للذهاب الى صفحة الكاتب   

قراءة نقدية أكاديمية في مجموعة "مغزل العشق" الزاهد بين قداسة العشق،

قلق الفراق، وتحولات الذات للشاعر برهان البرزنجي...

نقد: كريم إينا

 

صدرَ حديثاً مجموعة شعرية بعنوان: "مغزل العشق" للشاعر الكردي برهان البرزنجي، الكتاب من القطع المتوسط قياس (17 × 24) سم تضمّ المجموعة على (100) قصيدة عدد صفحات الديوان (232) صفحة من إصدارات دار الشؤون الثقافية العامة التابعة لوزارة الثقافة والسياحة والآثار – العراق 2026، في بغداد– الأعظمية– حي تونس، الطباعة الإلكترونية جواهر كرجي، التصحيح اللغوي علي عبد جاسم، التصحيح الطباعي صباح كامل، تصميم الغلاف: زينب مهدي حسن، ترجم الكتاب من اللغة الكردية إلى العربية من قبل المترجم محترم محمد، المجموعة رست على تجربة شعرية غنائية واحدة تكاد تتشعّب إلى عشرات النصوص والمقاطع، هي تجربة الذات العاشقة، تُحاولُ أن تجعل من المحبوبة مركزاً للكون ومصدراً للمعنى والخلاص. وهذا العنوان الأول يقول: المتشكّل، يُمثلُ مفارقة مركزية في المجموعة: فالشاعر يستدعي معظم الزهد والتكية والصلاة والذكر والقداسة، لكنّهُ يوظّفهُ في التعبير عن عشق دنيوي شديد التوهّج. يقول:/ أنا نهرٌ زاهدٌ /جئتُ كي أطهّرَ /وباحات أيامكِ /ثمّ سرعانَ ما يتحول هذا الزهد إلى إنغماس كامل في المحبوبة. أن تعبّرَ (كمحبوبة) من مملكة القلب ومن هنا يمكن القول إنّ " الزهد " في المجموعة ليسَ زهداً بالمعنى الصوفي. التقليدي، بل هو زهد في العالم كلّهُ مقابل التعلّق بشخص واحد. هذه المفارقة هي إحدى أكثر الخصائص إثارة في المجموعة، لأنّها تمنحُ الحب وظيفة شبه دينية. فالمحبوبة ليست مجرد امرأة يُحبّها الشاعر، وإنّما تتحول تدريجياً إلى محراب وركعة فيقول: /وفردوس وماء تطهير هُنا يبلغُ قلبي سجادة صلاة /يُحظرُ الصلاة عليها لغيرك /أنتِ الركعة الوحيدة التي تعرفُ أسراري. يبلغ التماهي بينَ الحب والمقدس ذروتهُ، فالحبيبة لم تعد موضوعاً للعاطفة، بل صارت طقساً وجودياً يُمارسُ الشاعر من خلالهِ علاقتهُ بالعالم.

 

الذات العاشقة بوصفها ذاتاً قلقة:

نفسياً: تكشفُ المجموعة عن ذات شديدة الحساسية تجاه الفقد والهجر، وعن حاجة عميقة إلى الإطمئنان من خلال الآخر. وهذا واضح في نص " لو كنتُ هنا فالشاعر لا يكتفي بالحب، وإنّما يحتاج إلى حضور المحبوبة لكي يستعيد توازنهُ النفسي حيث يقول: / لو كنتِ هنا لما كانَ أيّ دربٍ من دروب روحي يغزوهُ الشيب /. فغياب الآخر هنا لا يعني مجرد غياب شخص محبوب ، بل يعني شيخوخة الروح نفسها. وهذا يجعل المحبوبة أشبه بـ " العلاج " النفسي الذي يُعيد إلى الذات شبابها ومعناها. ومن منظور التحليل النفسي، يمكن قراءة هذا الحضور الطاغي للمحبوبة في ضوء مفهوم التعلّق، إذ تتحوّل العلاقة من رغبة كل ما أملكُ في الدنيا، في المشاركة العاطفية إلى حاجة شبه كلية إلى وجود الآخر. ويزدادُ الأمر وضوحاً في قول الشاعر هذهِ العبارة تبدو عاطفية في ظاهرها، لكنّها تكشفُ في العمق عن إختزال العالم كلّه في موضوع واحد للحب " أنتِ " وهُنا تبرزُ قيمة المقارنة مع سيغموند فرويد، الذي نظر إلى الحب بوصفهِ من الطاقات النفسية التي تستطيع أن تستثمر موضوعها الخارجي بدرجة تجعلُ الذات تُعيدُ بناء صورتها عن نفسها من خلال الآخر. غيرَ أنّ المجموعة لا تقدم حبّاً جسدياً محضَاً، إنّها تصعدُ بهِ إلى مستوى الخلاص. ولذلك تبدو المحبوبة في كثير من المواضع وكأنّها أنا ثانية للشاعر، أو صورة مكتملة لما يريد أن يكونه. ومن منظور كارل يونغ يمكن النظر إلى المرأة في هذه النصوص بوصفها صورة لـ " الأنيما " أي الصورة الإنثوية الداخلية التي تسقطها الذات على المرأة الخارجية. فالحبيبة تصبح الجمال والحياة والماء والنور والخصب والربيع، وهي كلّها رموز تتجاوز شخصيتها الفردية لتتحول إلى رموز نفسية كبرى. يقول: الشعر في " أنتِ المطر ".

