للذهاب الى صفحة الكاتب   

مع أبي مُحَسَّد- المتنبيء في أوربا: الجزء الثاني

عدنان الظاهر

 

                             - 10 -

التقينا حسب الموعد الذي ثبته له أمس على ورقة صغيرة . كنت أنتظره في وسط الساحة المسماة

“مارين بلاتس Marienplatz" في قلب مركز المدينة حيث تطل بناية مقر محافظ مدينة ميونيخ. قلت له هنا ملتقى الكثير من الفعاليات السياسية والأجتماعية والفنية وغيرها. وهنا سيقرأ الشاعر محمود درويش نهار السبت القادم قصائد لفلسطين. قال ومن هو محمود درويش؟؟ انه أشهر شعراء فلسطين . قال وهل هو فلسطيني؟؟ قلت نعم. قال وهل يعيش هنا معكم في ميونيخ؟؟ قلت كلا. الآن يعيش في مدينة رام الله المحاصرة والمدمرة والمنكوبة. وكان قبل ذلك يتنقل بين الكثير من عواصم الدنيا سفيرا وشاعرا يغني لوطنه فلسطين. قال وهل ستعرفني عليه كما عرفتني على السيد الذي ترجم لي في المحكمة؟؟ قلت ذلك يؤسفني جدا. اني لا أعرف الرجل معرفة شخصية وما سبق لي وأن التقيت وأياه. أنا نفسي أتمنى أن أتعرف عليه. قال وهل هو في نظرك شاعر جيد؟؟ قلت ستسمعه أنت ولتحكم على شعره أنت. أنا لي رأي خاص به شاعرا وانسانا. ولقد سبق وأن كتبت ونشرت دراسة عن بعض أشعاره. قال وأين نشرت هذه الدراسة؟؟ نشرتها في جريدة “الزمان" التي تصدر في لندن أولا, ثم ظهرت في كتاب لي صدر عن "مركز الحضارة العربية" في القاهرة أوائل هذا العام (نحن الآن في شهر نيسان 2002). قال وهل في الأمكان الأطلاع عليها؟؟ قلت لم لا, كتبتها ونشرتها لكي يقرأها الجميع وخاصة الشعراء من القراء. ولدي له تسجيل بصوته يقرأ قصيدة كتبها خصيصا لمناسبة  مصرع الطفل الفلسطيني "محمد الدرة". وستسمعها معي في بيتي. قال وهل تحفظ منها شيئا؟؟ قلت كلا. أنا لا أحفظ حتى أشعاري. قال لكنك تحفظ الكثير من أشعاري. قلت ذلك صحيح , ذلكم جد صحيح, لأنك أنت أبو الطيب المتنبيء ماليء الدنيا وشاغل الناس. قال قد شوقتني كثيرا لهذا الرجل الشاعر. أريد قراءة بعض أشعاره. هل لديك بعض كتبه؟؟ قلت أجل. لدي القليل, وليته يهديك ويهديني شيئا منها, خاصة والرجل يكن لك أعجابا خاصا. على أية حال ستسمعه يلقي شعرا نهار السبت القادم. انه بارع في ألقاء الشعر وأنت تعلم أن ليس كل الشعراء بارعين في ألقاء الشعر. قلة هم البارعون. قال لا أصبر حتى السبت القادم. هلم الى بيتك لنسمع قصيدته عن الطفل الشهيد "محمد الدرة". قلت هيا.

 الساعة الثامنة مساء بدأ في بيتي شريط الكاسيت يدور بصوت الشاعر محمود درويش:

محمد ...

يعشعش في حضن والده طائرا خائفا من جحيم السماء

أحمني يا أبي

ان جناحي صغير ...

محمد ...

يريد الرجوع الى البيت من دون دراجة أو قميص جديد

يريد الذهاب الى المقعد المدرسي الى دفتر الصرف والنحو

خذني الى بيتنا يا أبي

كي أعد دروسي وأكمل عمري رويدا رويدا

على شاطيء البحر تحت النخيل ولا شيء أبعد لا شيء أبعد .

محمد...

يواجه جيشا بلا حجر أو شظايا ...

يحتمي بالجدار ليكتب : حريتي لن تموت

فليست له بعد حرية يدافع عنها

 

كان المتنبيء يبكي مطأطيء الرأس يخفي وجهه بمنديله. فأرتأيت أن أوقف جهاز التسجيل. رفع رأسه بعد لحظات طالبا مني أن أواصل تشغيل الجهاز:

كم مرة سوف يولد من نفسه

ولدا ناقصا

بلدا ناقصا

موعدا للطفولة

أين سيحمل لو جاءه الحلم والأرض جرح ومعبد ؟؟

محمد ...

