للذهاب الى صفحة الكاتب   

أوراق القلب – رسائل حب – لأننا

صالح مهدي محمد

 

 

لأننا لم نكن من أولئك الذين يعبرون الحياة دون أن تترك فيهم عبوراً، أو يتركوا في مساراتها أثراً، ولا من الذين تكتفي أرواحهم بمصافحة الأشياء ثم الانصراف عنها دون أن تترك في جدرانها شيئاً من ارتجافها؛ لأننا جئنا إلى هذه الحياة محمّلين بفائضٍ من الشعور، وبنقصٍ فادحٍ في القدرة على تفسيره، ولأن في دواخلنا لغةً لا تستقيم على ألسنة الآخرين، ولا تنقاد لقواميسهم مهما بالغوا في تهذيب المفردات وتدجين المعاني؛ كان لا بدّ أن يحدث هذا الذي حدث، أن تتشابك أرواحنا على نحوٍ لا تستطيع خرائط المصادفة تفسيره، وأن يغدو حضورك في تكويني ضرباً من ضروب الاستحالة التي لا يُفلح العقل في دحضها، ولا يجرؤ القلب على إنكارها.

 

لأننا أحببنا بطريقةٍ لا تشبه الحبّ في معاجم المألوف، لم يكن الأمر مجرّد ميلٍ عاطفيٍّ يتكئ على كتف الإعجاب، ولا انجذاباً عابراً تستدرجه الملامح إلى تخوم التعلّق؛ بل كان أشبه بانهدامٍ كونيٍّ صامت، انفرطت على إثره نواميس وحدتي، وتبدّلت في داخلي الجهات، حتى لم أعد أعرف أأنا الذي أبحث عنك، أم أن شيئاً منك قد استوطن فيَّ وصار يتخذ من نبضي وسيلةً للاستدلال على وجوده. لقد أصبحتُ، دون أن أستأذن منطق الأشياء، أقرأ العالم من خلالك؛ فالأزمنة عندي تُقاس بمقدار اقترابك، والمسافات تُستحدث كلما غبت، والأماكن تفقد أهليّتها للسكنى حين لا تكونين جزءاً من نسيج تفاصيلها.

 

لأننا لم نتقن فنّ النجاة من بعضنا، ظللنا نُخفي في تجاويف الصمت ما تعجز عنه فصاحة الاعتراف، ونُودع النظرات رسائل لا تملك حروفاً، ونُحمّل السكوت أعباءً دلاليةً تفوق طاقة الكلام. كم من مرةٍ أردتُ أن أقول لك إنك لستِ شخصاً أحببته فحسب، بل إنك الانزياح الذي طرأ على تعريف الأشياء في ذهني، والخلل الجميل الذي أصاب النسق الخفي لأيامي، واللغة التي كلما حاولتُ ترجمتها خانتني البلاغة، واستعصى عليّ العثور على مرادفٍ يليق بما تفعلينه في أعماقي. أنتِ لستِ وجهاً أشتاق إليه، بل جهةٌ أُعادِل بها اختلال الجهات، ولستِ صوتاً أحنّ إليه، بل صدىً أوليٌّ يوقظ في روحي أصداءً لم تكن تعلم أنها موجودة.

 

لأننا، يا أنتِ، لم نُخلق لنكون حكايةً سهلة الاستهلاك، لم يكن ممكناً أن تُختصر علاقتنا في جملةٍ مستهلكة، أو أن تُحاصرها استعارةٌ واحدة، أو أن تستوعبها نهايةٌ تقليدية. نحن شيءٌ يتجاوز حدود التسمية، كأننا فاصلةٌ أُقحمت في نصّ الوجود لتؤجّل اكتماله، أو كأننا هامشٌ سرّيٌّ في كتاب الأقدار، لا يقرؤه إلا من امتلك حاسةً سادسةً لفكّ شيفرات الغياب. وما بيني وبينك ليس فراغاً تملؤه المسافات، بل امتلاءٌ مفرطٌ يتخفّى في هيئة فراغ؛ وليس صمتاً يفتقر إلى الكلام، بل ضجيجٌ مستترٌ تتزاحم في أروقته اعترافاتٌ لم تجد منفذاً إلى العلن.

 

لأننا نعرف أن الأشياء العميقة لا تأتي دائماً في هيئة الطمأنينة، وأن بعض المحبّات تشبه البحار التي لا تُرى قيعانها، فقد تصالحنا مع ذلك الاضطراب الذي يتركه حضورك في نظامي الداخلي. لم أعد أطلب من قلبي أن يكون منطقياً، ولا من ذاكرتي أن تتخلّص من آثارك، ولا من الوقت أن يكون عادلاً في توزيع لحظاته بين حضورك وغيابك؛ فما جدوى أن أطالب النهر بنسيان مجراه، أو أن أعاتب الظلّ لأنه يتبع صاحبه؟ لقد صرتِ فيَّ قانوناً غير مكتوب، واستثناءً لا تقوى القواعد على استيعابه، وندبةً من الضوء، كلما حاولتُ إخفاءها ازدادت إشراقاً.