ثمّ يجعلُ الأشجار والطيور والمساجد والعشاق جميعاً يدخلون في فضائها الرمزي. إنّ المرأة هُنا لم تعد امرأة فحسب، بل أصبحت قوة كونية للخصب والتطهير. فمن الحب إلى التعلّق تتكرّر في المجموعة عبارات التملّك الرمزي بصورةٍ لافتة، مثل قولهِ:/ لو كنتِ ضوءَ الشمس لأحتكرتكِ ولم أكنْ أسمحُ لأحدٍ أن يُشاركني فيكِ/. وهذا من أكثر المواضع التي تستحق الوقوف النقدي. فالنص يريد أن يُعبّر عن شدّة الحب، لكنّهُ في الوقتِ نفسهُ يكشفُ عن نزعة تملكية واضحة. المحبوبة تتحول إلى شيء يريدُ الشاعر إحتكارهُ، حتى لو كانت " ضوء الشمس "  أي شيئاً عاماً بطبيعتهِ. الشاعر يُريدُ حرية المحبوبة حينَ تكون قريبة، يُريدُ إحتكارها لكنّهُ تظهر هُنا إحدى التناقضات النفسية في المجموعة وهذا التناقض ليسَ عيباً بالضرورة من الناحية الفنية، بل يمكن أن يكون مادة شعرية خصبة، لأنّهُ حينَ يشعر بإمكان فقدها. يكشف هشاشة الذات العاشقة وخوفها من المنافسة والفقد. وتزداد هذه النزعة في "إن رغبتِ" إذ يقول: / إن رغبتِ أن أستحيلَ متنزّهاً وأن تقطفي كل أزاهير أشجاري لن أرفض أبداً /. ثمّ يصل الأمر إلى أقصى درجات الإستسلام. /إن أحلتني بساطاً تحتَ قدميك لا تطئي أنفاسي/

المفارقة هنا جميلة نقدياً: الذات مستعدّة لأن تتنازل عن إستقلالها بالكامل، لكنّها في اللحظة نفسها تطلب ألاّ تُسحق، إنّها تريدُ أن تكونَ ملكاً للمحبوبة دونَ أن تفقد حقّها في البقاء.

 

المرأة بينَ الإنسان والرمز:

من الناحية الاجتماعية، تكشفُ المجموعة عن صورة مثالية للمرأة، لكنّها صورة تحملُ مفارقة أخرى. المرأة في معظم النصوص ليست ذاتاً تتكلم أو تفكر أو تعترض، وإنّما هي موضوع للرؤية والتأمّل والرغبة نادراً ما تسمع صوتها الخاص والتمجيد.

في نص: "حيَ أحاورُ المرأة" يقول الشاعر: /كلّ الساعات لا تكفي للتحديق في المرأة/

فالمرأة هنا تُرى أكثر ممّا تتكلّم. إنّها موضوع للعين الشعرية، ومصدر للإلهام والجمال. وفي مواضع كثيرة تتحول إلى الطبيعة نفسها: مطر، نهر، شجرة، خميلة، وردة، سحابة، ينبوع.