يرى موته قادما لا محالة لكنه

يتذكر فهدا رآه على شاشة التلفزيون

فهدا قويا يحاصر ضبيا رضيعا

وحين دنا منه شم الحليب فلم يفترسه

كأن الحليب يروض وحش الفلاة , اذن سوف أنجو

يقول الصبي ويبكي

فان حياتي هناك مخبأة في خزانة أمي

سأنجو وأشهد .

ترفض الكامرا حركات الصبي الذي تتوحد في ظله

وجهه كالضحى واضح

قلبه مثل تفاحة واضح

وأصابعه العشر كالشمع واضحة

والندى فوق سرواله واضح

...

محمد

يسوع صغير ينام ويحلم في قلب أيقونة صنعت من نحاس

فللغصن زيتونة وللروح شعب تجدد

محمد ...

دم زاد عن حاجة الأنبياء الى ما يريدون فأصعد

الى سدرة المنتهى يا محمد .  

 

كان المتنبيء شديد الوجوم دخانه لا ينقطع. أراد قهوة مرة ثقيلة وطلب أعادة سماع تسجيل القصيدة. قلت سيكون أمرك نافذا ولكن بعد القهوة يا أبا الطيب. ولكي أبعده عما هو فيه من وجوم وكآبة سألته رأيه في شعر محمود درويش. فكر طويلا ثم قال أنه لا يستطيع أن يكون على هذه العجالة رأيا عادلا صائبا. خاصة وأنه لم يقرأ أو يسمع قبل هذه القصيدة شعرا لمحمود درويش.

لكنه أضاف أن الشاعر أجاد في ألقائه وأستطاع أن يحرك العواطف ويشحذ الهمم الوطنية والأنسانية.

ثم سألني عن رأيي في قصيدة "محمد". قلت بصراحة يا عزيزي انها ليست من بين قمم قصائده. وتعليل ذلك أنه كتبها على عجل كي يواكب الأحداث الدامية ولا يتخلف عنها. قال وكان هذا دائما هو شأن الشعر السياسي وشعر المناسبات. قلت لحد علمي كان درويش هو السباق في رثاء وتخليد مأساة الطفل محمد الدرة. لم يسبقه من شعراء العربية الى ذلك أحد. وكنت قد طالبت في احدى مقالاتي المنشورة الشاعر "أدونيس" أن يكتب شيئا عن هذا الطفل أو عن مأساة فلسطين عموما لكنه, ولحد علمي, لم يفعل حتى اليوم. قال ان المأساة لأكبر من أن يستطيع أن يلاحقها شاعر. بلى, يستطيع الكتاب ذلك. الشعر شيء آخر. لا تظلمه. قلت لكنك كنت تنظم الشعر في سوح المعارك والوغى وتقرأه فورا على مسمع سيف الدولة الحمداني. قال هذا صحيح ولكن لا تنس أن زمانكم غير زماننا. كنا مهيأين لذلك وكانت تلك صنعتنا ومهمتنا ووسيلة ارتزاقنا. لا وظيفة لنا ولا شهادات جامعية ولا ضمان اجتماعي كالذي أتمتع به اليوم في ألمانيا. أنتم لا تحضرون المعارك والحروب ولكم وظائفكم ومواهبكم المتعددة والرواتب التقاعدية ثم الزمالات السخية التي تمنحها لكم الدول. كنا نبالغ ونكذب وأنتم تأنفون من أتيان ذلك. لقد رثيت حتى "يماك" عبد سيف الدولة التركي, فضلا عن أختيه ووالدته وطفله الصغير. ثم الأصدقاء والذين حملوا لي نفيس الهدايا في حياتهم. الفارق جد شاسع. لا تقارن. قلت ما زال الوضع كما كان عليه في أيامكم!!

شرب فنجان قهوته سريعا وطلب المزيد لكي يسمع القصيدة ثانية كما وعدته.

جاءته القهوة المرة الثقيلة فصعد من وتيرة تدخينه طالبا الأسراع بأدارة شريط كاسيت القصيدة. 

ترك رأسه وهو يصغي لصيق صدره نافثا سحابات الدخان  التي ملأت الغرفة. طلب اعادة سماع بعض مقاطع القصيدة مرارا ناسيا قهوته سارحا في عالم آخر. سألته أين وصلنا يا أبا الطيب؟؟ نفث الدخان متعمدا الى أعلى قائلا: ما زلت معلقا بين الأرض والسماء. لا عدالة على الأرض. أين عدل السماء؟؟ أين حكمة الأديان السماوية؟؟ لماذا يقتل طفل في العاشرة, ويقتل في حضن أبيه طائرا صغيرا كما وصفه محمود درويش. لماذا لماذا لماذا؟؟؟؟؟

سألته وقد جاوزت الساعة العاشرة مساء أيحب أن يأكل شيئا بعد كل هذا الشجى واللوعة والدموع؟؟ قال أعطني كسرة خبز. خبزنا كفافنا. جلبت له ما تيسر فتناول لقمة واحدة وواصل التدخين.

