اخر الاخبار:
عسكرية داخل قرى عراقية - السبت, 17 آب/أغسطس 2019 10:42
البيشمركة تصد هجوما لداعش بخانقين - الجمعة, 16 آب/أغسطس 2019 11:19
تموز 2019 الاكثر حرارة منذ بدء التسجيل - الخميس, 15 آب/أغسطس 2019 20:30
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• زرافة دمشق - رواية

 

د. أفنان القاسم

الأعمال الكاملة

الأعمال الروائية (30)

د. أفنان القاسم

زرافة دمشق

LA GIRAFE DE DAMAS

رواية

إلى مقاتلي الذهب

القسم الأول

شهر يوليو في باريس بِئْسَ الشهر، مطر وبرد وكثير من السياح في الشوارع وعلى أرصفة المقاهي، والأنكى هو أن تكون مكلفًا بحماية إحدى الشخصيات الهامة التي من الأفضل لها أن تقضي الصيف على شواطئ الريفييرا. رفع فرانك لانج رأسه إلى سماء ساحة شاتليه الرمادية، لم يكن هناك أقل أمل في بزوغ الشمس. شد قبة مشمعه حول عنقه، وتفحص بعينيه الساحة العريقة. كان السوريون يتواردون إلى المكان الذي اعتادوا فيه على التعبير عن غضبهم، وبسبب الجو كانت الكآبة تبدو على وجوههم. ليس فقط بسبب الجو، قال رجل التحري الخاص لنفسه. كانت الهموم تساورهم، لأن في بلدهم لا شيء يمشي. كل التظاهرات، ولا شيء يمشي. كل التضحيات، ولا شيء يمشي. كل المجازر، ولا شيء يمشي. تفقد فرانك لانج المنصة التي أقيمت أمام مسرح شاتليه، منصة سيخطب منها سفير قطر، الشخصية الهامة التي يحميها، وتأكد من أن كل شيء على ما يرام: الحراس الخاصون، رجال الأمن، رجال المخابرات. ألقى نظرة على المسرح البلدي في الوجه المقابل، ورأى فوهات البنادق الراصدة لكل حركة. امتلأت الساحة بالسوريين وبغير السوريين ممن يؤيدهم، ولم تعد تبين في وسطها أسود النافورة القاذفة للماء من أفواهها. ردد بعض الشبان هتافات تندد بالجَوْر تارة، وبالرذيلة تارة، لكنهم، بسبب الكآبة العامة، ما لبثوا أن سقطوا في الصمت. صعدت شابة محجبة على المنصة، بيضاء الوجه، خضراء العينين، وبعد أن تبادل فرانك لانج النظرات والمسئولون عن النظام السوريون المنتشرون حول المنصة، تركها رجل التحري الخاص تلقي كلمتها.

- أولاً وقبل كل شيء أريد أن أحيي من هذا المنبر العالمي أبطالنا الصامدين في وجه أعتى نظام في التاريخ، صاحت الفتاة المحجبة ذات الوجه الأبيض والعينين الخضراوين، وأن أترحم على شهدائنا البررة، ولا تحسبن الذين قتلوا أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون، صدق الله العظيم. ثانيًا أريد أن أنوه بأهمية الموقف الفرنسي العادل من قضيتنا العادلة. ثالثًا وأخيرًا أريد أن أشكر الأحرار في العالم أجمع، وأن أطمئنهم، كما أريد أن أطمئن شعبنا البطل، وذلك بالتوجه إلى كافة طوائفه ومذاهبه، وأن أقول له إننا سنقضي على رموز الفساد، وأولها رأس الفساد، وسيكون النصر حليفنا بإذن الله.

والشابة المحجبة البيضاء الوجه الخضراء العينين تقول كلماتها الأخيرة، حدثت ضجة حول شاعر معروف، فالبعض لا يريده أن يأخذ الكلمة، والبعض لا يريده أن يبقى في الساحة، ومع ذلك تمكن من الصعود على المنصة، وذهب يشكك فيمن قام بالمجازر التي ارتكبها النظام (واجبه الأخلاقي وما واجبه الأخلاقي وكأن نظامًا كهذا يعرف الواجب الأخلاقي) تحت صيحات السُّخط، مما اضطر فرانك لانج إلى قطع الميكروفون، وإنزاله. تلقفه الساخطون، وطردوه شر طردة.

وصل موكب سفير قطر، فاستقبله رجل التحري الخاص، وهمس في أذنه أن كل شيء على ما يرام، وهو يصعد به سلم المنصة. كان هتاف الحاضرين عاليًا، لسوريا الحرة، ولقطر الشقيقة، ولفرنسا الصديقة. لم يعد للكآبة مكان على الوجوه، وكأن شمس دمشق تشرق في ساحة المسرحَيْن.

- يسعدني أن أكون بين أخوتي الأحرار، بدأ سفير قطر الكلام مع صمت الحضور وأولى ومضات البرق وتفجيرات الرعد، وفي هذه اللحظة التاريخية من لحظات سوريا، ومن قلب باريس، أقول لكم على مسمع العالم إن قطر لن يدخر وسعًا في سبيل تحرير الشعب السوري الحبيب من الطغيان، ونحن أميرًا وشعبًا ونفطاً في خدمة الأهداف العليا التي قامت من أجل تحقيقها أعظم ثورة –وأطول ثورة هذا صحيح- في التاريخ، وأبشركم بالحرية، إن يوم الحرية لقريب، لقريب جدًا...

دوت الهتافات بشيء من الشيزوفرينية مع هطول الأمطار، ومن حيث لا يدري أحد، أطلق رجل على السفير القطري بضع طلقات متتالية، فأصابه في أنحاء عديدة من جسده قبل أن يسقط الحراس الخاصون عليه ورجال الأمن والمخابرات، ويتم تحييده، بينما ظل فرانك لانج يرفع مسدسه، ويصوبه إلى الجاني، دون أن يطلق للسرعة التي وقع فيها هذا الحادث الطارئ، فهل الحادث طارئ بالفعل؟

تعاون الجميع، وفي المقدمة رجل التحري الخاص، على حمل سفير قطر إلى سيارته تحت أطنان الأمطار، وانطلق موكبه محفوفًا بسيارات رجال المخابرات والأمن إلى أقرب مستشفى.

* * *

إلى جانب كاتدرائية نوتردام، كان مستشفى فندق الرب، وفي قسم الاستعجالات، كان استقبال سفير قطر المخرق جسده بالرصاص. لكن ما أثار دهشة فرانك لانج وجود أبولين دوفيل هناك، وكأنها كانت بانتظارهم.

- هل هي محض صدفة، كابتن دوفيل، أم أن المعتدي يعرف رقم هاتفك؟ بادر رجل التحري الخاص إلى القول، وهو يخلع مشمعه، ويمسح ماء السماء عن شعره.

- لن أقول إن رجالي هم الذين أخبروني بما وقع، أجابت ضابطة المخابرات الخارجية، فالمسافة بين ساحة شاتليه ومستشفى فندق الرب يقطعها عصفور بدقيقتين، وأنا هنا منذ ساعة.

- وفوق هذا كنت تعرفين أننا سنأتي بسعادة السفير إلى هنا.

- إنه المستشفى الأقرب.

- طبعًا.

- كل شيء مرسوم بدقة.

- ولماذا تريدين قتل سفير قطر؟

- أنا أريد قتل سفير قطر!

- أنت، أنتم.