هل منحَ الشاعر المرأة حضوراً إنسانياً كاملاً، أم أنّهُ أعادَ إنتاجها بوصفها، ومن زاوية النقد النسوي يمكن طرح سؤال مهم صورة جمالية للرجل العاشق؟. لا ينبغي أن تكون الإجابة إتهامية، فالسياق غنائي رومانسي، والشاعر يتعمّد المبالغة في صناعة صورة الحبيبة، لكن الملاحظة النقدية تبقى مهمة، فالمحبوبة في المجموعة تمتلكُ حضوراً هائلاً بوصفها موضوعاً للحب، بينما حضورها بوصفها ذاتاً مستقلة محدود جداً. وهذا يذكر بصورة غير مباشرة بما ناقشتهُ " سيمون دو بوفوار " حول تحويل المرأة في بعض الخطابات الثقافية إلى " آخر" تتحدّد قيمتهُ من خلال نظرة الرجل إليهِ. ففي هذه المجموعة، المرأة هي التي تمنح الشاعر الشعر والحياة والخصب، لكنّها لا تمنحنا بالقدر نفسهُ صوتها الداخلي.

 

الحبيبة بوصفها خلاصاً إجتماعياً:

لا يظلّ الحب في المجموعة شأناً فردياً، بل يتحول أحياناً إلى مشروع لإنقاذ الحياة كلّها. ففي "لو تسعدين" يقول:/ لو تسعدين لأصبحتُ تاجر السعادة مع الإبتسام/ سأقفُ في أضوية المرور كي أرشّ السعادة على العابرين/. وهذهِ صورة جميلة لأنّها تنقلُ الحب من المجال الخاص إلى المجال العام، فإذا سعدت المرأة، سعد العالم من حولها. لكن هذه الرؤية تحملُ تصوراً مثالياً للعلاقات الإنسانية، إذ تبدو المرأة مسؤولة بصورة شبه كاملة عن صناعة سعادة للحب بوصفهِ: مشاركة متبادلة، والحب بوصفهِ خلاصاً للرجل. ومن هنا يمكن القول: إنّ المجموعة تتحرك بين تصورين يعتمد فيهِ أحد الطرفين على الآخر إعتماداً شديداً.

 

البعد الاجتماعي والمكاني:

من أجمل جوانب المجموعة حضور البيئة الكردية والمحلية. فالشاعر لا يعيش حباً مجرداً منفصلاً عن المكان، بل يستدعي خورماتو وشهرزور وحلبجة، والزي الكردي، والدبكة، والشبّابة، والخبز، والسوق والقيصرية والتكايا والقرى والمدن.

 

في : " الخباز " يقول:

/ أنا قلبي سيّد الخصب والعطاء وفي شبهٍ عظيمٍ لأرض خورماتو وشهرزور /

وهذهِ إستعارة مهمة، لأنّها تجعل القلب شبيهاً بالأرض، الحب ليسَ إحساساً مجرداً، وإنّما خصوبة تشبه خصوبة المكان. وفي " رُمانات حلبجة الحسناوات " يتحول الرمان إلى علامة ثقافية وجمالية.

/ رمانات حلبجة حسناوات يرغبنّ في الأزياء الحُمر والأغاني العذبة / .

فتدخلُ الهوية المحلية في صناعة الصورة الشعرية. وهنا يقتربُ النص من مفهوم الذاكرة الثقافية، إذ لا يستعير الشاعر الطبيعة وحدها، بل يستعير معها طقوس المجتمع وأزيائهِ وموسيقاهُ وفضاءاتهِ.

وتظهر هذهِ النزعة كذلك في قولهِ:

/ مثل الزيّ الكردي لا يمكن إرتداؤهُ إلاّ والقطعتان في رباط / . فالعشق يصبحُ شبيهاً بالزي المحلي الذي لا يكتمل إلاّ بتكامل أجزائهِ. هذهِ من الصور التي تنجح في الجمع بينَ الحب والهوية الثقافية.

 

الوطن في مرآة الحب:

الحب: عند الشاعر يتداخل أحياناً مع الوطن إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما. ففي " فتوى " يقول: / أنا وأنتِ تُشكّلُ وطن الشهدِ /.

وفي " جوهرة الجمال المذهلة " يقول: / أنتِ جوهرة جمالٍ مذهلة مثل قلادة في صدر الوطن /

هُنا تتخذ المرأة وظيفة رمزية وطنية، فهي ليست حبيبة فقط، وإنّما تصبح صورة للوطن الجميل.