قال ما زال لدي سؤال ملحاح. قلت تفضل. خيرا أن شاء الله؟؟ قال وهل كتبت أنت شيئا عن فلسطين ومأساتها والطفل الدرة؟؟ قلت نعم يا سيد شعراء العرب والعربية. نعم قد كتبت قصائد أرسلتها الى بعض الصحف للنشر في لندن والقاهرة ودمشق. كما أرسلت بعضا منها لقرائتها في بعض الفضائيات العربية ولا أدري هل نشرتها الصحف أو قرأتها الفضائيات أم لا. فالصحف أن نشرت  أو لم  تنشر لا تخبر الكاتب أو الشاعر. كذلك أمر الفضائيات وأنا عنها كما تعلم بعيد. ثم كنت قد قرأت الكثير من أشعاري خلال أمسية نظمتها لي رابطة المغتربين السوريين في ميونيخ مساء السبت الموافق الحادي عشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر)  عام 2000. قمنا وقوفا أولا حدادا على أرواح شهداء الأنتفاضة. وكانت أولى قراءاتي عن الأقصى وفلسطين. ثم ظهر ما قرأت عن فلسطين في هذه الأمسية في كتابي الأخير (نقد وشعر وقص) المطبوع في القاهرة أوائل هذا العام.

ليتني يا أبا الطيب أستطيع أن أفعل وأقدم أكثر مما فعلت وقدمت. امكاناتي محدودة وظروفي قاسية والصحة كما ترى ليست على ما يرام. فهي قائمة بالحبوب وعلى الحبوب الطبية وهي كثيرة لدرجة تعقد الأنسان السوي حيث أنعدم السواء في الحياة. قال لذلك حرمت الحركة وحرم التدخين حتى على صديقنا رب المياه نبتون, الذي كان يوما مثل جلجامش طليقا يأمر وينهي ويرفل بالجبروت الأقصى. سنة الله في خلقه. يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو على كل شيء قدير!!.

قلت حسنا يا أبا الطيب, وهل لديك ألنية أو الأستعداد لكتابة شيء عن فلسطين وأنتفاضة الأقصى التي تكاد أن تكون أسطورة في بابها؟؟ قال النية موجودة أبدا ولكن أنى لي بالقوة والقدرة على كتابة الشعر وقد توقفت عن كتابته بعد مقتلي في دير العاقول في ظاهر واسط. لم أكتب شيئا يذكر بعد مقتلي. قتلني آل ضبة وفاتك الأسدي وبنو أسد كما قتلوا قبلي والد شاعرنا الأول أمريء القيس مفخرة العرب قاطبة. العرب يقتلون شعراءهم ويقتل اليهود أنبياءهم. الأنبياء شعراء يا أبا الطيب. قال والشعراء أنبياء. قلت لذلك أسموك "المتنبيء" . قال تلك "قوانة" أخرى معقدة بعض الشيء وما نحن الآن فيها. قم أصطحبني الى بيتي. صرت أتحاشى بل أخشى ظلام الليل وأنا من قال يوما (الخيل والليل والبيداء تعرفني ...). أما الآن فلا يعرفنا أحد في هذه البلدان حيث لا خيل ولا فيافي ولا بيد ولا هم يحزنون. لا أحد يعرف فطومة في سوق الغزل... كما يقول العراقيون. قلت أين يا أبا الطيب غزواتك ومغامراتك الليلية وتسترك بظلام الليالي الحالكة تزور من تزور من بنات العرب كأي لص مغامر؟؟ قال تقصد قولي (أزورهم وسواد الليل يشفع لي/ وأنثني وبياض الصبح يغري بي)؟؟ قلت نعم. أنت قد كنت أكبر مستفيد من حلكة الليل وتدعي الآن أنك صرت تخشاه وتتحاشاه. صروف الدهر وأحكام الزمان... أجاب متنهدا بحسرة وضيق. قلت اذن أستعد لنذهب بك معا الى بيتك. قال بل الى مقبرتي العصرية. تذكر أني قتلت وتركت بدون قبر. وبعد بضعة أيام من مصرعي تعفنت جثتي فألتقط رائحة التفسخ بعض المارة من البدو الرحل فطموها في حفرة واطئة سرعان ما أكتشفتني فنبشتني وأكلتني ضباع البر وثعالبها. من التوراب الى التوراب. ومن التوراب الى الضباع. حسبي ألله ونعم الوكيل.