- حتى ولو كنت أنا، أنا يد منفذة، فقط.

- ماذا سيفيد قتله المنتفضين السوريين؟

- المنتفضون السوريون لا وإنما فرنسا.

- كل شيء واضح الآن.

- كنا نعرف في الدي جي إس إي أن هناك من سيرمي إلى قتله، فعملاء النظام يترصدونه.

- وتركتموهم يفعلون.

- هكذا سيبدل القطريون رأيهم، فيشترون الإيرباص لا البوينغ.

أطلق فرانك لانج ضحكة هازئة، ورشق قبل أن يذهب إلى داخل قسم الاستعجالات:

- كل هذا يثير اشمئزازي.

- لانج، نادته ضابطة المخابرات الشقراء، فلم يلتفت.

خفت إلى اللحاق به، وجذبته من ذراعه:

- لانج، لم أقبل، لكنهم قرروا كل شيء بناء على تعليمات من الإليزيه. وعلى أية حال، مقتله على يد أحد عملاء النظام سيضرم لظى الهيجان، ويضطر قطر إلى المساهمة الفعلية في تحرير البلاد.

- كلام كهذا جميل على الورق، رد فرانك لانج حانقًا، فسوريا ليست ليبيا القذافي، سوريا ليست مصر مبارك، سوريا كإيطاليا موسوليني، الفاشية جعلت من السوريين غالبية صامتة إلى الأبد ربما.

جاء أحد الحراس الخاصين، وقال له إن سعادة السفير يريد رؤيته.

- هل يستطيع التكلم؟ سأل فرانك لانج مهتمًا.

- هذه إشارة حسنة، رمت أبولين دوفيل، وهي تسرع من ورائه.

- هل فكرتم في هذا، كابتن دوفيل؟

- فكرنا في هذا.

- إذا لم يمت، طارت طائراتكم الإيرباص في مهب الريح.

- هكذا لن تطير بالفعل، وسأكون سعيدة.

التفت رجل التحري الخاص إليها، وابتسم، فابتسمت له، وأفقدته ابتسامتها عقله.

- أنا مستعد للموت بدله في الحال من أجل هذه الابتسامة، همهم فرانك لانج.

- أحبني فيما بعد، أيها الفُطر، همهمت أبولين دوفيل، وهي تسير إلى جانبه. لأنني لا أريدك أن تموت الآن.

- لماذا؟ هل لديك خطة لقتل أمير قطر؟

- ليست لدي أية خطة غير خطة غزوك لقلبي.

- أبولين، هتف فرانك لانج، وهو يقف، ويشدها من كتفيها. صحيح ما تقولين؟

- ولماذا لا يكون الأمر صحيحًا، أيها الفُطر؟

- هذا يعني أنني سأحظى في الأخير بما أحلم به كل ليلة؟

- ومع ذلك لا أريدك أن تتعذب، لانج، ستتعذب، وستكرهني.

- أن أتعذب هذا أمري، أما أن أكرهك، فإنه لمن المستحيل.

- سنحكي في ذلك بعد أن نرى ما يريده سفير قطر منك.

- امنعيني من تقبيلك أرجوك، فلا المكان يسمح بذلك ولا الظرف.

دفعته من أمامها، وهي تمنع قهقهاتها، فالمناسبة لا تسمح بذلك أيضًا.

دخلا الحجرة التي يوجد فيها السفير القطري، فقال لهما الطبيب إنه على وشك الموت، لا وسيلة هناك لإنقاذه، وخرج مع ممرضتين توقفتا عن الاعتناء بالضحية بينما الأمطار يتواصل هطولها من خلف زجاج النافذة.

- ولماذا استدعاك إذن؟ همست أبولين دوفيل.

- ربما من أجل وصيته، همس فرانك لانج، وهو يلقي مشمعه على مقعد.

ابتسم كلاهما، والشقراء الساحرة تهمس:

- من الأفضل أن أبقى بعيدة لئلا أزعجه، فهو طلبك أنت، ولم يطلبني أنا على الرغم من معرفته لي.

وإذا بسفير قطر يهمهم:

- لم أكن أعرف أنك هنا، مدموزيل دوفيل.

- كيف لا أكون هنا، يا سعادة السفير؟ ابتهلت ضابطة المخابرات الخارجية. أنا آسفة من أجلك، يا سعادة السفير! لو كان بإمكاني أن أفعل شيئًا...

- موسيو لانج، همهم السفير القطري بصعوبة.

- أنا تحت أمرك، يا سعادة السفير.

- موسيو لانج، عاد السفير القطري يهمهم، وهو يمسكه بيده.

- ماذا، يا سعادة السفير؟

- مائة طن من الذهب...

- تقول مائة طن من الذهب، يا سعادة السفير؟

- موسيو لانج، أنا لا أهلوس، أنا في كامل قواي العقلية.

- مائة طن من الذهب، يا سعادة السفير.

- هذا السر لا يعرفه أحد غيري.

تبادل فرانك لانج وأبولين دوفيل نظرة من يباغته الأمر.

- خمسة مليارات دولار.

- خمسة مليارات دولار، يا سعادة السفير.

- أينها يا سعادة السفير؟ سألت أبولين دوفيل باهتمام كبير.

- أراد أميرنا أن يبني لامرأته تاج محل من الذهب الخالص...

- أينها أطنان الذهب المائة، يا سعادة السفير، سأل فرانك لانج بنبرة مرتعشة.

- ...فكلفني بعقد صفقة مع الإسرائيليين.

- هل هي في إسرائيل، أطنان الذهب المائة؟ عاد فرانك لانج يسأل بنبرته المرتعشة.

أخذ سفير قطر يلهث، ويبصق الدم، والسماء تبرق، وترعد، فنقلته أبولين دوفيل بين ذراعيها الربانيتين مهدهدة لم تكن تدري أم مهدمة.

- مدموزيل دوفيل! مدموزيل دوفيل! أخذ السفير القطري يردد، وهو يكاد يغشى عليه.

وفرانك لانج يسأل بنبرته المرتعشة من جديد:

- أينها المائة طن من الذهب، يا سعادة السفير؟

- للإسرائيليين معظم مناجم جنوب أفريقيا...

- ولكن أينها المائة...

- ...وذهب جنوب أفريقيا أغلى ذهب في العالم.

غاب عن الوعي، فراحت أبولين دوفيل تهزه، وتقول له:

- إياك أن تموت قبل أن تكشف عن سرك بأكمله، يا سعادة السفير.

- أينها أطنان الذهب المائة، يا سعادة السفير؟ طلب فرانك لانج بعنف، وقد ذهبت عن نبرته الرعشة. قل لنا، أينها؟

- في دمشق، همهم السفير القطري بصعوبة، وهو يعود إلى الوعي.

- في دمشق أين؟ سألت أبولين دوفيل، وهي تشد وجه سفير قطر على نهدها، وتكاد تخنقه بجماله.

- في قصر المهاجرين، قال الرجل المحتضر بصعوبة كبيرة.

- في القصر الرئاسي؟ سأل رجل التحري الخاص وضابطة المخابرات الخارجية بصوت واحد.

- بعد تسرب بنزين الطائرة التي تنقل الذهب من إسرائيل إلى قطر من صدع لم تُعرف أسبابه، طلب القبطان، وهو في الأجواء السورية، النزول إلى أحد المطارات، ولكنهم عندما اكتشفوا كل أطنان الذهب تلك، صفوا القبطان وكل الطاقم الذي كان معه، وبأمر من الرئيس نفسه، أرسلوا الذهب إلى قصر المهاجرين.