وهذا الأسلوب لهُ جذور واسعة في الشعر العربي الحديث، حيث كثيراً ما إمتزج خطاب الحب بخطاب الوطن، خصوصاً في التجارب التي عاشَ فيها الشاعر صراع الهوية والحنين والمكان. لكن الفرق هنا أنّ الشاعر يذهب إلى أقصى درجات التماهي، حتى يبدو أحياناً أنّ الحبيبة والوطن والقصيدة والمقدس عناصر مختلفة لشيء واحد هو المعنى الذي تبحث عنهُ الذات.

 

الأخلاق بينَ الوفاء والتملّك :

الشاعر يُكرّر رفضهُ للنسيان، ويتمسّك بالذكرى، ويُعلن إستعدادهُ للحمايةِ أخلاقياً، بقيمة مركزية ألا وهي الوفاء والعطاء يقول: / إنّي قد عقدتُ العزمَ على أن لا أدعكِ وحيدة / ويقول: / لن أبرحَ صدركِ ولن أدعِ الرماد ضيفاً لديكِ /.

وهذه لغة أخلاقية تقوم على الرعاية والإلتزام.

لكن في مقابل ذلك، هناكَ خطاب آخر يتصل بالتملك والإحتكار. لذلكَ فأنّ القيمة الأخلاقية الأهم في الوفاء المجموعة يحترم الآخر، بينما الإمتلاك يُريدُ إختزال الآخر في ملكية عاطفياً. وهي التوتر بينَ الوفاء والإمتلاك. وهذا التوتر يظهر بوضوح في " لو كنتِ ضوء الشمس ". الحب هنا شديد الوفاء، لكنّهُ شديد الإحتكار أيضاً. ومن الناحية النقدية، هذهِ الثنائية تجعل التجربة أكثر إنسانية، لأنّها لا تقدّمُ الحب بوصفهِ فضيلة نقية تماماً، بل تكشف ما يختبىء داخله من خوف وغيرة وحاجة.

 

الدين لُغة المقدّس في خدمة العاطفة:

الصلاة، الفاتحة، الذكر، التكية، الوضوء، المسجد، الكنيسة، الفردوس: الحضور الديني من أبرز سمات المجموعة. نجدُ: الجنة، زمزم، زليخة ويوسف، بلقيس، عصا موسى، ربّ العالمين.

في " صوتك " يقول:

/ حتى لو تتناهى لمسامعي عشرات من أصوات الآذان وصلوات الجوامع نداؤكِ لا غير يدفعُ كي أتوضأُ وأصلي صلاة العشق وفيّ أنتِ وليسَ غيركِ /.

/ كنتُ أقرأ عليكِ سورةُ الفاتحة كُنتِ تزدادينَ جمالاً / .

إنّ الشاعر هنا لا يستخدم الدين بوصفهِ موضوعاً مستقلاً، وإنّما يستخدم مفرداتهِ بوصفها لغة كثافة فالضوء يصبحُ تطهيراً للحب، والصلاة تصبحُ إستعارة للتعلّق، والقبلة تصبحُ قرباناً.

وهذا الإستخدام يخلقُ جمالاً من جهة، لكنّهُ يُثيرُ إشكالاً نقدياً من جهة أخرى، لأنّ المقدّس حينَ يدخلُ في الخطاب الغزلي يفقد ذلك، فإنّ نجاح هذه التقنية يتوقف على مدى قدرة القارىء على قبول المزج شيئاً من إستقلالهِ الدلالي ويتحول إلى أداة بلاغية بينَ المجالين. ومن زاوية نقدية يمكن مقارنة ذلك بما عرفه التصوف العربي من تحويل الحب الإنساني إلى لغة رمزية للحب الإلهي، غير المفردة الدينية تُستعار: لتكثيف الحب الإنساني، أنّ الإتجاه في هذهِ المجموعة معكوس في كثير من الأحيان. وهنا تحديداً تصبحُ عبارة " أنا نهرٌ زاهد " مفتاحاً مهماً للمجموعة كلّها: الزهد ليسَ إبتعاداً عن الحب، وإنّما زهد عن كلّ شيء إلاّ الحبيبة.