في الطريق الى شقته قال سنرى أذن الشاعر محمود درويش نهار السبت القادم يقرا أشعاره أمام مقر محافظ المدينة في ساحة "مارين بلاتس"؟؟ قلت يؤسفني أن أخبرك أن هذا اللقاء الجماهيري قد ألغي. قال بجزع شديد لماذا؟؟ لأن ظروف الشاعر وهو تحت حصار الدبابات الأسرائيلية لا تسمح له بالمجيء الى ألمانيا. منع الشاعر من السفر والتنقل بحرية كما منع عرفات والسيدة الجليلة حنان عشراوي, احدى أكبر مفاخر نساء فلسطين ونساء العرب في أيامنا هذه. صرخ المتنبيء "ألله أكبر ألله أكبر". بالأمس قيدوا حركة الأله نبتون وجمدوه حجرا ينفخ من فيه الماء حين يؤمر. ثم قيد كافور حريتي في فسطاط مصر وفرض علي الأقامة الجبرية في بيتي حتى كدت أموت من الضيق والحصار النفسي والحمى . واليوم يقيدون حركة الشاعر. أعداء الحرية هم هم وكما هم في كل زمان ومكان. ألله أكبر. ألله أكبر. على الباغي تدور الدوائر.

 

                        - 11 -

كما أتفقنا مساء أمس, وجدته جالسا في الركن القصي من المقهى التي يحب منتظرا قدومي. حييته التحية التي يفضل فأشار لي أن أجلس. كان متعافيا نشطا عالي الهمة متماسك العزم. سألني ماذا أود أن أشرب. قلت له أنا الذي عودك على مثل هذا السؤال لا أنت. قال اليوم أنا الذي سيدفع حساب مشروباتنا. قلت لا مانع ما دمت قادرا, شرط أن نشرب اليوم معا بعض البيرة (الجعة). قال آليت على نفسي أن لا أقرب الخمور ولا أدعها تلامس شفتي. قلت (شديد السكر من غير المدام) قال بالضبط. شديد السكر من غير المدام. قلت لكنك قد قلت يوما

                         اذا ما الكأس أرعشت اليدين

                         صحوت فلم تحل بيني  وبيني

 

                         أغار من الزجاجة وهي تجري

                         على شفة  الأمير أبي الحسين 

 

                         كأن   بياضها  والراح   فيها

                         بياض  محدق   بسواد    عين

 

قال أجل. قد والله قلت ذلك ولكن أرجو أن تفهم الظرف الذي قلت فيه هذا الشعر. كنت وقتها أنادم "عليا بن أبراهيم التنوخي , وكانت عندي للرجل مكانة خاصة وله علي أكثر من فضل. وكان ذلك زمن الشباب ولا على الشباب عتاب كما يقولون. سألته وهل من علاقة بين هذا التنوخي والشاعر والمفكر الرائع أبي العلاء المعري؟؟ قال بكل تأكيد. فهو أحد أسلاف أبي العلاء. نعم الخلف لنعم السلف. قلت لذلك قلت مرة (أنا الذي نظر الأعمى الى أدبي ...). قال لو كنت أعرف أن أبا العلاء سيصاب بمرض الجدري فالعمى لما قلت هذا البيت. شدما يؤنبني ضميري... أقصد بقايا ضميري. زعم بعض الأغبياء والأدعياء أني كنت (أتنبأ) بمجيء شاعر أعمى يأتي بعدي (يقرأ) ثم يروي أشعاري. قلت وما هي حقيقة الأمر؟؟ قال البيت الشعري واضح. ذكرت (الأعمى) نكرة على وجه الأطلاق رغم وجود الألف واللام. وكان قصدي عميان زماني من عميان البصر والبصائر وكانوا كثرة يتنطعون ويتطاولون ويدسون لي الدسائس في بلاط سيف الدولة الحمداني. وكان أبو فراس الحمداني على رأس هذه الزمرة الخبيثة متمتعا بحصانة وسطوة وهيبة بلاط ابن عمه سيف الدولة.

كان الشاعر منفعلا ومتوفز العصب. وكان هذا دأبه كلما جرنا الحديث الى حلب وسيف دولتها . مشاعر مختلطة تعتريه هي مزيج من الفخار والغصة والحسرة والندم . لا أجد ذلك غريبا , اذ كانت أعوامه في حلب هي روائع سني حياته شاعرا ورجلا ومقاتلا وصديقا ودودا لأميرها . ومن حلب طبقت شهرته الآفاق فكانت الملوك والأمراء تتبارى لكسبه وخطب وده وأستمالته اليها باذلة في سبيل ذلك الغالي والنفيس . قلت كان الشاعر نارا تحت رماد فأردت كعادتي أن أغير الأجواء وأنأى به عما يقلقه ويحزنه ويشجيه من أفكار ومشاعر وذكريات . حولت مجرى الحديث الى وجهة ينسجم أحيانا

