القديمة، وجمع خمسة عشر نصًا قصصيًا في كتاب حمل عنوان «سركون بولص قاصًا»، صدر عام 2009، وأُعيد نشره في طبعات لاحقة.

وهكذا أُضيء جانب من إبداع سركون كان مهددًا بالنسيان، وأصبح بالإمكان قراءة تجربته القصصية إلى جانب منجزه الشعري.

 

المنفى... وطن آخر للقصيدة

غادر سركون العراق إلى بيروت أواخر عام 1967، في مرحلة كانت فيها العاصمة اللبنانية مركزًا حيويًا للثقافة العربية وحركة التجديد الشعري.

وكان اسمه قد سبقه إليها عبر قصائده المنشورة في مجلة «شعر» وغيرها من المنابر الثقافية، فوجد نفسه قريبًا من تجارب شعرية جديدة، ومن شعراء ومثقفين أسهموا في تشكيل وعيه الأدبي.

وفي عام 1969 انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واستقر في سان فرانسيسكو، لتبدأ مرحلة طويلة من حياته خارج العراق.

غير أن المنفى، على اتساع جغرافيته، لم يتمكن من انتزاع العراق من داخله. فقد ظلت مدن الطفولة، ووجوه الناس، والحروب، والمقاهي، والبيوت، وأصوات الشوارع، تتسلل إلى قصائده، لتصبح جزءًا من عالمه الشعري.

لم يكن المنفى في شعره مجرد مكان بعيد عن الوطن، بل كان حالة إنسانية تتداخل فيها العزلة والحرية، والحنين والضياع، والذاكرة والرغبة في اكتشاف العالم.

وفي عام 1985 أصدر مجموعته الشعرية الأولى «الوصول إلى مدينة أين؟»، وتلتها مجموعات مهمة، منها «الحياة قرب الأكروبول»، و«الأول والتالي»، و«حامل الفانوس في ليل الذئاب»، و«إذا كنت نائمًا في مركب نوح».

وقد اتسم شعره بلغة تجمع اليومي بالأسطوري، والواقعي بالحلم، وبقدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى مشاهد إنسانية عميقة.

 

الإنسان خلف القصيدة

وراء ذلك الشاعر المتمرد، كان هناك إنسان شديد الحساسية، محب للحياة، واسع الثقافة، وصاحب روح إنسانية تتجاوز الانتماءات الضيقة.

ويقدم الدكتور روبين بيت شموئيل شهادة مؤثرة عن لقائه بسركون في هولندا خلال مهرجان روتردام الشعري العالمي في حزيران عام 2007، قبل رحيله بأربعة أشهر تقريبًا.

يصف الدكتور روبين دهشته حين شاهد الشاعر وقد بدا عليه التعب والنحول، لكنه ظل محتفظًا بحيويته الفكرية، وولعه بالشعر والنقاش، وروحه المرحة.

وفي تلك الأيام القليلة، دار بينهما حديث طويل عن الأدب واللغات والهوية، وعن الجذور الآشورية لسركون، وعن العراق الذي لم يغادر ذاكرته.

لقد كان سركون، رغم السنوات الطويلة التي أمضاها في الخارج، شديد الاعتزاز بتنوعه الثقافي، مؤمنًا بأن اللغات والحضارات تتداخل وتتفاعل، وأن الإبداع الحقيقي يستطيع تجاوز الحواجز القومية واللغوية.

ولعل أبلغ ما تكشفه تلك اللقاءات أن الشاعر، حتى في أيامه الأخيرة، ظل منشغلًا بالأدب وبالأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والوجود.

 

رحيل الجسد وبقاء القصيدة

في الثاني والعشرين من تشرين الأول عام 2007، رحل سركون بولص في برلين، عن ثلاثة وستين عامًا، بعدما أمضى معظم حياته متنقلًا بين المدن والقارات، باحثًا عن الحرية والجمال والمعنى.

واليوم، بعد تسعة عشر عامًا على رحيله، ما زال حضوره قائمًا في الذاكرة الثقافية العراقية والعربية، لا بوصفه شاعرًا مجددًا فحسب، بل بوصفه إنسانًا حمل في داخله تعددية العراق، وجعل منها جزءًا من صوته الإبداعي.

لقد غادر سركون مدنه الأولى، لكنه لم يغادرها شعريًا، وابتعد عن العراق جغرافيًا، لكنه ظل يستحضره في قصائده وصوره وذاكرته.

وربما تكمن فرادة تجربته في أنه لم يكتب عن المنفى وحده، بل جعل من الشعر وطنًا آخر، ومن اللغة بيتًا يستطيع العودة إليه كلما ضاقت به خرائط العالم.

رحل سركون بولص، لكن قصيدته ما زالت تسافر... وما زال صوته يصل إلينا من المدن البعيدة، محملًا بحنين الإنسان إلى أرضه الأولى

 

** تم الاعداد بالاعتماد على مادتين قدمهما د. روبين بيت شموئيل مشكورا

اعداد وكتابة كمال يلدو

تشرن أول ٢٠٢٦..