 

مفارقة المقدّس والمدنّس:

من أكثر النصوص إثارة في هذا الجانب " الهيام " حيث يقول: / إنْ أغرمتُ بكِ فالحقّ عليّ والفرضُ أن أنذر مولوديّة وأن أنذر قلبي جارية / . ثمّ يقول: / إن يُطردُ الزاهد من التكية فالذبولُ طرقهُ والمصير /.

هُنا يتشكّل عالم شعري خاص تختلط فيهِ لغة الفقه والتكية والنذر بمفردات الغرام. فالشاعر يبني ديناً شعرياً للحب لهُ فرائضهُ ومقاماته وطقوسه. وهذه الفكرة قريبة، من حيث آلية تحويل التجربة العاطفية إلى نظام رمزي، من بعض تقاليد الشعر الصوفي، وإن كانَ موضوعها هُنا عاطفياً مباشراً أكثر منهُ عرفانياً.

 

الصورة الشعرية ووفرة الماء والخصب:

البحر، النهر، النبع، المطر، السحاب، المزن، الينبوع، الساقية، الرذاذ، الندى،: الماء هو أكثر العناصر حضوراً في المجموعة تقريباً. ولذلك يقول: أنتِ المطر هذه الوفرة ليست إعتباطية. فالماء يمثل في المستوى النفسي الحياة والتطهير والإمتداد والشفاء ويقول:

/ كنتُ نبعاً إذ الوحدة علّمتني تبادل الطعناتِ وأنتِ أقبلتِ وأحتضنتِ كياني /. فالوحدةُ جفاف، والحب ماء. وهنا تلتقي الصورة الشعرية بالرمز النفسي والإجتماعي والديني في آنٍ واحد. الماء في المخيال الديني مرتبط بالتطهير، وفي الطبيعة مرتبط بالحياة، وفي النفس مرتبط بالإنفعال والتجدّد، ولذلك إستطاع الشاعر أن يجعل الماء المعادل الموضوعي للحبيبة في عدد كبير من النصوص.

لكن الإفراط في إستعمال الرمز نفسهُ يتحول إلى مشكلة فنية، فحين تكرار : المطر ، النهر ، الينبوع ، السحاب ، الساقية. في عدد كبير جداً من النصوص، تفقد بعض الصور قدرتها على المفاجأة. وهنا يمكن الإستفادة من تصور " تزفيتان تودوروف " حول بنية التكرار والتحول في الأدب: التكرار يمكن أن يمنح العمل وحدته. لكنّهُ إذا لم يُصاحبه تحول دلالي كافٍ قد يؤدي إلى الرتابة. هُناك كلمات ومجالات تصويرية تتكرّرُ دائماً بالصورة، " العشق " أبرز مأخذ فني على المجموعة هو التكرار الكثيف " المطر، النهر ، الينبوع ، الخميلة ، السعد ، الأنفاس ، الروح ، الجوانح ، الأشجار ، الورود ، الغياب ، الفراق ، العينان ، الشعر ، القبلة، هذا التكرار يمنح المجموعة شخصية معجمية واضحة، لكنّهُ يجعل بعض النصوص تبدو وكأنّها تنويعات على قصيدة واحدة أكثر من كونها قصائد مستقلة. ومن هنا يمكن إستحضار مفهوم عبد القاهر الجرجاني حول النظم، فالقيمة ليست في المفردة منفردة، وإنّما في طريقة تأليفها وعلاقاتها داخل السياق، والمشكلة في بعض نصوص المجموعة ليست كلمة "المطر" جميلة أو أنّ "النهر" صورة ضعيفة، بل أنّ النظام  التصويري نفسهُ يُعاد مرات كثيرة دون إضافة دلالية كبيرة.

 

فمثلاً: عندما يقول: " أنتِ المطر " ثمّ يعودُ في نصوص متعدّدة إلى جعل المرأة مطراً وسحاباً وينبوعاً ورذاذاً، يصبح القارىء قادراً على توقع الصورة قبل إكتمالها. أمّا حينَ يذهب إلى صورة أكثر غرابة مثل:

/ إن رغبتِ أن أستحيلَ حوضَ سمكٍ حينَ تستضيفينَ ضيوفاً كي يتسلّوا بمنظر كبدي الممزّق /

فهنا تحدث المفاجأة الشعرية، لأنّ الصورة تخرجُ من العقل المعتاد إلى تركيب غير مألوف بينَ الطرافة والمبالغة. تمتلك هذه المجموعة قدرة واضحة على إنتاج الصور الطريفة والمفاجئة، لكنّها أحياناً تسقطُ في المبالغة في مثلاً : " القلب الثري " البلاغية. 