انقطعت أنفاس السفير القطري، ولم يصح على صرخات شقراء المخابرات الخارجية ورجل التحري الخاص. وفي الخارج، كان الصيف الباريسي يندب على طريقته موت صاحب السر برقًا ورعدًا ومطرًا غزيرًا جارفًا لكل شيء.

* * *

في فناء كاتدرائية نوتردام، تحت سماء ذات غيوم متفرقة تترك لأشعة شمس خجولة التسلل ما بينها، كان فرانك لانج وأبولين دوفيل يتبادلان الكلمات التالية:

- ونحن أميرًا وشعبًا ونفطاً في خدمة الأهداف العليا التي قامت من أجل تحقيقها أعظم ثورة –وأطول ثورة هذا صحيح- في التاريخ! تهكم فرانك لانج.

- نعرف الآن لماذا زرافة دمشق لا تريد التخلي عن الحكم، قالت أبولين دوفيل.

- زرافة دمشق؟

- هكذا يسمونه، زرافة دمشق.

- زرافة دمشق.

- نعم، زرافة دمشق.

- لن توزع كل هذا على الفقراء، زرافة دمشق.

- ولن تحمل كل هذا على ظهرها.

- خمسة مليارات دولار من سبائك الذهب شيء ضخم، شيء ضخم جدًا.

- وإذا حملت، فأين ستذهب؟ لن يقبلها أحد إلا الذين سيأخذون كل هذا منها، وهي لن تعطي شيئًا، ربما أعطت بعض الشيء.

- لن تعطي شيئًا، والآخرون سيأخذون كل شيء.

وبعد قليل من الصمت، سأل فرانك لانج:

- وما رأيك؟

رفعت أبولين دوفيل رأسها إلى الشمس الخجولة، وقالت:

- إنها اللحظة التي تكون فيها الأشعة من ألطف الأشياء.

وبدوره، رفع فرانك لانج رأسه إلى الشمس الخجولة، وأكد:

- صحيح ما تقولين.

توقفا، وعرّض كل منهما وجهه للأشعة. بعد قليل، تنهدت أبولين دوفيل، وقالت:

- الذهب لم يزل موجودًا في دمشق، وإلا لِمَ كل هذه الضراوة الوطنية من طرف القطريين؟

لم يجبها، وهو يترك وجهه لأصابع الشمس الخجولة.

- هل تسمعني؟

- أسمعك، همهم رجل التحري الخاص.

- ماذا تقول؟

- أنا أستلهم الشمس.

- أنا أم هي؟

ابتسم، وهو يرميها بكل نظره.

- وهل هناك غيرك؟ همهم فرانك لانج.

ابتسمت أبولين دوفيل بسعادة، فسمعته يسأل:

- هل ما قلته لي صحيح في فندق الرب منذ قليل عن خطة غزوك لقلبي؟

- قليل من الجد، لانج، نبرت شقراء المخابرات الخارجية.

- إذن كل ذلك لم يكن سوى...

- خراء، لم يكن سوى خراء، يلعن دين! قليل من الجدية، يلعن دين!

- إذا كنت تفكرين كما أفكر، فلن أسمح أبدًا لأحد غيري من أخذ القيادة حتى ولو كان رب رب الشمس بنفسه، مفهوم كابتن دوفيل؟

رمى كلماته بغضب، وأعطاها ظهره، فصاحت به:

- هيه! لسنا في أرض الميدان بعد.

وسارعت بالسير إلى جانبه، وهو يركّب رقمًا على هاتفه المحمول، ثم ما لبث أن قال بصوت خفيض:

- كولونيل عابدين؟ فرانك لانج. يجب أن أراك لأمر هام جدًا جدًا جدًا. لم تعد الملحق العسكري التركي. هذا أجمل خبر، بالأحرى ثاني أجمل خبر أسمعه اليوم، لأنه يصب في قلب ما أريد التحدث به معك. هذا المساء في السفارة التركية بمناسبة الحفل الخاص بتوديعك؟ اتفقنا. إلى هذا المساء إذن.

وأقفل.

- لم أفهم شيئًا، قالت أبولين دوفيل.

أشار رجل التحري الخاص إلى نفسه، وقال "واحد"، ثم أشار إليها، وقال "اثنان"، وبعد ذلك قال:

- الكولونيل عابدين الملحق العسكري التركي السابق "ثلاثة".

- لم أكن أعرف أنك بدأت التجنيد على مثل هذه السرعة، قالت ضابطة المخابرات الخارجية.

- حملتنا ستبدأ من الحدود التركية، ودون الكولونيل عابدين لن يتم لها النجاح.

- وهل أنت واثق من قبوله إلى هذه الدرجة؟

- هل أنا واثق؟ سيبيع كل تركيا من أجل مليار دولار.

- هذا لأننا سنكون خمسة على رأس الحملة؟

- من الناحية التركية تم كل شيء، ومن الناحية السورية...

- غادة.

كانا يقطعان قنطرة السان ميشيل، والسين من ناحيتيها يبدو ضحلاً، والسيارات تزمر لعرقلة السير.

- من؟

- كابتن غادة عجيلي، عميلة سورية-فرنسية مزدوجة، أوضحت، وهي ترفع صوتها.

فتحت تلفونها المحمول، وتكلمت معها، دون أن يسمع فرانك لانج شيئًا مما تقول، وما لبثت أن أقفلت. كانا قد تركا القنطرة من ورائهما، فقالت أبولين دوفيل، وهي تريد أن توقف تاكسي.

- إنها بانتظارنا في الميريديان حيث تقيم بشكل دائم.

وصاحت:

- تاكسي.

توقف التاكسي، وقبل أن تمتطيه، استدارت نحو فرانك لانج، ورفعت أصابعها الأربع، وهي تقول:

- أربعة.

فابتسم فرانك لانج لها ابتسامة الإعجاب، ثم رمى بنفسه إلى جانبها، لينطلق التاكسي بهما إلى باب مايو، أحد أبواب باريس البعيدة آلاف الكيلومترات عن المعركة الحاسمة التي ستجري في حي المهاجرين.

* * *

تفاجأ فرانك لانج، وهو يدخل جناح الكابتن غادة عجيلي، بامرأة ذات قَدٍّ ممشوق لم تبلغ الثلاثين من عمرها، بيضاء ساحرة الابتسامة، شعرها الأسود يصل حتى خاصرتها، وعيناها الواسعتان بلون العسل المصفى. قبلتها أبولين دوفيل من ثغرها، وقدمت لها أعظم رجل تحر في العالم.

- أخيرًا، قالت غادة عجيلي لفرانك لانج، والسعادة تغمرها، أشد على يد الرجل الذي لا تتوقف أبولين عن الكلام عنه.

- لأجل أن أثير في قلبك الغيرة، قال فرانك لانج لغادة عجيلي بينما تطوق العميلة المزدوجة بذراعها كتفي الشقراء الفرنسية.

- لا تبث الشقاق ما بيننا، لانج، قالت أبولين دوفيل، وهي تطبع قبلات عديدة على وجنة غادة عجيلي وشفتيها.

- أدخلا، طلبت المضيفة، كل الجناح تحت تصرفكما، هناك كل أنواع الكحول، فرانك، تسمح لي بأن أدعوك فرانك؟

- بالطبع، وأنا لن أدعوك مدام زرافة.

