
بَيْنَ مِفْتاحَيْنِ_ قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ
عامر عودة
عِنْدَما كانَ السَّجَّانُ يَسيرُ بِهِ إِلَى الزِّنْزانَةِ، شَدَّ انْتِباهَهُ المِفْتاحُ الَّذي يَتَدَلَّى مِنْ يَدِهِ. فَقَدْ غاصَ ذَلِكَ المِفْتاحُ في تَلابيبِ ذاكِرَتِهِ، لِيَسْتَخْرِجَ مِنْها صُورَةَ المَكانِ الَّذي رَأى فيهِ مِفْتاحًا يُشْبِهُهُ. وَعِنْدَما رَماهُ السَّجَّانُ داخِلَ شَرْنَقَةِ الزِّنْزانَةِ، وَأَغْلَقَ بابَها بِذَلِكَ المِفْتاحِ، وَجَدَ ما كانَ يَبْحَثُ عَنْهُ.
إِنَّهُ يُشْبِهُ مِفْتاحَ جَدِّهِ، رَحِمَهُ اللهُ، المُعَلَّقَ فَوْقَ بابِ بَيْتِهِ. وَما زالَ مُعَلَّقًا حَتَّى اليَوْمِ، مُنْتَصِبًا بِساقِهِ المَعْدِنِيَّةِ الطَّويلَةِ النَّحيلَةِ، بِكُلِّ وَقارٍ وَهَيْبَةٍ، كَهَيْبَةِ شَيْخٍ لَمْ يَزِدْهُ الزَّمَنُ إِلَّا إِجْلالًا وَثَباتًا. لَكِنَّهُ، بِيَدِ السَّجَّانِ، كانَ مُخيفًا وَحَقيرًا وَبِلا هَيْبَةٍ.
كانَ جَدُّهُ يُسَمِّيهِ مِفْتاحَ العَوْدَةِ؛ فَهُوَ مِفْتاحُ بَيْتِهِ في قَرْيَتِهِ كَفْرِ بِرْعِمَ، الَّتي هُجِّرَ مِنْها، كَبَقِيَّةِ سُكَّانِها، وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْها إِلَّا مَحْمُولًا عَلى نَعْشٍ، لِتَرْتاحَ روحُهُ تَحْتَ تُرابِها إِلَى الأَبَدِ. أَمَّا المِفْتاحُ، فَقَدْ ظَلَّ مُعَلَّقًا في مَكانِهِ، يَنْتَظِرُ عَوْدَةَ صاحِبِهِ.
بَعْدَ وَقْتٍ لا يَعْلَمُ إِنْ كانَ طَويلًا أَمْ قَصيرًا، عادَ السَّجَّانُ بِمِفْتاحِهِ اللَّعينِ، وَفَتَحَ بابَ الزِّنْزانَةِ، مُصْدِرًا صَوْتَ صَريرٍ لا يُحِبُّهُ السَّجينُ؛ لِأَنَّهُ بِمَثابَةِ دَعْوَةٍ جَديدَةٍ إِلَى التَّحْقيقِ. لَكِنَّ قَلْبَهُ لَمْ يَرْتَعِشْ هذِهِ المَرَّةَ عِنْدَ سَماعِهِ هذَا الصَّوْتَ المَلْعونَ، فَقَدْ كانَتْ كُلُّ أَفْكارِهِ أَسيرَةَ المِفْتاحَيْنِ: مِفْتاحِ جَدِّهِ وَمِفْتاحِ السَّجَّانِ، وَذَلِكَ التَّشابُهِ الغَريبِ بَيْنَهُما.
وَما إِنْ فُتِحَ بابُ الزِّنْزانَةِ حَتَّى صَوَّبَ نَظَرَهُ نَحْوَ تِلْكَ القِطْعَةِ المَعْدِنِيَّةِ ذاتِ الرِّجْلِ الواحِدَةِ. وَقَدْ لاحَظَ السَّجَّانُ أَنَّ عَيْنَيِ الشَّابِّ المُعْتَقَلِ انْصَبَّتا عَلى المِفْتاحِ الَّذي بِيَدِهِ، فَارْتَسَمَتِ الحَيْرَةُ عَلى وَجْهِهِ، وَأَخْفاهُ في جَيْبِهِ بِلا وَعْيٍ مِنْهُ، دُونَ أَنْ يَفْهَمَ هُوَ نَفْسُهُ سَبَبَ ذَلِكَ!
بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ التَّحْقيقاتِ المُهينَةِ وَالمُتْعِبَةِ، تَقَرَّرَ إِطْلاقُ سَراحِهِ، لِعَدَمِ وُجودِ أَدِلَّةٍ كافِيَةٍ تُدينُهُ بِالاشْتِراكِ في المُظاهَرَةِ المَحْظورَةِ ضِدَّ سِياسَةِ الحُكومَةِ.