وأياها فينطلق على سجيته صريحا واضحا غير خجل ولا وجل ولا هياب . يقول كل ما في قلبه وفي أعماق سريرته . قلت له كنت قد قلت يوما كلاما جميلا في الغزل - وأنت سيد هذا الباب كما أحسب -  أغضب بعض المتزمتين من النقاد فأقاموا عليك الدنيا وأقعدوها وأتهموك بالكفر والألحاد . قال تقصد القصيدة التي قلت فيها 

 

                         كم قتيل كما قتلت شهيد

                         لبياض الطلى وورد الخدود

 

                         وعيون   المها ولا  كعيون

                         فتكت   بالمتيم    المعمود

 

                         راميات بأسهم  ريشها الهد

                         ب تشق القلوب قبل الجلود

 

                         يترشفن   من  فمي رشفات

                         هن  فيه أحلى  من التوحيد

 

                         كل  خمصانة  أرق من الخم

                         ر بقلب  أقسى  من الجلمود

          

قال نعم قد قلت هذا الشعر لكني قلته أيام الصبا وعنفوان الشباب ومن ذا الذي يستطيع صد هذا العنفوان ؟؟ لقد فاتك بيت في هذه القصيدة لو كنت أنتبهت اليه لكنت سبيتني بفضولك وتتبعك نزواتي الخيالي منها والحقيقى . قلت أي بيت تقصد ؟؟ قال

 

                         كل شيء  من الدماء  حرام

                         شربه  ما  خلا   ابنة العنقود

 

                         فأسقنيها فدى لعينيك نفسي

                         من   غزال  وطارف   وتليد                                 

 

لا تعرف , أضاف , حجم الضجة التي أثارها ضدي هؤلاء المحسوبون على النقاد من الحاقدين والحساد . لقد أضطررت بعد ذيوع هذه القصيدة أن ألازم داري فترة من الوقت فضاقت بي الأرض والسماء حتى أني أضفت أبياتا أخرى للقصيدة تعبر أصدق تعبير عن حالي وقتذاك . قلت هلا تقرأها لي ؟؟ أنشد هازا رأسه

 

                         ما مقامي بأرض نخلة  الا

                         كمقام  المسيح بين اليهود

 

                         أنا  في  أمة  تداركها  الل

                         ه  غريب كصالح  في ثمود

 

طلبت كأس بيرة آخر وطلب شاعري كأس شاي وكانت مقهانا تعج بالرواد فتزداد صخبا وحركة ودخانا . ولكثرة أرتيادنا لهذا المقهى صارت وجوهنا مألوفة للفتيات العاملات فيها . بل وصرنا معارف جيدين لبعضهن . وذلكم أمر يحسن الأفادة منه حيث مقدار البخشيش منا يتصاعد اطرادا كلما ازداد التعارف بيننا سعة وعمقا. فثمة سؤال عن الصحة حينا وآخر عن الظروف العامة وكيف يجد صديقي اللاجيء الجديد حياته في المدينة الجديدة . وحين عرفن أن الرجل شاعر شعراء العربية طفقن يسألن متى سيتعلم  لغة البلد حتى يبدأ قول الشعر فيهن غزلا . ولدماثة  خلقه وحيائه البادي للعيان وكبر سنه أصبح البعض منهن لا يتحرج من تقبيل وجنتيه حين قدومنا وحين مغادرتنا المقهى. وكنت لحضتئذ قادرا أن أرصد ما يحس به من حبور وسعادة غامرة . كنت أترجم له كلامهن حرفا حرفا . ومع مر الزمن ومواصلة أرتياد المقهى ألف المتنبيء أجواءها وصار يستشعر لها حميمية خاصة ودفء بشري فارقه منذ زمن. بدأ الرجل يألف هذه الوجوه الصبوحة الجذابة والشباب المتوهج ومداعبات الصبايا وتقبيل الوجوه فنما فيه شغف خاص بالعيون الزرق والخضر والشعور الذهبية . سألته ما رأيك بهاته الصبية الحسان ؟؟ أما زلت مع الشعر الذي قلت يوم كنت في مصر

 

                         من الجآذر في زي  الأعاريب

                         حمر الحلى والمطايا والجلابيب

 

                         ما أوجه الحضر المستحسنات به

                         كأوجه  البدويات   الرعابيب

 

                         حسن الحضارة مجلوب بتطرية

                         وفي البداوة حسن غير مجلوب

 