- غادة، قالت، وهي تقهقه.

سحبتها أبولين دوفيل من يدها إلى الحمام، وسمع رجل التحري، وهو يصب لنفسه كأس ويسكي، همساتهما وقبلاتهما. ترامى على أريكة وثيرة، وأخذ جرعة من كأسه، ثم صاح بهما:

- من قلة الذوق أن تتركاني وحدي.

لم تستجب المرأتان له، وبعد جرعة ثالثة، ظهرت غادة عجيلي تتبعها أبولين دوفيل، وغادة عجيلي تقول لفرانك لانج، وعلى شفتيها ابتسامة أكثر من ساحرة:

- من أجل مليار دولار، فرانك، حتى القمر أحرره لو طلبت مني ذلك.

- لن أطلب منك تحرير القمر، رد رجل التحري الخاص باسمًا، وإنما تحرير مائة طن من الذهب، هذا كل ما في الأمر.

- تحرير مائة طن من الذهب أصعب بكثير من تحرير القمر، لانج، قالت أبولين دوفيل، وهي تجلس إلى جانبه. أنت تعرف جيدًا هذا.

- أعرف جيدًا هذا، همهم فرانك لانج، وهو يأخذ جرعة من كأسه.

- ربما كان الأمر صعبًا جدًا لكنه ممكن والظروف الراهنة، قالت الكابتن عجيلي بنبرة واثقة. وهل من أحد يعرفها أكثر منا؟ ربما... وترددت، وهي تجلس مقابل فرانك لانج: هناك واحد يعرفها أكثر منا، واحد من جوه، جنرال.

- جنرال؟ سأل رجل التحري الخاص.

- لا تقولي لي "وحيد القرن"، رمت أبولين دوفيل.

- هو بعينه، أكدت غادة عجيلي.

- الجنرال الفار من الجندية إلى تركيا؟ سأل فرانك لانج من جديد.

- هو وكل فرقته، أكدت غادة عجيلي من جديد، ثلاثمائة على ما أعتقد، مع أسرهم.

- وحيد القرن، همهم رجل التحري الخاص.

- إنه هنا.

- في باريس؟ سألت ضابطة الدي جي إس إي.

- حقًا لو لم أكن "مزدوجة" لما عرفتم شيئًا، تهكمت الكابتن عجيلي.

- يجب أن أرى وحيد القرن، قال فرانك لانج، وهو يضع كأسه جانبًا.

رفعت غادة عجيلي سماعة تلفونها الثابت، وركّبت رقمًا، أعقبت ذلك بقول:

- أنا سيدي. أريدك لأمر هام سيدي. متى سيدي؟ بعد ساعة عندي سيدي؟ عندي محلبية بالجوز سيدي. أهلاً وسهلاً بك سيدي.

وأقفلت، وهي تغدق على فرانك لانج وأبولين دوفيل الكثير الكثير من سحر ابتسامتها. فتح رجل التحري الخاص أصابع يده الخمس، وهتفت أبولين دوفيل:

- خمسة.

* * *

وصل فرانك لانج بسيارته الفيراري الحمراء إلى باب السفارة التركية، وإلى جانبه أبولين دوفيل، ولحقت به غادة عجيلي بسيارتها الفيراري الصفراء، وإلى جانبها الجنرال وحيد القرن. صعد الأربعة درج المدخل بكامل أناقتهم، الشقراء الفرنسية في فستان سواريه طويل أحمر، والبيضاء السورية في فستان سواريه طويل أصفر، ورجل التحري الخاص في بذلة سموكن سوداء، والجنرال الفارّ في بذلة سموكن رمادية. أول ما رآهم الكولونيل عابدين في قاعة ملأى بالمدعوين، خف إلى استقبالهم.

- هذا شرف عظيم لي أن تكونوا هنا، قال الملحق العسكري التركي، وهو يقبل يد أبولين دوفيل ويد غادة عجيلي، ويسلم بحرارة على فرانك لانج والجنرال وحيد القرن.

- كابتن أبولين دوفيل وكابتن غادة عجيلي وجنرال وحيد القرن، قدمهم رجل التحري الخاص بينما الكولونيل عابدين لا يتوقف عن ترداد: هذا شرف عظيم لي.

ذهب بهم إلى السفير التركي، وقدم بدوره الجميع، والسفير التركي يرسم ابتسامة صغيرة على فمه، وفي الأخير قال هذا الأخير:

- أصدقاء ملحقنا العسكري هم أصدقاؤنا.

شكروه، والسفير يطلب من الكولونيل عابدين:

- اعتن بهم كل العناية، كولونيل.

- أشكرك، يا سعادة السفير، همهم الملحق العسكري، وهو يرجو الجميع التوجه إلى البوفيه.

كانت على طاولة لا يبين أولها من آخرها كافة أنواع الكنايف والقطايف بانتظارهم، فصفق الجنرال وحيد القرن على منظرها، وهو يدفع كرشه من أمامه:

- بشكل استثنائي لا رِجيم هذا المساء.

وراح يعبئ صحنه منها، والحلويات ترتفع طابقين أو ثلاثة.

- سأكتفي بواحدة من هذه، همهمت أبولين دوفيل في أذن غادة عجيلي، ما هي؟

- بقلاوة، أجابت الفاتنة السورية.

- أما أنا، قال فرانك لانج.

- أما أنا، قالت غادة عجيلي، كسيدي الجنرال من كله، وهي تملأ صحنها.

- أما أنا، عاد رجل التحري الخاص إلى القول.

- أما أنت ماذا، فرانك؟ سأل الكولونيل عابدين.

أعاد صحنه، وقال:

- أما أنا فيما بعد.

ثم بصوت خافت للملحق العسكري التركي:

- أين يمكننا الاختلاء لخمس دقائق؟

- اتبعني فرانك، أجاب الكولونيل عابدين بصوت خافت، وهو يشير إلى الخدم معطيًا أوامره لصب الشمبانيا لضيوفه المميزين.

وهما في طريقهما إلى إحدى الحجرات الجانبية، مرا برجلين طويلي القامة يرتدي كل منهما قبعة.

- لا تعط بالك إليهما فرانك، عاد الكولونيل عابدين يقول بصوت خافت.

- ولماذا السي آي إيه هنا؟ همس رجل التحري الخاص.

- ليس هذا لأنني مسافر، فهم دومًا هنا.

وأدخله في الحجرة الجانبية، وهو يغلقها بالمفتاح.

- ما سأقوله لك سيبقى سرًا ما بيننا، قال أول ما قال فرانك لانج.

- أنا أعرف كيف أخفي السر تمامًا، رد الكولونيل عابدين، هل هو على غاية الأهمية؟

- جدًا.

- إذن النتائج معروفة، وتجدني كلي آذان صاغية إليك، برهان على التزامي حتى قبل أن أعرف.

- دومًا ما كنتَ جنتلمان معي، عابدين.

- جنتلمان فقط؟

- بل وأخ.

- أفرغ ما عندك فرانك.

- ما عندي شيء كثير، مليار دولار.

أخذ الكولونيل عابدين يضحك، ولا يدري من الدهشة كيف يضحك معبرًا عن اغتباطه.

- مليار دولار! غمغم الملحق العسكري التركي، لنا نحن الاثنين؟

- لك وحدك.

عاد الكولونيل عابدين يضحك ضحكًا متقطعًا تمنعه عن الانسياب دهشته.