وَبَعْدَ أَنْ عادَ إِلى بَيْتِهِ، لَمْ يَهْدَأْ لَهُ بالٌ حَتَّى زارَ بَيْتَ جَدِّهِ، رَحِمَهُ اللهُ. وَما إِنْ دَخَلَهُ حَتَّى صَعِدَ كُرْسِيًّا، وَأَنْزَلَ المفْتاحَ الَّذي ما زالَ مُعَلَّقًا فَوْقَ البابِ، كَما تَرَكَهُ قَبْلَ رَحيلِهِ، وَبَدَأَ يَتَفَحَّصُهُ بِغَرابَةٍ.
«إِنَّهُ يُشْبِهُ رِجْل إِنْسانٍ»، قالَ في نَفْسِهِ. «وَإِذا ما وَضَعْنا مِفْتاحَيْنِ أَحَدُهُما بِجانِبِ الآخَرِ، فَسَيَبْدُوانِ عَلى شَكْلِ رِجْلَيْنِ. وَما أَجْمَلَ أَنْ يَتَراءى لَنا وَكَأَنَّهُما يَمْشِيانِ عائِدَيْنِ إِلى بَيْتِهِما المُهَجَّر! إِنَّهُ بِالفِعْلِ مِفْتاحُ العَوْدَةِ، اسْمٌ عَلى مُسَمًّى».
سَأَلَ جَدَّتَهُ المُسْتَلْقِيَة عَلى فِراشِها، وَالَّتي كانَتْ تُعاني مِنْ مَرَضٍ عُضالٍ:
– أَتَعْلَمينَ يا جَدَّتي أَنَّ مِفْتاحَ السِّجْنِ يُشْبِهُ هَذا المِفْتاح؟
لَمْ تَسْمَعِ الجَدَّةُ جَيِّدًا ما قالَهُ حَفيدُها، لَكِنَّها عِنْدَما رَأَتِ المِفْتاح بِيَدِهِ، غَزاها حَنينٌ إِلى الماضي، فَقالَتْ:
– رَحِمَ اللهُ جَدَّكَ... كانَ هَذا المِفْتاح بِالنِّسْبَةِ لَهُ أَعَزّ وَأَثْمَن قِطْعَة في المَنْزِلِ.
وَبَعْدَ صَمْتٍ قَصيرٍ، قالَ مُقْتَرِبًا مِنْ جَدَّتِهِ لِتَسْمَعَهُ جَيِّدًا:
– هُناكَ شَيْءٌ يُحَيِّرُني يا جَدَّتي...
وَأَرْدَفَ، ناظِرًا إِلى المِفْتاحِ في يَدِهِ:
– هَذا مِفْتاحُ بَيْتِكُمْ في كَفْر بِرْعِم، الَّتي هُجِّرْتُمْ مِنْها قَبْلَ عَشَراتِ السِّنينَ. وَما زِلْتُمْ تَحْفَظونَهُ رَمْزًا لِلْعَوْدَةِ إِلى قَرْيَتِكُمْ. أَتَعْلَمينَ يا جَدَّتي أَنَّ مِفْتاحَ السِّجْنِ يُشْبِهُهُ؟!
وَأَمْسَكَ بِيَدِها، ثُمَّ أَرْدَفَ:
– المُهَجَّرونَ يَتَمَنَّوْنَ العَوْدَةَ إِلى بُيوتِهِمْ، لَكِنْ لا أَحَدَ يَتَمَنَّى العَوْدَة إِلى السِّجْنِ.
حاوَلَتِ الجَدَّةُ أَنْ تَرْفَعَ جَسَدَها، لَكِنَّها لَمْ تَسْتَطِعْ. فَساعَدَها عَلى الاسْتِنادِ، واضِعًا الوِسادَةَ وَراءَ رَأْسِها. وَعِنْدَما اسْتَقامَ ظَهْرها، رَمَقَتْهُ بِعَيْنَيْنِ غائِرَتَيْنِ، وَقالَتْ بِصَوْتٍ مُتَحَشْرِجٍ:
– لا يَهُمُّ مَنْ يَحْمِل مِثْلَ هَذا المِفْتاحِ يا سِتِّي، بَلِ الباب الَّذي سَيَفْتَحُهُ بِهِ.
ثُمَّ أَسْبَلَتْ جَفْنَيْها، وَسَقَطَتْ دَمْعَتانِ عَلى خَدَّيْها، وَغاصَتْ مَرَّةً أُخْرى في السَّريرِ. وَأَخَذَ صَدْرها يَعْلو وَيَهْبِطُ بِإيقاعٍ مُضْطَرِبٍ. وَقالَتْ بِصَوْتٍ ضَعيفٍ مُتَقَطِّعٍ:
– خُذِ المِفْتاح... احْفَظْهُ عِنْدَكَ... حافِظْ عَلَيْهِ، كَما حافَظَ عَلَيْهِ جَدُّكَ... رُبَّما يَتَحَقَّقُ حُلْمُهُ وَهُوَ تَحْتَ التُّرابِ...
وَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْها، غارِقَةً في نَوْمٍ عَميقٍ وَحُلْمٍ قَديمٍ جَميلٍ...
