
قصيدة/ ملامح أمّي في ذاكرة الضوء
آدم دانيال هومه
حين رأيتُ ملامحَ أمّي في ذاكرة الضوء الأزليّة
وهي تنحني على ساقية الشمس
ترتوي من صفائها وتغسل عن يديها تعبَ السنين
تأجّج الجمرُ في خافقي
وانشقَّ في صدري صمتٌ قديم فتدفّق منه أنينُ اليتامى
كأنَّ جميعَ الذين فقدوا أمّهاتهم وجدوا في حنجرتي باباً للبكاء.
مددتُ يدي إليها فارتعشتْ بين أصابعي خيوطُ النهار
وناديتُها بذلك الصوت الذي خبّأتُه منذ طفولتي تحت وسادة الأحلام.
لكنَّ المسافةَ بيننا كانت تمتلئُ بنجومٍ لا يخبو بريقها
وبطرقاتٍ كلّما أوشكتُ أن أبلغَ نهايتها أعادتني إلى عتبة البيت
حيث حذاؤها الصغير ما زال ينتظرُ رجوعَ قدميها.
رأيتُ على جبينها ذلك الصفاءَ الذي كانت تمنحُه للصباح حين تفتحُ النافذة
فيدخلُ النهارُ على مهلٍ كضيفٍ يعرفُ موضعَه في الدار.
ورأيتُ عند زاوية فمها ابتسامةً أليفة
كم احتميتُ بها من خوفٍ لم أكن أعرفُ له اسماً
وكم أعادتْ إلى قلبي الصغير طمأنينتَه حين كانت الريحُ تضربُ أبوابَ الشتاء.
يا أمّي!... أكلُّ هذا العمرِ مضى وما زلتُ ذلك الطفلَ الواقفَ عند طرف ثوبكِ؟
أكلُّ هذه البلادِ عبرتُها وما زلتُ أبحثُ في الوجوه عن التفاتةٍ واحدةٍ من وجهكِ؟
كلّما اتّسعتِ الأرضُ أمامي ضاقتْ بي الطرقات
وكلّما ناداني المساءُ باسمي سمعتُ صوتكِ يطلبُ منّي أن أعودَ قبل حلول الظلام.
صرتُ أترنّحُ بين جدران الغمام وأسوار السراب
أمشي، فيتقدّمُ ظلّي نحوكِ
وأتوقّف، فيواصلُ وحدَه السير.
وأتيهُ في مهمه الذكريات
أتحسّسُ الجدرانَ بأصابع مرتجفة لعلّني أعثرُ على أثرٍ لكفّكِ
أو على كلمةٍ تركتِها هناك كي تدلّني إليكِ إذا أضلّتني الحياة.
في آخر النفق كان تنّورُنا القديمُ يتوهّج
وكان الخبزُ يعلو تحت يديكِ كأنَّ الأرضَ تتنفّسُ للمرّة الأولى.
رائحةُ الحطب، وحفيفُ الدقيق على راحتيكِ
والماءُ يرتجفُ في الجرّة وأنا أنتظرُ الرغيفَ الأوّل
وأحسبُ أنّ العالمَ كلَّه يجلسُ معنا قربَ النار.
ما أبعدَ ذلك الصباح، وما أقربَ دفأه من أصابعي الآن!
أكادُ ألمسُ كسرةَ الخبز التي كنتِ تضعينها في يدي
وأسمعُ وصيّتَكِ البسيطة: أن أتركَ للجائع حصّتَه
وألّا أغلقَ البابَ في وجه عابر.
كبرتُ، وعرفتُ من الكتب أشياءَ كثيرة
لكنّني، كلّما قسا عليَّ العالم عدتُ إلى تلك الكسرة
فوجدتُ فيها ما لم أجدْه في خطب الملوك وحكمةِ المتباهين بالحكمة.