- هل سنسرق البنك المركزي؟

- لن نسرق أي بنك.

- إذن من أين كل هذا المال؟

- من قطر.

- من قطر؟

- أمير قطر كان يريد أن يبني تاج محل لزوجته من الذهب الخالص، فاشترى مائة طن من الإسرائيليين الذين لم يتمكنوا من إرسالها بسبب صدع في خزان بنزين الطائرة اضطر قبطانها إلى الهبوط في أحد المطارات السورية، ولما علم زرافة دمشق ب...

- زرافة دمشق؟ آه! زرافة دمشق.

- لما علم زرافة دمشق بالأمر، أمر بتصفية القبطان وكل الطاقم معه، والآن كل هذه السبائك في حوزته.

- أين في حوزته؟

- في القصر الرئاسي.

- قصر المهاجرين؟

- قصر المهاجرين، القصر الرئاسي.

- مائة طن ذهب!

- علينا أن نذهب لاقتسامها.

- حتى قلب دمشق؟

- من الحدود معكم حتى قلب دمشق.

حل صمت لبضع ثوان، وفجأة أشرق كل وجه الكولونيل عابدين.

- اعتبر كل أطنان الذهب هذه في جيبك، في جيبينا، رمى الملحق العسكري التركي، وهو ينفجر ضاحكًا على دفعات.

- في جيوبنا نحن الخمسة، صححه فرانك لانج.

- نحن الخمسة، قال الكولونيل عابدين، وهو يحرك أصابعه خلف رأسه باتجاه الضيوف الثلاثة الذين اصطحبهم رجل التحري الخاص معه.

- ولكل واحد منا مليار دولار.

هذه المرة تفجر الكولونيل عابدين بالضحك الطويل المنساب المتواصل.

وهما يعودان إلى القاعة، لم ينتبه فرانك لانج إلى اختفاء الملحق العسكري التركي، فرمى كل من الكولونيل وحيد القرن والكابتن عجيلي والكابتن دوفيل ما بأيديهم من مأكول ومشروب، وتبعوا رجل التحري الخاص.

- أعتقد أنني لمحت رجلي القبعة ينزلان الدرج إلى الطابق السفلي.

في الطابق السفلي، لم يكن أحد هناك، فأخرج فرانك لانج مسدسه من صداره، وكذلك فعل الجنرال السوري. رفعت كل من الكابتنين فستانها الطويل حتى منتصف فخذها، ومن رباط حريري أخرجت مسدسًا صغيرًا بحجم الكف. سار أربعتهم بحذر، وهم يفتحون الغرف التحت الأرضية غرفة غرفة، ولا يقعون على أحد. اكتشفوا أن هناك طابقًا سفليًا ثانيًا، نزلوا، وبحثوا كما فعلوا في الطابق السفلي الأول، ولم يجدوا أحدًا. بعد أن يئسوا تمامًا، عادوا من حيث جاءوا، وإذا بأحدهم يجذب سيفون بيت الماء. خفوا إلى المراحيض، وهم يشهرون مسدساتهم، فتفاجأ بهم الكولونيل عابدين لما خرج، وهو يرفع يديه.

- كل ما في الأمر أنني... همهم الملحق العسكري التركي.

أنزلوا مسدساتهم، وهم يتراخون.

- ورجلا السي آي إيه؟ سأل فرانك لانج.

- لم أفه لهما بكلمة واحدة، أجاب الكولونيل عابدين. قلت لهما إن هناك تخطيطًا لدعم المتمردين السوريين، فقالا إنهما مع كل تخطيط لدعمهم، وهكذا جعلت ليس فقط الأسلحة التركية تحت تصرفنا بل وكل الأسلحة الأمريكية، الأسلحة التي سنحتاج إليها على الأقل.

لمتابعة قراءة الرواية اذهب الى الصفحة الثانية / انقر التالي ادناه


 

القسم الثاني

لم يكن المليار دولار مبلغًا صغيرًا، كان مبلغًا تطير له العقول، لهذا كان كل واحد من الأفراد الخمسة لفريق المهمة ما فوق المستحيلة مصدقًا وغير مصدق. لم يكن الخطر يساوي شيئًا في مفهومهم، كان فعلاً عاديًا كشرب القهوة، كغسل الأسنان، كتنظيف المسدس. بعد كل ما كانته تجربة الواحد والآخر، كان الخطر عاديًا، وفي بعض الأحيان كان يخرج عن عاديته، ويغدو جميلاً، وحملتهم العسكرية التي سيقومون بها من أجل تقسيم مائة طن من الذهب ما بينهم كانت شيئًا من هذا، من الخطر الجميل. الجميل جدًا. الجميل جدًا جدًا. أما الأحلام التي يثيرها مثل هذا خطر، فهي لا تعد ولا تحصى، لهذا كان خطرًا جميلاً جدًا جدًا، بل وأكثر، كان خطرًا ساحرًا، رائعًا، عابرًا للقارات، مذهلاً، مدوخًا، ممسخًا، عند نهايته مليار دولار لكل واحد، أليسها الأماني كلها، وقد تحققت؟

منذ صغره، وفرانك لانج يريد أن يكونَ قمرٌ صناعيٌ له، قمرٌ صناعيٌ برمته، وليس أي قمر، قمرٌ صناعيٌ ليقف على أسرار كوكبنا. كل ما توصل إليه العلم لم يكن كافيًا برأيه، وهو لهذا غدا رجل تحر خاص. كان يريد أن يعرف أسرار الكون، ولأنه لم يكن باستطاعته ذلك، لافتقاره إلى الوسائل، ذهب ليعرف أسرار الإنسان. الآن مع المليار دولار كل شيء ممكن، القمر الصناعي في جيبه. كان فرانك لانج يردد: غابات الأمازون ليست رئة الأرض، فيضحك منه من يسمعه لأن كافة علماء النبات أجمعوا على أن بفضل غابات الأمازون ينتشر الأكسجين من أقصى الأرض إلى أقصاها. كان فرانك لانج يقول أشجار الأمازون التي تقذف الأكسجين في الليل تستعيده في النهار لتقذف ثاني أكسيد الكربون، غابات الأمازون لحد الأرض. وعلى العكس، كان يرى في الصحراء الرئة التي تتنفس منها الأرض، ومرة أخرى يضحك منه من يسمعه لأن الرمل لا شيء آخر غير الموت، إلى أن تم بفضل الأقمار الصناعية تأكيد ما يقوله فرانك لانج، الرمل الذي كانه قاع البحار قبل أن تجف ما هو سوى عَلَقِهَا وقد تحجر، وعَلَقُ البحر هو الحياة، ومن يقول حياة يقول أكسجين، ومن عواصف الرمل يتوزع الأكسجين في كل أنحاء الأرض. سيشتري فرانك لانج إذن قمرًا صناعيًا، ويبني مختبرًا في قلب جزيرة العرب، رئة الكون، ويقضي فيه كل حياته.