فكر طويلا قبل أن يجيب . لقد وجد نفسه في مصيدة لم تخطر له على بال. ما كان يتوقع مني مثل هذا السؤال الخبيث. حول مجرى الحديث عامدا لكي يمنح نفسه بعض الوقت للتفكير في جواب مناسب . قال بالله عليك , هل هذا حقا شاي أم أنه ماء أصفرحار ؟؟  كأنه الحميم في مذاقه وشراب الهيم . قارنه بما أجهز لك في شقتي من شاي . قل لي , هل هو شاي هندي أم سيلاني ؟؟ قلت انه خليط من مصادر شتى . ثم لديهم هنا عشرات الأنواع من الحشائش مختلفة الطعوم والألوان يسمونها جميعا " شاي " . تحمل ما يقدمون لك في المطاعم والمقاهي وأشرب في بيتك ما يعجبك. قال وعلينا أن ندفع ثمن هذا البلاء. قلت لا شيء يأتيك في الحياة مجانا . شرد قليلا ثم عاد لسؤالي اياه فقال : قلت يوما كما تعلم ( لكل أمريء من دهره ما تعودا ... ) لكني وأنا هنا بدأت أقتنع أن كل شيء في الحياة في صيرورة وتغير وتبدل . أقصد قد تبدل ذوقي ومشاربي والكثير الكثير من عاداتي وطباعي ( قال أولا أطباعي ثم عدلها فقال طباعي ) . الحياة الجديدة تضيف أمورا كثيرة جديدة . وأنك تدري أني في مصر أضفت الى شعري أشياء ما كانت مألوفة عندي في العراق أو بلاد الشام. وظفت اسم الحيوان " الكركدن " وعملة " الفلس " ورأيت في مصر الشعر المستعار وحف الشوارب كما لاحظت على النساء صبغ الحواجب وتزيين الوجوه بالمساحيق والأعشاب والدهون وما اليها . وفي بلاد فارس رأيت القوم يحرقون النرجس والآس في المباخر ويغطون ملوكهم وضيوفهم بالورود والرياحين . نعم وظفت ما قد رأيت في هذه البلدان من مظاهر جديدة في شعري . والا لكنت حولت نفسي صخرة صماء جامدة كصاحبنا " نبتون " . كل شيء يتبدل ويتحول ولا ثبات لشيء في الحياة. قلت لكنك لم تتطرق في شعرك لموضوع التغير والثبات في الحياة والكون. قال كنا نقرأ مثل هذا الكلام في فلسفة الأغريق. وكنت والفارابي أناقش هذه المواضيع . لكن للحق, ما كان أمر الفلسفة يسيرا علي. كنت ألتقط ما يتيسر لي فهمه وأتجنب ما يعسر علي ادراكه . قلت لذلك أخطأ اذ قارن " الحاتمي " بين بعض أشعارك وبعض مقولات أرسطو. قال ما كان الحاتمي مصيبا في تلكم المقارنات . كان أديبا يحب التفلسف وما كان يفهم الفلسفة أصلا. قلت لقد أبتعدنا عن الموضوع كثيرا . أجب أبا الطيب بأختصار عن سؤالي السابق. قال متظاهرا بالنسيان أي سؤال ؟؟ أيهما في نظرك الأفضل والأجمل فتيات البدو الرعابيب حمر الحلى والمطايا والجلابيب  أم صبايا مقاهي ميونيخ يقدمن لك الشاي والقهوة المرة والماء المعدني ؟؟ قال أما وقد أردتني أن أجيبك بأختصار فسأختصر القول أني والله ما زلت أميل الى جمال بنات البدو الفطري غير المشوب بالمساحيق والأدهان والأصباغ . ناهيك عن سمرة البشرة الطبيعية , سمرة لفح شمس الشرق

الملطفة بهواء البوادي العليل النقي حيث لا مصانع ولا سيارات وطائرات ولا دخان ولا أسمدة كيميائية ولا مبيدات حشرات ومساحيق تنظيف . لا مجاري للمياه القذرة في الصحراء ولا قنوات لتصريفها تخترق مدنكم عرضا وطولا . تتباهى نساء أوربا بسمرة جلودهن النحاسية التي يكتسبنها اثناء عطلة أسبوع فقط يقضينها تحت الشمس على رمال سواحل بعض البلدان الدافئة صيفا مثل تونس والمغرب وأسبانيا وايطاليا واليونان . أو كما قلت لي يوما يكسبن هذا اللون النحاسي بتعريض أجسادهن الى أشعة اصطناعية في ستوديوهات خاصة تتقاضى لقاء ذلك أجورا عالية. أشعة الشمس الطبيعية بالطبع أفضل وأصح. شمس سماء خالقنا. وما رأيك بالشعر الذهبي والعيون الملونة الزرقاء والخضراء والرمادية ؟؟ معظمها غير طبيعي , كأوجه نساء مصر اذ قلت فيها ( حسن الحضارة مجلوب بتطرية..) . قلت لي يوما أن ألوان الشعور والعيون في تبدل مستمر . تصبغ النساء شعورهن باللون الذي يريدنه. ويضعن داخل حدقات العيون عدسات لاصقة باللون الذي يرغبن وعلى الله فليتوكل المتوكلون . لا مشكلة مع الألوان. ماذا تريد أن تقول يا أبا الطيب ؟؟ أردت أن أقول أن سمرة الأدم ولون العيون النرجسية أو السوداء الطبيعية ( من خلقة ربنا )  لا يضاهيها شيء في الوجود , لونا وخلقة . أحب الأشياء طبيعية طبيعية طبيعية فهل أدركت مرامي ؟؟ أجل يا سيدي . أنا مثلك بالضبط . أنا مثلك مع كل شيء طبيعي . أنا ضد كل ما هو مصنوع . ولذلك لا أحب من القريض الا الشعر المطبوع وهو للأسف شديد الندرة في هذه الأيام .