وأمضي وراءَ ضحكتكِ حتّى تتباعدَ الأرض
فأقطفُ عناقيدَ المجرّات وأضعُها في سلّةٍ من حنين
وأقولُ: لعلّ أمّي تفرحُ بهذه الثمار التي لم تنضجْ في بساتين قريتنا
ولعلّها حين تمدُّ يدَها إليها تمسُّ يدي
فأصدّقُ أنّ الفراقَ كان حلماً ثقيلاً وانقضى.
ثمّ رأيتُ طيفكِ يمشي على الماء
كان النهرُ هادئاً والقصبُ ينحني على ضفّتيه
والضوءُ يتبعُ خُطاكِ كأنّه يعرفُ الطريقَ منذ الأزل.
لم تكوني تحملين شيئاً لكنَّ الماءَ امتلأ بالسنابل
وامتلأتِ الضفافُ بأصوات أطفال يركضون نحو بيوتهم.
وكنتُ أراكِ تبتعدين... فأبكي
وأراكِ تلتفتين... فيزداد بكائي
إذ يعودُ إلى وجهكِ ذلك الحنانُ الذي لا تحتملُه قوّةُ رجلٍ أثقلته السنين.
قلتُ: انتظريني فما زال في القلب كلامٌ تأخّرتُ في قوله
وما زالتْ على كتفي يدُكِ التي لم أشكرْها بما يكفي.
لكنَّ صوتي تكسّرَ فوق الماء ومضيتِ إلى حيثُ يتّسعُ النور
تاركةً عند قدميَّ دوائرَ صغيرةً من رجفة النهر
كأنّكِ كتبتِ رسالتَكِ الأخيرة بلغةٍ لا تحفظُها الأوراق.
عندئذٍ غفوتُ على غصون الريح متعباً من ملاحقة الغياب
كانت تهزُّني برفقٍ يشبهُ رفقَ ذراعيكِ
وكانت نجمةٌ قريبة تسهرُ فوق رأسي
فخلتُها قنديلاً علّقتِه بيدكِ في نافذة السماء كيلا أخافَ عتمةَ المنام.
وفي نومي سمعتُ أناملَ النخيل تعزفُ في ذاكرتي
أعذبَ ألحان الذين عاشوا في الزمان الذي سبقَ الطوفان.
كانت أصواتُهم تصعدُ من الطين
من جرار الماء ومن شقوق الحجارة
ومن أخشاب أبوابٍ لم يبقَ منها سوى رائحتها.
رأيتُ نساءً يغزلنَ الصوفَ عند المساء
ورجالاً يعودون من الحقول وعلى جباههم ملحُ التعب
وأطفالاً ينصتون إلى الحكايات كأنّهم يُصغون إلى ولادة النجوم.
وكانت أمٌّ بعيدة تغنّي لوليدها
فتعبرُ تهويدتُها آلافَ السنين وتصلُ إلى سريري القديم.
هناك عرفتُ صوتكِ
وعرفتُ أنّ الحنانَ سافرَ طويلاً في صدور النساء
حتّى بلغَ قلبكِ ثمّ اتّخذَ من قلبكِ طريقَه إليَّ.
على ضفاف الخابور نهضتْ أشجارُ الزيزفون من غفوتها
ونفضتْ عن أغصانها غبارَ الغياب
تنفّستُ عطرَها فعادَ إلى قدميَّ ترابُ القرية
وعادَ إلى النافذة وجهُ الصباح
وعادتْ مياهُ الساقية تحملُ أصواتَ الراحلين من حقلٍ إلى حقل
رأيتُ طفولتي تركضُ حافيةً وراءَ فراشة ناديتُها فلم تسمعْني
كانت مشغولةً بالشمس وكانت أمّي تنتظرُها عند الباب.