أما أبولين دوفيل، فقد كانت أكثر اجتماعية من فرانك لانج. الأرض، الأكسجين، ثاني أكسيد الكربون، رئة الأرض، أنف الأرض، أذن الأرض، كل هذا لم يكن يهمها. كانت أكثر إنسانية أبولين دوفيل، كانت لا تنام الليل أحيانًا، وهي تفكر في شرط المرأة عبر العالم، في المومس التي لم تتجاوز السابعة من العمر في بلدان جنوب شرق آسيا، وفي الأخرى "المتحضرة" التي تقضي الليل على الرصيف نصف عارية في برد باريس القارس. كانت أبولين دوفيل عندما تمضي ببعضهن تنادي عليهن، وتذهب بهن عندها، وتتركهن ينمن، وفي الصباح تملأ جيوبهن بالمال. لهذا مع المليار دولار أول شيء فكرت أبولين دوفيل فيه هو أن تبني مَضْيَفَات لهن كتلك التي يقيمها رجال الدين للحجاج والمسافرين، وأن تعيد دمجهن شيئًا فشيئًا في مجتمع يهيمن عليه قوادو رأس المال هذا صحيح، ولكن هذا خير لهن من أن يقضين العمر على الرصيف كفراشات الليل.

ومن جهتها، كانت غادة عجيلي تريد أن تشتري صرحًا علميًا كالسوربون أو أكسفورد، وأن تجعله مجانًا لبنات بلدها، للمحجبات من بنات بلدها، فبالعلم ينزعن الحجاب، لأن التمرد في وضعهن شيء مستبعد. هي، استطاعت التمرد، واختارت من المهن أخطرها، كي تثبت جدارتها. أما التمرد في بلد كل شيء مقموع فيه... ستشتري جامعة هارفارد لو استطاعت، وستفتح أبوابها لشمس الحرية.

لكن للكولونيل عابدين أمنية ليست كغيرها، أمنية من سابع المستحيلات تحقيقها دون المليار دولار. قبل أن يصبح ملحقًا عسكريًا لتركيا في سفارتهم الباريسية كان يحتل المنصب نفسه في وزارة الدفاع الفرنسية، هو وزملاء آخرون له كالملحق العسكري الإسرائيلي والملحق العسكري الجزائري، وكانوا كلهم يتنافسون في الحصول على معلومات تمكن بلادهم من إنشاء مفاعل نووي يغطي طاقتهم الكهربائية (والعسكرية). الملحق العسكري الإسرائيلي نجح ليس في الحصول على المعلومات التي يريدها فقط، ولكن أيضًا على تزويدهم بالمهندسين وبالخبراء وبكله. وصل التنافس في حدته إلى أقصى ما يكون بين الجزائري والتركي إلى حد سرقة كيلوغرام من اليورانيوم يحتفظ به الكولونيل عابدين في مكان لا يعرفه أحد سواه، وكما يقال اشترى الرسن قبل البعير. مع المليار دولار سيشتري البعير، وسيقيم مفاعله النووي، مفاعل خاص به، سيقيمه في قبرص بالسر.

وبالنسبة للجنرال وحيد القرن، الجنرال وحيد القرن المحب لبطنه، ومن هنا جاء لقبه، لأنه كالكركدن ضخم. تزوج، وطلق سبع أو ثماني مرات، فكلما عاف أطباق واحدة رماها، وجاء بغيرها. هو، مع المليار دولار، سينشئ سلسلة من المطاعم في كل عواصم العالم: الأطباق الخمسة. سيسميه مطعم الأطباق الخمسة. سوري، فرنسي، إيطالي، إسباني، ويالله معلش أمريكي. ليكون التنويع في الأكل، وليكون التبديل في الإقامة، فهو رحالة الجنرال وحيد القرن. الأكل لديه شيء هام، والإقامة شيء أهم، للصحة. الطبق الشهي، والوجه الشهي. عندما فر من الجندية، لم يكن ذلك لأنه ضد النظام، ولكن لأنه في الجيش لم يعد يأكل جيدًا. ثورة وما ثورة لم يكن هذا ليقلقه، الأكل، كان الأكل كل حياته، كانت المحلبية بالجوز أو الإيمة بالفستق الحلبي أغلى على قلبه من كل الوطن، من كل الكون.

* * *

كانت الشمس قوية في مخيم هطاي التركي للناجين السوريين، وكانت من القوة بحيث بدا كل شيء أبيض، الخيمات والناس والأرض والسماء. كان كل شيء يبدو أبيض، حتى الأسود تحت الشمس كان يبدو أبيض. وكانت الحرارة شديدة، لكن الأفراد الخمسة لفريق المهمة ما فوق المستحيلة كانوا، وهم في ثيابهم العسكرية، يتصرفون بكل تلقائية. لم تفارق الابتسامة الساحرة شفتي أبولين دوفيل، ولا شفتي غادة عجيلي، ولم ينفخ الجنرال وحيد القرن، ولا الكولونيل عابدين، أما فرانك لانج، رئيس الحملة العسكرية، فقد كان سعيدًا بقدر ما يسع إنسانًا أن يكون سعيدًا.

- كابتن دوفيل، كابتن عجيلي، توجه فرانك لانج بالكلام إلى أجمل عسكريتين في الكون، أنتما وسائل الاتصال، ستغطيان كل صغيرة وكبيرة تتعلق بتحركاتنا من الحدود التركية حتى دمشق. أقمار الحلف الأطلسي الصناعية كلها تحت تصرفكما، أليس كذلك كولونيل عابدين؟ سأل فرانك لانج الملحق العسكري التركي.

- مائة بالمائة، أكد الكولونيل عابدين، لقد استنفرت قيادة الحلف الأطلسي كل أجهزة الاتصال في سماء كل المنطقة.

- حسنًا، قال فرانك لانج، هذا ما وددت إسماعه للضابطتين كي تطمئنا.

- فلتطمئن أنت قائد لانج، قالت الكابتن عجيلي، ما لدينا من أدوات إلكترونية يفوق الخيال، وهذه في الأساس هي مهنتنا أنا والكابتن دوفيل.

- سنشعركم أيها السادة بكل ما يدور على خط سيركم في لحظة وقوعه، قالت الكابتن دوفيل، حتى الطيور إذا ما تحركت، حتى الدويبات.

- حسنًا، قال فرانك لانج، وهو يستدير نحو الجنرال وحيد القرن: جنرال كم واحد من جنودك سيشاركون في حملتنا؟

- كلهم، قمندان لانج، قال الجنرال وحيد القرن بزهو.

- الثلاثمائة؟

- الثلاثمائة. إضافة إلى بعض المتطوعين.

- كله بكله كم؟

- حوالي الأربعمائة.

- سيعيقنا هذا العدد الكبير عن التحرك بسرعة كما يجدر بنا التحرك، تدخل الكولونيل عابدين.

- لن تكون الإعاقة كبيرة ولدينا من المركبات أجودها وما يكفي، رد الجنرال وحيد القرن. المصفحات الخفيفة من ناحية والشاحنات الصغيرة السهلة القيادة من ناحية أخرى.

- حسنًا، قال فرانك لانج، لن تكون حربنا كلاسيكية من نوع جيش يواجه جيشًا، ستكون حربنا حرب عصابات، ووسيلتنا الأولى في مثل هذا النوع من الحروب هي الأسلحة الخفيفة من كل نوع كلاشينكوف وبازوكا وقاذفات صواريخ أرض-أرض وأرض-جو وذاتية التوجه.

- قاذفات ضد الدبابات لدينا الأحدث والأدق في الجيش التركي، قال الكولونيل عابدين.

- وضد الطائرات المروحية؟ سأل القائد لانج.

- كذلك، أكد الكولونيل عابدين.

- سيكون التنسيق كاملاً بيننا نحن الثلاثة، قال فرانك لانج، الجنرال للاجتياح، فهو يعرف الأرض السورية أكثر من أي شخص كان، والكولونيل لتفجير صراصيرهم، وأنا للاختراق، وكل هذا بتوجيه أجمل كابتنين في الكون.