 

ثم قد أقترحت عليك أن تنظم شعرا تتغزل فيه ببعض فتيات مقهانا الأثير ولاسيما

" ميلاني " الطويلة القوام ذات الشعر الأسود المصبوغ. انها تتودد اليك وتخدمك كما لم تخدمك أنثى من قبل. قال سبق وأن أخبرتك أني توقفت عن قول الشعر بعد مصرعي . ثم , لعلمك, كان في خدمتي من هن أنفس من " ميلاني "  من نوادر الجواري وفيهن النوبية والرومية والتركية والشركسية والروسية والبلغارية والأرمنية بل وحتى البربرية. قلت ومن كانت جواريك في مصر ؟؟ قال أهداني الخصي الأسود كافور واحدة زنجية من بلاد النوبة وأخرى من المغرب . أهداني جاريتين وفرسا واحدا كريما .  قلت وهل كانت فيهن جاريات مسيحيات ؟؟ قال نعم, بعضهن من النصارى ولكن ما كنا نجبرهن على أن يسلمن . أما التي تشاء أن تسلم طواعية فكنا نعلمها القرآن والسنة وأصول خدمة الضيوف . وكانت لأم محسد جواريها الخاصة بها يقمن على خدمتها وتدبير شؤونها وبقية شؤون المنزل . كما كان لدي الكثير من الخدم من الذكور والغلمان المقاتلين ثم العبدى ( العبيد ) وبعض الخصيان. قلت له لكن هذا الجيش اللجب من البشر يحتاج الى الكثير من المال والطعام لأدامة حياته والصرف على مستلزمات الوجاهة والمظهر وباقي متطلبات الحياة العالية المستوى . قال لذلك بدلت مواقفي وولاءاتي مرات عدة ومدحت الصغير والكبير ومدحت حتى ( الكركدن والقرد الذي يؤتى به من بلاد بعيدة ) كافور الأخشيدي لكي أوفر المال اللازم لأسكان وأكساء وأطعام هذا الجيش العرمرم , فضلا عن زيارات الزائرين من الأصدقاء وسواهم من طالبي المعروف والمقطوع وأبن السبيل . كانت بيوتي مفتوحة ليلا ونهارا ونار مواقدي تكاد أن لا تنطفيء. ومع ذلك - أضاف-  كان البعض يقول عني أني بخيل . ما كان لدي مكسب أو مورد آخر خلا قول الشعر. لا عقار ولا اقطاع ولا ممتلكات . وما كنت من مربي وبائعي الماشية والأبل . بلى , وعد الكويفير أن يهبني اقطاعا أو ولاية لكنه أخلف . فكنت ألح عليه في كل مناسبة أن يوفي بما وعد . فكان يتظاهر بالنسيان تارة وبالصمم تارة أخرى حتى قلت له مرة

 

                         وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا

                         ودون الذي أملت منك حجاب

 

                         وفي النفس حاجات وفيك فطانة

                         سكوتي  بيان  عندها  وخطاب

 

وقلت له في مناسبة أخرى

 

                         أبا المسك هل في الكأس فضل أناله

                         فأني  أغني   منذ  حين    وتشرب

 

                         اذا لم  تنط  بي  ضيعة  أو ولاية

                         فجودك يكسوني وشغلك يسلب

 

حتى قلت له في قصيدة أخرى أكذب ما قلت في حياتي ولشدما أسفت على ما قلت :

 

                         قواصد  كافور   توارك    غيره

                         ومن قصد البحر استقل السواقيا

 

                         فتى ما سرينا في ظهور جدودنا

                         الى عصره   الا  نرجي   التلاقيا

 

                         وغير كثير  أن  يزورك   راجل

                         فيرجع   ملكا   للعراقين   واليا

 