 

لأننا لم نكن عاديين في شعورنا، صارت التفاصيل الصغيرة لدينا أحداثاً تستحق أرشفة العمر؛ التفاتةٌ منك قد تُعيد ترتيب فوضى يومٍ كامل، وكلمةٌ عابرةٌ قد تستقرّ في الذاكرة كأنها وصيّةٌ مؤجّلة، وغيابٌ قصيرٌ قد يستحيل في داخلي إلى امتدادٍ زمنيٍّ تتشابه بداياته وتضيع نهاياته. ولعلّ أكثر ما يدهشني فيك أنك لا تفعلين شيئاً استثنائياً كي تكوني استثنائية؛ يكفي أن تكوني، أن تمرّي في خاطري مرور الغيمة على أرضٍ عطشى، حتى تستيقظ في داخلي مواسمُ لم تكن في الحسبان.

 

لأننا لا نملك رفاهية الشعور المنقوص، فإنني حين أكتب إليك لا أكتب من سطح العاطفة، بل من طبقاتها الجيولوجية الأبعد، من ذلك الموضع الذي تتراكم فيه رواسب الحنين، وتتحجّر فيه الذكريات على هيئة شظايا شفّافة. أكتب إليك من منطقةٍ لا تصل إليها اللغة إلا متعثّرة، ولا تستطيع البلاغة دخولها إلا بعد أن تخلع عن نفسها زينة الاستعارات الجاهزة. أكتب لأن في صدري كلاماً لا يُقال، ولأن عدم قوله لا يعني انطفاءه، بل يعني أنه يواصل نموّه في العتمة، مثل جذورٍ سرّيةٍ تبحث عن الماء في باطن الأرض.

 

لأننا، مهما تباعدت بنا الجهات، سنظلّ نمتلك تلك القرابة الغامضة التي لا تمنحها الأنساب، ولا تصنعها المصادفات العابرة؛ قرابة الشعور حين يعثر على نظيره، والروح حين تتعرّف إلى ارتجافٍ يشبهها، والقلب حين يكتشف أن بعض الغرباء أكثر ألفةً من ألف وجهٍ اعتاد رؤيتها.

 

ولستُ أقول إنك صرتِ عالمي، فـما أحدثته فيَّ يتجاوز كل اتساعٍ مألوف؛ أنتِ الفضاء الذي أُعيد فيه اكتشاف الوجود، وأنتِ الاحتمال الذي يجعل المستحيل أقلّ تعنّتاً، وأنتِ تلك المسافة التي كلما اقتربتُ منها اكتشفتُ أنها تتّسع في داخلي.

 

لأننا لم نكن نبحث عن حبٍّ يملأ فراغ الوقت، بل عن معنىً يملأ فراغ الروح، لم تعد تكفيني الكلمات التي يتداولها المحبّون على عتبات اللقاء؛ أريد أن أخبرك أنك تسكنين فيَّ بطريقةٍ لا تُشبه السكنى، وأن اسمك لم يعد اسماً يُنادى به، بل صار مفتاحاً خفيّاً لأبوابٍ لا أعرف كيف فُتحت، وأنني كلما حاولتُ أن أكون بعيداً عنك اكتشفتُ أن البُعد نفسه يستعير ملامحك كي يُعرّفني بنفسه.

 

ولأننا... لأننا تحديداً، لا لأن الحبّ حدثٌ عابرٌ في سجلّ الأيام، ولا لأن المصادفة قرّرت أن تجمع بين اسمين في صفحةٍ واحدة؛ بل لأن شيئاً فينا سبق لقاءنا، وكأن الأرواح كانت قد تبادلت رسائلها قبل أن تتعارف الوجوه، وكأن الحكاية كُتبت في موضعٍ لا تطاله أيدينا، ثم تُرك لنا أن نكتشفها ببطءٍ، عبر ارتباك النظرات، واستعصاء النسيان، وتلك الرغبة العجيبة في أن نجد بعضنا حتى حين لا نبحث.

 

لأننا نحن، بكل ما فينا من تناقضٍ وتيهٍ وحنين، لم نكن مجرّد عاطفةٍ تُروى، بل كنّا سؤالاً معلّقاً في سقف الوجود، لا يريد إجابةً بقدر ما يريد أن يظلّ مفتوحاً. ولهذا سأظلّ أكتبك، لا كي أحتفظ بك بين دفّتي رسالة، بل كي لا يبتلع الصمت ما عجزت الحياة عن احتضانه؛ سأكتبك حين يفيض الحنين، وحين يتظاهر قلبي بالتماسك، وحين تمرّ الأيام دون أن تحمل من أخبارك شيئاً، وسأكتبك حتى تصبح الكتابة نفسها عاجزةً عن التفريق بيني وبينك.

 

لأننا لم نكن اثنين التقيا فحسب؛ كنّا معنىً واحداً أضاعته اللغة بين ضميرين، وظلّ يبحث عن نفسه في ارتجافة قلبٍ وقلب.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) الرسالة (15) : لأننا، من الكتاب المخطوط: أوراق القلب ـ رسائل حب.