ضحكت أبولين دوفيل، وكذلك غادة عجيلي. كانت لهما ضحكة واحدة ترن كرنين الذهب، وكان قادة الحملة العسكرية من الثقة والاطمئنان، وكأنهم صاروا في دمشق، وتوزعوا المائة طن من الذهب ما بينهم.

- والأكل؟ سأل الجنرال وحيد القرن بلهفة، من سيتكلف بالأكل؟

- أنت من سيتكلف بالأكل جنرالي، هتف فرانك لانج.

- سيكون لدينا من الأكل ما يطعم ألفًا، رمى الكولونيل عابدين.

- لا يأكل أي شيء سيدي، قالت الكابتن عجيلي.

- سيكون له من الكافيار ما يكفيه، عاد الكولونيل عابدين إلى القول.

- ما يكفيه هو وحده؟ سألت الكابتن دوفيل.

- ما يكفينا، صحح الكولونيل عابدين نفسه. كافيار وشمبانيا وأفخاذ بط كالتي يحبها الجنرال وحيد القرن.

- آه! ما أجملها من حرب، صاح الجنرال السوري.

- وسيكون "المليار" الذي لكل واحد منا حافزنا حتى النصر النهائي، هتف رجل التحري الخاص تحت ضحكات وتصفيق باقي القادة.

* * *

غادر المقاتلون مخيم هطاي التركي بأسلحتهم وشاحناتهم ومصفحاتهم، وخرج كل الناجين من جهنم لوداعهم. كانوا يطبلون، ويزمرون، ويغنون، وكأنهم في عرس، وكانت ابتساماتهم في الشمس بهجة للعيون. كان الصغار يركضون بين الأقدام، ويتعلقون على دعائم المركبات وأبوابها، بينما الكبار يدعون لهم بالانتصار وتحقيق الآمال والانتقام، خاصة الانتقام، ممن شردهم. وكانت النساء تزغرد، وترشق الذاهبين إلى القتال بالأرز. رافق الجميع الركب مسافة بعيدة في الأراضي السورية، والطيور الخضراء ذات المناقير الصفراء تحلق فوقهم، ثم ترك الجميع الركب يوغل في أعماق الطريق الذاهبة إلى مدينة الباب كمحطة ضرورية قبل التوجه إلى حلب. كان الجنرال وحيد القرن داخل سيارة جيب في المقدمة، وهو يملأ قبضته باللوز والبندق والفستق الحلبي، ويلقيها في جوفه، وبواسطة سماعة على أذنه وميكروفون قرب فمه يتكلم مع الكابتن دوفيل والكابتن عجيلي اللتين تحتلان عربة الاتصالات، إستافيت رونو بيضاء ألقيت عليها شبكة زيتونية. ومن أمام شاشتين كبيرتين فيهما إشارات لا تتوقف عن الدوران باتجاه عقرب الساعة وعشرات الأجهزة الإلكترونية كانت الأولى تقول:

- التشويش على أجهزتهم الإلكترونية بدأ، وسيستمر إلى أقصى أجل جنرالي.

- إلى أقصى أجل، ماذا تعنين كابتن دوفيل؟

- كل شيء يتوقف على مدى تحييد الأقمار الصناعية الروسية والصينية جنرالي.

- هؤلاء حتى ولو كانوا خنازير سيطيب لي أن آكل لحمهم بكل شهية.

- أقمار الحلف الأطلسي قادرة على تحييدهم سيدي، تدخلت الكابتن عجيلي. من أنقرة يقولون لنا كل شيء تمام سيدي.

- أنت ست الستات كابتن عجيلي.

وجاء صوت فرانك لانج من سيارة الجيب التي يحتلها:

- وبيادق الجيش كابتن عجيلي؟

- الرادارات لم تكشف حتى الآن عن أي تواجد لبيادق الجيش، أجابت غادة عجيلي.

- سنعلمكم بأي تواجد في الحال قمندان لانج، قالت أبولين دوفيل.

- قبل أن نجد أنفسنا على مرمى مدافعهم، تدخل الكولونيل عابدين من سيارة الجيب التي يحتلها.

- بالطبع قبل وليس بعد كولونيل عابدين، قالت الكابتن دوفيل، وهي تضحك مع الكابتن عجيلي.

- لو كانت لدي قنبلة ذرية لرميتها عليهم وانتهينا بثانيتين، همهم الكولونيل عابدين.

- قلت قنبلة ذرية؟ تهكم الجنرال السوري، وفمه مليء بالفستق الحلبي. أنت لست جادًا كولونيل عابدين! ونحن، هل فكرت فينا نحن؟ كيف سيكون مصيرنا؟

- القنبلة الذرية التي أحكي عنها، قنبلتي، رد الكولونيل التركي، قنبلة لا تتجاوز قطر الدائرة الذي أحدده لها.

انفجرت المرأتان ضاحكتين.

- إنها قنبلة الأحلام كولونيل عابدين، رمى فرانك لانج.

- بالضبط، قنبلة الأحلام، أكد الكولونيل عابدين بكل الجد الذي يستطيع عليه في ظرف كظرفهم.

- الآن لا قنابل ذرية كهذه نملكها كولونيل، قال رجل التحري الخاص، وعليك أن تكون جاهزًا لأي احتمال.

- هذا ما أفعل، قمندان لانج.

- نحن بانتظار أول إشارة منكما، كابتن عجيلي وكابتن دوفيل، قال الجنرال وحيد القرن، وراح يعب الماء من فوهة القنينة عبًا. لننهي على كل أولاد الشرموطة!

- اعتمد علينا جنرال، قالت المرأتان بصوت واحد، اعتمدوا علينا كلكم.

- نحن نعتمد عليكما كلنا، همهم فرانك لانج.

* * *

قبل أن يصلوا إلى مدينة الباب الصغيرة، طالعتهم أعمدة من الدخان، فتوقف الركب، وخرجت الكابتن دوفيل من الإستافيت.

- لم تقل شيئًا عن هذا أقمارك الصناعية، بادرها فرانك لانج بالقول.

- لم تقل شيئًا، همهمت أبولين دوفيل.

- لقد أحرقوا الباب، نبر الجنرال وحيد القرن.

- كل هذا التدمير جديد، قالت ضابطة المخابرات الخارجية، ولكنه ليس جديدًا جدًا، لهذا لا أثر له على الشاشات الإلكترونية.

جاءت غادة عجيلي، وجاء الكولونيل عابدين، وهذا يقول:

- سأذهب مع عدد من الرجال لأرى.

- أين ذهب السكان؟ سألت الكابتن دوفيل.

- سأرافقك لنرى، قال فرانك لانج، فراقبونا.

- سنتقدم أقرب ما يكون لئلا يقيمون طوقًا حولكم، قال الجنرال السوري.

أشار القمندان لانج إلى عشرة من المقاتلين الذين انتشروا هنا وهناك من ورائه ووراء الكولونيل عابدين، وراحوا بحذر يخترقون شوارع الباب. كانت البنايات مهدمة، ولم يكن هناك واحد من السكان. صاروا في الساحة العامة، ولم يكن هناك واحد من الإنس أو الجان. وهم على مقربة من المسجد، هربت بعض القطط، فدفع فرانك لانج باب المسجد ليجد نفسه أمام عشرات من النساء المحجبات والأطفال، والرعب يملأ عيونهم.