فتركتُها تواصلُ الركض ووقفتُ بعيداً
أحرسُ لها ذلك النهار من معرفتي بما سيأتي
حين استيقظتُ كان قلبي يتألّقُ في الآفاق
ثمّ صار جواداً ينفضُ عن عُرفه رمادَ الليالي ويضربُ الأرضَ بحوافره
فتستيقظُ في أعماقها ينابيعُ طال احتباسُها
امتطيتُ صهوتَه وحملتُ صوتَ أمّي في صدري
ومضيتُ أسابقُ الرياحَ إلى واحات الفجر
عبرنا سهولاً كانت السنابلُ فيها تستعيدُ اخضرارَها
وقرىً تحفظُ في حجارتها دفءَ الذين بنوها
ومقابرَ يعلو فوقها العشبُ
كأنَّ الأرضَ تردُّ إلى أبنائها شيئاً من ربيعهم
ثمّ صعدنا نحو جبال آشور
حيث نحتتْ أصابعُ التاريخ حكاياتِها على الصخور الشاهقة
وحيثُ تحملُ الريحُ بقايا صلواتٍ لم تنقطعْ عن طلب الحياة
ترجّلتُ، ووضعتُ كفّي على الصخر
فأحسستُ تحت خشونته نبضَ أيدٍ غابَ أصحابُها
يدَ بنّاءٍ... ويدَ فلّاحٍ
ويدَ أمٍّ ترفعُ طفلَها ليرى من علٍ اتّساعَ الوادي.
قرأتُ ما استطعتُ من كتابة الزمن وما استعصى عليَّ
أصغيتُ إليه بقلبي
فثمّةَ حكاياتٌ لا تكشفُ الحروفُ وحدَها سرَّها
ويحتاجُ المرءُ كي يفهمَها إلى أن يضعَ أذنَه على التراب وينتظر.
هناك سمعتُ أسماءً تخرجُ من صمتها الطويل
وسمعتُ ضحكاتٍ لم تحفظْها سجلاتُ الملوك
وأنينَ أناسٍ حملوا حجارةَ المدن ثمّ ناموا خارجَ أسوارها
فجمعتُ أصواتَهم في قصيدتي وتركتُ لكلّ واحدٍ منهم موضعاً يتنفّسُ فيه
وعند بركة الشمس رأيتُ الثورَ المجنّح يغسلُ جراحَه
كان الماءُ يحمرُّ قليلاً ثمّ يصفو
وكان جناحُه المثقلُ بالغبار يرتفعُ ببطء
فتسقطُ من ريشه شظايا أبوابٍ محترقة وذرّاتٌ من ليلٍ قديم
وقفتُ أمامه ففاحَ من موضع قدميه عطرُ التاريخ
رائحةُ التراب حين يبتلُّ بالمطر
ورائحةُ خبز التنّور في أوّل النهار
ورائحةُ الأرز في سقوف المعابد.
ومن عينيه تدفّقَ ضوءُ الفجر الأزلي فأضاءَ وجهي
ورأيتُ في الماء ملامحَ أمّي تختلطُ بملامح الأرض
لم يتكلّم... أطرقَ نحو جرحٍ في جنبه ثمّ رفعَ رأسَه إلى الأفق
كأنّه يسألُ عمّا ينتظرُ أبناءَه خلفَ هذا الليل.
غسلتُ بيديَّ موضعَ الدم تذكّرتُ كيف كانت أمّي تغسلُ جرحَ جبيني
حين أعودُ باكياً من اللعب في شوارع القرية
كانت تنفخُ عليه برفق وتقولُ إنّه سيبرأ
فأصدّقُها... ويخفُّ الألم.
يا أمّي!... ها أنا أستعيرُ من يديكِ ما تعلّمتاه من مداواة الجراح
وأضعُه على حجرٍ أنهكَه الانتظار.
علّمتِني أن أقتربَ من الوجع
وأن أمنحَ المتألّم وقتاً ليحكي وماءً ليغسلَ وجهَه ومكاناً آمناً ليستريحُ.