/ مصارف مملكة قلبي أعلنت عن سيول نقدية لكِ بمليارات القبل /

هذه الصورة تخلقُ عالماً إقتصادياً داخل الحب، وهي طريفة من حيث التحويل الإستعاري. لكن إستمرار هذا النوع من المبالغات قد يُخّفف من أثرها إذا تكرّر بكثرة.

والشاعر في الحقيقة يمتلكُ حسّاً واضحاً باللعب على المفارقة. فهو يجعلُ القلب مصرفاً، والحب عملة، والمرأة ثروة، وهذهِ من المناطق التي يمكن تطويرها فنيّاً، لأنّها تمنح التجربة لغة مختلفة عن لغة المطر والنهر والقبلات سيولة نقدية التي تهيمنُ على بقية المجموعة.

ففي الثقافة المحلية بوصفها مصدراً لتجديد الصورة حينَ يستخدم الشاعر مفردات من البيئة الكردية والمحلية، تتجدّد لغته بصورة ملحوظة. مثل: خورماتو ، وشهرزور، الدبكة، الزي الكردي، الشبّابة، سوق القيصرية، هذه المفردات تمنحُ القصيدة هوية جغرافية وثقافية، وتمنعها من الذوبان الكامل في قاموس الغزل العربي العام. ولهذا يمكن القول: إنّ الشاعر يكون في أفضل حالاتهِ حينَ يخرجُ من الصور الرومانسية الموروثة إلى ذاكرتهِ المحلية، لأنّ المكان يمنح التجربة خصوصيتها، ويجعل الحب قابلاً لأن يُعرف من خلال ثقافة معينة لا من خلال مفردات الغزل العامة فقط.

حضور يوسف وزليخة يتكرّر رمز يوسف وزليخة أكثر من مرّة، خصوصاً في " الخباز ".

/ أنا وحدي آلاف يوسف زليختي أنتِ /

/ يا زليخة إنّي قد فرطتُ في بلاد كنعان كثيراً كي أبتاع شعرة من شعر عشقكِ /

إستدعاء يوسف هُنا يؤدّي وظيفة مزدوجة: فهو يمنح العشق شرعية ثقافية ودينية وتاريخية، وفي الوقت نفسهُ يضع الشاعر نفسهُ في نموذج العاشق الذي يواجه الحبس والفراق والإختبار. لكن تكرار الرمز نفسهُ يستدعي ملاحظة فنية: الرمز القوي يحتاج إلى تحوير مستمر كي لا يتحول إلى علامة جاهزة. فإذا أصبح يوسف يعني دائماً " العاشق " وزليخة تعني دائماً " المحبوبة " يفقد الرمز بعض من طاقتهِ التأويلية. الحب والدين والوطن والطبيعة الكردية، بل تتداخل تتميز المجموعة بهما لأنّ عناصرها الكبرى لا تعمل منفصلة عن الهوية داخل شبكة واحدة.

في " الخباز " نجدُ يوسف وكنعان وشهرزور وخورماتو والعشق. وفي " أنت المطر " نجد المطر والمساجد والوضوء والعشاق. وفي " القلب الثري " نجدُ الدولة والمصارف والعملات والقبلات. وفي " الشمعة " نراها تتحول إلى نموذج سياسي.

/ تُرى هل يُقبل يومٌ تتوّج بهِ الشمعة رئيسة للبلاد وتنقذنا من العتمة /. وهنا تبرزُ نزعة رمزية إجتماعية وسياسية لطيفة، فالشمعة تصبح نقيض العتمة، ومن ثمّ تتحول إلى صورة للحاكم المنشود أو للخلاص الجماعي. وعندما تتحول إلى هُمْ ربّما يصبحُ النص الأكثر حساسية إجتماعياً. فنرى " هُمْ " تختلفُ عن بقية المجموعة من حيث تكثيفهِ السياسي والهوياتي.

