للذهاب الى صفحة الكاتب   

أوراق القلب – رسائل حب – اليوم الذي تأخّر فيه الوداع(*)

صالح مهدي محمد

 

إليكِ...

أكتب إليكِ عن يومٍ آخر من أيامنا، ذلك اليوم الذي بدا فيه المكان كأنه يرتّب ذاكرته لاستقبالنا. كان الشاطئ يمدّ زرقة مائه حتى حافة الرمل، والأشجار تتبادل همساً لا يسمعه المارّة، والمقاعد تستريح من أجساد العابرين، فيما كانت الأريكة القريبة من الماء تنتظرنا كأنها تعرف أن للحب موعداً لا تعلنه الساعات.

 

جئتُ قبلكِ بقليل. جلستُ أراقب الوجوه وهي تعبر، وأتخيّل أن لكل وجه حكايةً خبّأها في جيبه. وحين ظهرتِ، اختلّ ترتيب المشهد؛ لم يعد البحر بحراً، ولا المارّة مارّة، حتى الأريكة بدت كأنها تستعيد شبابها. جلستِ إلى جواري، فشعرتُ أن قلبي لم يكن ينتظر حضوركِ، بل كان يؤجل غيابه حتى تأتي.

 

قلتِ وأنتِ تتأملين الماء:

ـ أتظن أن الحب ينجو من الحقيقة؟

 

قلتُ:

ـ ربما الحقيقة هي التي تنجو من الحب، فنحن نكتشف أنفسنا على هيئة جروح حين نحب.

 

ـ والصدق؟

ـ أن أهبكِ ما أخفيه، لا ما أُحسن إظهاره.

 

ـ والصراحة؟

ـ أن أقول لكِ ما يؤلمني، قبل أن تتعلم عيناكِ قراءته في وجهي.

 

ـ والوفاء؟

تأملتُ يدكِ القريبة من يدي وقلتُ:

ـ أن تظلي في داخلي، حتى حين لا يبقى لي منكِ سوى جهةٍ أستدل بها على نفسي.

 

ابتسمتِ:

ـ كأنك تجعل الغياب شرطاً للحضور.

 

قلتُ:

ـ بعض الأشياء لا تظهر إلا حين تفقد شكلها الأول؛ فالماء لا نعرف عمقه من سطحه، والقلب لا نعرف وفاءه من قرب صاحبه.

 

سكتِّ قليلاً، ثم سألتِ:

ـ وأين يذهب الحزن حين نحب؟

ـ يجلس بيننا، ويترك لنا مقعدين؛ واحداً للفرح، وآخر لما لم نستطع قوله.

 

ـ والألم؟

ـ هو ذاكرة الجسد حين تعجز الروح عن الاحتفاظ بالتفاصيل.

 

ـ والبعد؟

ـ أن تكون المسافة قصيرة إلى حدّ اللمس، وطويلة إلى حدّ الاستحالة.

 

مرّت مجموعة من الناس بمحاذاتنا، وكان أحد الأطفال يركض خلف طائرٍ أفلت من يده. تابعتُه بعيني، ثم عدتُ إليكِ. قلتِ:

ـ هل تستطيع الحياة أن تعيش بلا حب؟

 

قلتُ:

ـ تستطيع، لكنها تصبح بارعةً في عدّ الأيام، عاجزةً عن معرفة لماذا تمرّ. الحب لا يضيف إلى الحياة شخصاً فحسب؛ إنه يغيّر معنى الأشياء التي كانت موجودة قبل مجيئه.

 

ـ وماذا عن حب العاشق لمعشوقته؟

ـ ذاك أن يراكِ العالم امرأةً واحدة، وأراكِ أنا عالماً كاملاً أخطأ في تسمية نفسه.

 

ـ وهل يكفي ذلك؟

ـ لا. فالعاشق الذي يكتفي بامتلاك المعنى يفقد معناه؛ الحب أن أترك لكِ اتساعكِ، وأن أكون قريباً دون أن أختصر حريتكِ في حاجتي إليكِ.

 

نظرتِ إليّ طويلاً، ثم قلتِ:

ـ وما الذي يبقى حين ينتهي الكلام؟

 

قلتُ:

ـ ما لم يستطع الكلام أن يقوله.

 

هبّت نسمة حرّكت أطراف ثوبكِ، وارتدّ الموج عن الرمل كأنه تراجع عن اعترافٍ لم يكتمل. عندها أدركتُ أن المساء أخذ يطوي المشهد، وأن الأريكة التي احتملتنا طوال الحديث ستعود بعد قليل إلى وحدتها، وأن الوجوه التي منحت المكان حياةً أخرى ستغادر تباعاً.

 

نهضتِ، ونهضتُ معكِ. مشينا بمحاذاة الشاطئ، وكانت خطواتنا تتباطأ كلما اقتربنا من نهاية الطريق. لم نتفق على لحظة الرحيل، لكن شيئاً خفياً كان يوزّع الوداع بيننا، كأن أحدنا يحمل نصفه، ويحمل الآخر النصف الذي لا يُحتمل.

 

التفتُّ إليكِ، فوجدتُ عينيكِ تسبقان خطاكِ إليّ. تبادلنا نظرةً طويلة؛ لم تكن تستوقف الرحيل، بل كانت تجرّب أن تجعل منه لقاءً آخر.

 

إليكِ أكتب الآن، لا لأستعيد ذلك اليوم، بل لأخبركِ أنني كلما تذكرتُ ابتعادنا، رأيتُ المسافة تفعل شيئاً غريباً؛ كانت تكبر بين خطوتينا، وتصغر بين عينينا. حتى خُيّل إليّ أن الطريق الذي أخذنا بعيداً عن بعضنا كان يقودنا، في جهةٍ لا تراها الأقدام، إلى بعضنا أكثر.

 

ولعلّ أجمل ما حدث في ذلك اليوم أنني لم أودّعكِ حين ابتعدتِ؛ لقد ظللتُ أقترب منكِ، حتى صار آخر ما بيننا من مسافة هو الشيء الوحيد الذي لم يستطع الفراق أن يعبره.

 

منذ ذلك المساء، كلما ابتعدتِ عن عينيّ، اتّسعتِ في جهتي؛ وكأن اللهفة اخترعت للقرب طريقاً لا تعرفه المسافات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (*) الرسالة (16) : اليوم الذي تأخّر فيه الوداع , من الكتاب المخطوط: أوراق القلب ـ رسائل حب.