نهضَ الثورُ المجنّح وانسابَ الماءُ عن صدره
وبدا الجرحُ واضحاً تحت الشمس
خطا، فارتجَّ في الأرض صدى بعيد
ثمّ خطا ثانيةً نحو دربٍ أخذَ الضوءُ يكشفُ حجارتَه
على وقع خُطاه تلاقى الماضي والحاضر والمستقبل
جاء الماضي يحملُ ألواحَه المكسورة
وجاء الحاضرُ بكفّين متعبتين
وأقبلَ المستقبلُ طفلاً يسألُ عن موضعٍ يغرسُ فيه شجرة
جلسوا عند الماء وتبادلوا خبزَهم
وكانت أمّي، في خاطري، تفسحُ لهم مكاناً حول المائدة
وتملأُ الكؤوس وتطلبُ منّي أن أقرّبَ المقعدَ للضيف البعيد.
فهمتُ عندها أيَّ زادٍ أحملُ إلى العالم
وأيَّ خبرٍ يستحقُّ أن أسابقَ به الرياح
سأحملُ إليه أسماءَ مدني وأنغامَ لغتي وما تركَ الأجدادُ من أثر
وأحملُ أيضاً رغيفَ أمّي
كي يعرفَ الجالسون معي كيف كانت تقسمُه حين يزيدُ الضيوف.
وأفتحُ في القصيدة باباً يدخلُ منه المختلفون
كلٌّ بصوته
ولونِ وجهه
وحكايةِ رحلته
فيجدون ماءً وظلّاً ويتركون على جدرانها شيئاً من أغانيهم.
أريدُ لطفلٍ في أقصى الأرض أن ينامَ مطمئنّاً حين ينطفئُ المصباح
ولأمٍّ أنهكَها الانتظار أن تسمعَ خُطى ابنها تصعدُ درجات البيت
ولغريبٍ أضاعتْه الطرقات أن يجدَ من ينطقُ اسمَه بألفةٍ وحنان.
هذه واحاتُ الأمل التي أبحثُ عنها في وهج الغد
أرى أشجارَها تنمو كلّما امتدّتْ يدٌ إلى يد
وأسمعُ مياهَها تجري كلّما عادَ إلى قلبٍ خائف بعضُ الأمان
وأنتِ، يا أمّي ما زلتِ عند ساقية الشمس
تغسلين عن وجه الصباح بقايا ليلِه الطويل
أراكِ الآن أوضحَ ممّا كنتُ أراكِ حين أثقلَ الدمعُ عينيَّ
أراكِ في كفٍّ تسندُ شيخاً
وفي امرأةٍ تضمُّ طفلاً تائهاً
وفي خبزٍ يُقتسمُ بصمتٍ ومحبّة
أمضي، وأحملُ ملامحَكِ في ذاكرة الضوء
كلّما تعبتُ أخرجتُ من صوتكِ كلمةً واستندتُ إليها
وأمضي وقلبي الجوادُ يعرفُ وجهتَه
والثورُ المجنّحُ يتقدّمُ عند الأفق يفتحُ بجناحيه للريح ممرّاً
كي تحملَ بذورَ الربيع إلى الحقول البعيدة
وحين أصلُ إلى واحات الفجر سأترجّلُ عند أوّل شجرة
وأضعُ ما جمعتُه من تعبٍ وحنين قربَ جذعها
ثمّ أجلسُ بين القادمين وأحدّثُهم عنكِ
سأقولُ: كانت لي أمٌّ إذا مسّتْ رغيفاً امتلأَ البيتُ بركة
وإذا نادتْ اسمي عدتُ من منفاي
وإذا وضعتْ يدَها على قلبي هدأَ فيه العالم.
ثمّ أرفعُ وجهي إلى النور فأراكِ تبتسمين
وأسمعُ الماءَ يجري
وأمدُّ يدي إلى الرغيف لأقسمَه مع الجميع.
،،،،،،،،،،