المسيحيون شذرات الزيّ الكردي مثل الشال، والشبك مثل الصاية والسترة من دونهم كردستان مثل ذوي الإحتياجات الخاصة. الفكرة المركزية هنا واضحة: المسيحيون جزء أصيل من النسيج الكردستاني، وغيابهم يخلّ بتكامل الهوية الثقافية. غير موفق أخلاقياً ولغوياً، لكن من الناحية النقدية، فإنّ تشبيه غياب المسيحيين بـ " ذوي الإحتياجات الخاصة " فإنّهُ يستخدم فئة بشرية بوصفها إستعارة للنقص، وهو تعبير يمكن أن يحمل دلالة إنتقاصية غير مقصودة. كانَ بالإمكان التعبير عن فكرة التكامل الوطني والثقافي بصورةٍ أكثرُ إنصافاً، كأن يصبح المجتمع نسيجاً قد فقدَ خيطاً أساسياً من ألوانهِ. وهذهِ الملاحظة مهمة لأنّ النصوص الأدبية لا تُقاس فقط بنوايا أصحابها، وإنّما أيضاً بالأثر الدلالي والإجتماعي للصور التي تنتجها. في مواضع عديدة يتحوّل الجمال إلى ما يشبه العقيدة الشخصية للشاعر، يقولُ في " الخبير المطر.. / إن لم يُمسّدُ شعر وردة فحمل إسم المطر لا يليقُ بهِ / النسيم.. إن لمْ يصفّق لحسناء بيدٍ واحدة فالفناء أولى بهِ وأجدر /. المطر لا يكتمل إلاّ كلّ شيء في الطبيعة ينبغي أن يخدمُ الجمال والحب، هذا النص يكشف بوضوح عن تصوّر الشاعر للشعر إذا إحتفى بالمرأة، والنسيم لا قيمة لهُ إن لم يُصفّق لها. هذه الرؤية تمنح المجموعة وحدة فلسفية، لكنّها في الوقت نفسهُ تُضيقُ مجال الطبيعة، إذ تصبحُ الطبيعة كلّها خادمة للغزل. ومن منظور جمالي حديث، يمكن إقتراح أن تكون الطبيعة أحياناً مستقلة عن المحبوبة، وأن تدخل في حوار معها بدل أن تكون مجرد إنعكاس لها.

 

هل نحنُ أمام قصائد متعدّدة أم قصيدة واحدة؟.

هل المجموعة هي مجموعة قصائد منفصلة، أم قصيدة طويلة موزعة على عناوين؟: ربّما يكونُ السؤال البنيوي الأهم الميل النقدي يُرجّح الإحتمال الثاني، فمعظم النصوص تتحرك في المدار نفسهُ: حضور الحبيبة، الغياب، الإنتظار، الفراق، المطر، الينبوع، العين، الشعر، الذكرى، العودة.

وحتى العناوين المتعدّدة تبدو أحياناً كأنّها أبواب لغرفة واحدة. وهذا ليسَ بالضرورة نقصاً، فقد تكون هذه الوحدة النفسية هي جوهر المشروع الشعري، لكن لو أرادَ الشاعر تحويل المجموعة إلى عمل أكثر إحكاماً، فسيكون من المفيد خلق مراحل واضحة: نصوص اللقاء، نصوص التعلّق، نصوص الفراق، نصوص التأمل، ثمّ نصوص المصالحة أو النضج. عندها يتحول التكرار من مجرد تكرار إلى تطور درامي.

 

اللغة بين الفصاحة والإنزياح:

لغة المجموعة فصيحة في عمومها، لكنّها لا تخلو من تراكيب تحتاج إلى مراجعة لغوية دقيقة. وهناكَ مواضع تتكرّر فيها مشكلات إملائية ونحوية مثل كتابة الهمزات، والخلط أحياناً بينَ " إذ " و " إذا " أو إستعمال تراكيب تحتاج إلى ضبط. كما أنّ بعض الجمل تبدو مثقلة بعدد كبير من الإضافات والإستعارات المتتابعة، ممّا يجعل المعنى أقلّ صفاءً. الشاعر يمتلك مادة شعرية غزيرة، لكنّهُ يحتاجُ أحياناً إلى إقتصاد لغوي، لأنّ الصورة الجميلة قد تخسر شيئاً من جمالها حينَ تُحاط بصور كثيرة من النوع نفسه.