كنت مصغيا اليه يقرأ هذه الأشعار واجما غير مصدق ما أسمع . أفقت من ذهولي لأسأله هل وعده كافور فعلا أن ينيط به ولاية العراق وكان " المطيع لله " العباسي خليفة في بغداد و " معز الدولة البويهي "  حاكم العراق الفعلي وكيف صدق وعود كافور ؟؟ أجاب أترك هذا الأمر . لقد وقعت في حبائل الأسود كافور كما وقع أخي أبو عمار في حبائل أوسلو ومدريد . لم أقبض من قبل شيئا ولم يقبض عرفات شيئا من بعد. سألته عن مصائر جواريه في ابان حياته وهل كن يبقين معه حتى الموت وانقضاء الأجل . قال كنت أبيع البعض منهن حين أحتاج الى بعض المال أو لأسباب أخرى كأن تشذ أحداهن عن الطريق السوي فتمارس الزنى مع من تشاء  أو تسرق أو تستدرج العشاق ليلا الى داري . كنت أهدي البعض الآخر , ثم أعتق الآخريات لأسباب أنسانية . قلت ما تقصد بالأسباب الأنسانية ؟؟ قال كأن يفتح لها الله باب الزواج من شخص قادر شريف أثق به. عندذاك أعتقها حرة خالصة بل وأجهزها من مالي وأحمل  الهدايا المناسبة الى بيتها الجديد.

قلت له وهل كنت تفترش هاته الجواري , جميعا أو البعض منهن ؟؟ قال ان فعلت ذلك معهن فسوف يصبحن سراري ومحظيات . والشرع وتقاليد العرب تجيز ذلك. وأنا واحد منهم وفيهم . قلت ألم تعترض السيدة أم محسد على ذلك ؟؟ قال قد قلت توا أن الشرع والتقاليد كانت تجيز ذلك .  

سؤالي الأخير هذا اليوم وقبل أن نغادر المقهى يا أبا محسد . قال قل وأوجز فأني منهوك القوى من كثرة ما سألت ومن عمق جدية ما سألت . قلت وما مصير ولدك محسد وأم محسد وجواريك وخدمك وعبيدك بعد مقتلك بين النعمانية وواسط في دير العاقول؟؟ قال  قتل بنو أسد وآل ضبة معي ولدي محسدا كما قتلوا بعض غلماني ممن قاتل معي ودافع عني. كانوا كتبية مقاتلة كبيرة وكنا بضعة أنفار نحسن القتال.  أما حرمي والجواري والعبيد والخصيان فأغلب ظني أن بني أسد قد أسروهم وسبوهم وأتخذوهم بعدي جواري وسراري وعبيدا !! النساء للتسرية أو البيع أو لتبادل الهدايا . أما الخدم والعبيد فللخدمة في الدور أو الزراعة والحراثة والحصاد وتربية المواشي .

دفع حساب ما شربنا وأضاف بخشيشا مضاعفا فوق العادة .قال هذا البخشيش المضاعف انما لأجل عيونك وعيون حبيببتك سوداء الفرع " ميلاني " . علقت قائلا أحسب أنك قرأت شعر أحمد شوقي الذي يقول (( ودخلت في ليلين فرعك والدجى / ولثمت كالصبح المنور فاك )) قال كلا . لم أقرأ شعر الشاعر أحمد بك شوقي . قلت ونحن نغادر المقهى يا أبا الطيب تبقى لدي ما يشبه الأستفسار . قال قل بسرعة فأني جائع . قلت وما مصير صديقك وراويتك الذي أصطحبته معك في زيارتك لأرجان وشيراز في بلاد فارس ؟؟ قال تقصد " علي حمزة البصري "  ؟؟ قلت أجل, هو بعينه فأخباره بعدك يعتريها الكثير من الغموض وتضارب الآراء . فمن قائل أنه فضل البقاء في بلاد فارس لأنه في الأصل ( تبعية ايرانية ) . وثمة شائعة أخرى تقول ان " علي حمزة " قد غادر الى مسقط رأسه البصرة قبل مغادرتك بلاد فارس . قال بل لا هذا ولا ذاك . تركنا شيراز سوية . وحين بلغنا دير العاقول وفوجئنا بوقوع الواقعة وبدأ القتال صمد برهة ثم سرعان ما ترك ميدان المعركة . هرب الصديق ساعة الشدة ممتطيا ظهر حصاني الأصيل والأثير صارخا بأعلى ما فيه من صوت  ( أنا علي حمزة , أنا علي حمزة البصري ولست ألمتنبيء ...) . قلت له لا فض فوك اذ قلت يوما

 

                         وما الخيل  الا  كالصديق   قليلة

                         وان كثرت في عين من لا يجرب 

 

قال وهو كذلك ( وما أكثر الأخوان حين تعدهم // ولكنهم في النائبات قليل )) .

 

افترقنا على أن نرتب لاحقا  لقاء عبر التلفون .