وهنا يمكن العودة إلى روح النقد عندَ " طه حسين " في العناية بوضوح التعبير، وإلى تقاليد النقد العربي التي لا تفصل جمال الشعر عن سلامة أدائهِ ووضوح دلالتهِ. القيمة الأخلاقية للحب تظهرُ في:

الوفاء، الرعاية، حماية الآخر، مقاومة الوحدة، حفظ على الرغم من كثافة الغزل، فإنّ المجموعة تحملُ أخلاقيات واضحة الذكرى، رفض التخلّي. وتبلغ هذه الروح ذروتها في: / إنّي قد عقدتُ العزمَ على أنْ لا أدعكِ وحيدة /. لكن النضج الأخلاقي الكامل للحب يحتاج إلى الإنتقال من / أنتِ كلّ شيء بالنسبةِ إليَّ / أنتِ إنسانة كاملة / وأنا إنسانٌ كامل، ونختار أن نلتقي /.

وهذا الفرق مهم، لأنّ الحب الذي يجعلُ الآخر كلّ العالم قد يبدو رومانسياً، لكنّهُ يحملُ داخلهُ خطر إلغاء الذات وإلغاء إستقلال المحبوب. أمّا الحب الناضج فهو الذي يحتفظُ بالمسافة التي تسمح للآخر بأن يكونُ آخراً، لا مجرد مرآةً للذات.

 

خلاصة القول:

تمتلكُ المجموعة عالماً شعرياً واضح الملامح، يقومُ على تقديس الحب، " الزاهد " يمكن القول أبرز ما يميّز المجموعة هو تحويل المرأة إلى رمز للخصب والخلاص، وإستدعاء الطبيعة والدين والهوية المحلية لبناء هذا العالم صدق الإنفعال، وغزارة الخيال، والحضور القوي للبيئة الكردية، والقدرة على مزج المفردات اليومية بالرموز الدينية والتراثية.

فالمطر والينبوع والخميلة والسعد والأنفاس وفي المقابل، فإنّ أهم ما تحتاج إليه التجربة هو الاقتصاد والتنوّع والتكثيف والعشق والفراق تتكرّر بدرجة تجعل بعض النصوص تفقدُ إستقلالها. كما أنّ صورة المرأة تحتاج إلى مزيد من العمق النفسي ومنحها صوتاً ووعياً ورؤية، بدل بقائها غالباً في موقع الجمال الذي تتأمّلهُ الذات. ومن الناحية النفسية، تبدو المجموعة سجلاً لذات تخشى الوحدة وتبحث في الحب عن إستعادة أمانها، ومن الناحية الاجتماعية، هي محاولة لربط التجربة العاطفية بالمكان والهوية والذاكرة الجماعية، ومن الناحية الأخلاقية، هي دفاع عن الوفاء والرعاية، مع وجود توتر بين الوفاء ونزعة التملك، ومن الناحية الدينية، هي تجربة تستعيرُ لغة المقدّس لتمنحُ الحب كثافة روحية، وإن كانَ هذا المزج يحتاج إلى قدرٍ أكبر من الحذر والتوازن في بعض المواضع. وأجمل ما يمكن قولهُ عن هذه التجربة أنّ الشاعر لا يكتب عن امرأة واحدة بقدر ما يكتب عن حاجتهِ إلى معنى يُعلّق عليهِ حياته ذلك، تتعدّد صور المرأة في المجموعة، مرة هي المطر، ومرة النهر، ومرة المسجد ، ومرة الوطن، ومرة الينبوع، ومرة القصيدة، ومرة الجنة، وهذا التعدّد يكشف أنّ " المحبوبة " ليست شخصية واحدة فقط، بل هي مرآة تبحثُ فيها الذات عن صورتها المفقودة. ومن هنا يصبح عنوان المجموعة " الزاهد " شديد الدلالة، فالشاعر لا يزهد في الحب، وإنّما يزهد في الكل، العالم خارج الحبو هذهِ هي قوة المجموعة ومأزقها في الوقت نفسهُ، قوتها لأنّها تمنحها وحدة شعورية وفلسفية واضحة، ومأزقها يُنيرُ الإفراط في هذا التمركز يجعل العالم الشعري أحياناً يدور حول قطب واحد لا يسمح للتجربة بأن تتنفّس خارج مدار العشق. أتمنّى لزميلي الشاعر الكردي الجميل برهان البرزنجي الموفقية والنجاح في مجال الشعر والكلمة والتألّق في رفد الشعر خدمة للمشهد الشعري العراقي خاصةً والمشهد العربي عامة.