- لسنا منهم، بادرهم فرانك لانج بالقول، نحن نجيء للدفاع عنكم.

- أين ذهب رجالكم؟ سأل الكولونيل عابدين.

- هناك، قالت شابة محجبة، وهي تمسح دمعها.

- هناك أين؟ سأل رجل التحري الخاص.

أشارت الشابة المحجبة إلى شابتين محجبتين أخريين، فنهضت ثلاثتهن، وذهبن بفوج المقاتلين إلى فناء المسجد الخارجي حيث الجثث بالعشرات والجرذان تسعى ما بينها.

- يا إلهي! ابتهل الكولونيل عابدين.

- خراء كل هذا، همهم فرانك لانج.

- خراء أسود، همهم الكولونيل عابدين، ولماذا لم ينهوا على الجميع أولئك الشطار كي تكون الجريمة كاملة؟

- كانوا على وشك الإنهاء على الجميع، قالت إحدى الشابات المحجبات، لكن رئيسهم تلقى أمرًا بالانسحاب العاجل.

وفي تلك اللحظة، هطل عليهم وابل من الطلقات، مما اضطرهم للعودة إلى داخل المسجد، ثم ما لبثت القذائف أن راحت تتساقط من كل جانب.

- راداراتهم تعرف أننا كنا في الطريق إلى هنا، قال فرانك لانج، وهو يصرف بأسنانه، فأين التشويش؟

- سأتصل بأنقرة حال توقف كل هذا، قال الكولونيل التركي غاضبًا.

انطلقت صواريخ اللواء وحيد القرن من كل مكان، ووضعت حدًا لهجوم بيادق الجيش. أخرس فرانك لانج ومن هم معه الباقي من الجيوب، ثم سكتت الطلقات تمامًا. تقدمت مجموعة من الشبان، وهي تحمل أسلحة خفيفة. أخذ المدافعون عن المدينة يعانقون "المحررين" واحدًا واحدًا، بينما نساء المسجد يخرجن مع أطفالهم، وهن يبكين. مسحت الشابات المحجبات الثلاث دموعهن، وابتسمن.

- لم يعد هناك أحد من هؤلاء المجرمين في النواحي؟ سأل فرانك لانج.

- لم يعد، قال أحد الشبان.

- لقد انسحبوا إلى حلب، قال ثان.

- لديكم الكثير من الشغل، قال الكولونيل عابدين، وهو يشير إلى فناء المسجد حيث الجثث تتراكم بانتظار دفنها، وأعطاهم ظهره لاحقًا بفرانك لانج، وباقي المقاتلين.

- ليس كلنا، صاح الشاب الأول.

- سنأتي معكم، قال الشاب الثاني.

- بل ستبقون للدفاع عن مدينتكم فيما لو عادوا إليها، قال فرانك لانج دون أن يلتفت.

- لن يعودوا إليها، قال شاب ثالث. دمروا الباب لكنهم تلقوا ضربة ساخنة.

بعد بعض التردد، أشار فرانك لانج إليهم بالمجيء، فجاءوا، وهم يبتسمون، والفرح يأخذ مكان الحزن على وجوههم.

- ونحن أيضًا سنأتي، قالت إحدى الشابات المحجبات الثلاث.

التفت فرانك لانج، وأمام أجمل ابتسامات في الوجود رضخ، وهو يتبادل والكولونيل عابدين نظرة مزهوة.

* * *

رفضت الشابات الثلاث العمل الإلكتروني الذي اقترحه عليهن قمندان الفرقة، ففاجأن غادة عجيلي، وعبرت أبولين دوفيل عن اتفاقها معهن. كن يردن القتال كباقي الرجال، لكنهن لم يخلعن أحجبتهن، فتركهن فرانك لانج يفعلن ما طاب لهن. فكرت الكابتن عجيلي في جامعة أكسفورد التي ستشتريها، وقالت لنفسها ها هي ذي أولى الطالبات. خلال ذلك، أكدت أنقرة وكذلك الحلف الأطلسي أن التشويش كامل وأن الأقمار الصناعية لم تخطئ، وكل ما في الأمر تم إنذار بيادق الجيش في الباب عن طريق أحد الوشاة، فلاح ربما أو مندس في مخيم هطاي. ومن حيث التوقيت، وقعت المجزرة مع وصولهم، فلم تتمكن الشاشات الإلكترونية من الوقوف عليها في الوقت المناسب، مما يوجب الحذر، وعدم الاعتماد على التكنولوجيا كليًا.

- بل يجب الاعتماد على التكنولوجيا كليًا، نبر الجنرال وحيد القرن، وهو يلتهم شرائح اللحم. وإلا ما الفائدة؟

- سنعمل كل ما بوسعنا سيدي، همهمت الكابتن عجيلي.

- نحن الآن نقترب من غابة ميتة، همهمت الكابتن دوفيل.

- الغابة الميتة شغلي أنا، تدخل القمندان لانج.

- إنها ميتة قمنداني، رمى الكولونيل عابدين.

- لا شيء ميت كولونيلي، رد فرانك لانج. كل ما هو ميت ليس ميتًا. كوكبنا في تجدد مستمر.

توقف الركب عندما طالعته الأشجار الجافة، أشجار من الصنوبر، لم تكن الحرائق السبب، ولكن دخان الحرائق، فاختنقت الأشجار. بحث فرانك لانج حول الغابة، فوجد، هناك ليس بعيدًا، مخيمًا للبدو جرى إحراقه.

- هذا أيضًا من صنع أولاد الشرموطة، همهم الجنرال وحيد القرن، وهو لا يتوقف عن التهام شرائح اللحم.

- سنحرقها كلها عن بكرة أبيها، قال فرانك لانج.

- لا بد لأنك جننت، احتج الجنرال السوري.

- بل لأنني أبدًا لم أجن، قال قمندان الفرقة قبل أن يوضح: إحراقها يسمح بتخصيب الأرض في عامين بدلاً من عشرين عامًا. الأقمار الصناعية أثبتت ذلك، في كل أرجاء الأرض النار الملتهمة للغابات بعد ضربة برق تجعل الأشجار تترك في الرماد بذرها.

وتوجه بكلامه إلى الكولونيل عابدين:

- كولونيل عابدين، أين قاذفات لهبك؟

- هل أنت متأكد مما تقول فرانك لانج؟ سأل الكولونيل التركي مترددًا.

- ثق بلانج وأحضر قاذفات اللهب، طلبت أبولين دوفيل.

وبإشارة من إصبعه، كانت عشر قاذفات لهب تحيط بالغابة، وبعد بضع دقائق، تم حرقها، وتابع الركب طريقه.

قبل أن يصلوا حلب من الشمال، أعلمتهم الشاشات الإلكترونية أن المعركة حامية الوطيس بين بيادق الجيش والمتمردين ليس ببعيد عن أسوارها. وعلى عكس مدينة الباب الصغيرة، كانت حلب مدينة كبيرة، لكن قوتهم الصغيرة كانت سريعة الحركة، فطوقت بيادق الجيش المطوقين للمتمردين، ومارست ضغطًا كبيرًا عليهم. رأت الكابتن عجيلي كيف مزقت الشابات الثلاثة أحجبتهن من تحت الركبة كي يساعدهن ذلك على الحركة، وكيف مع الهجوم سقط الشال عن رؤوسهن، دون أن يبالين به. كان شعرهن كلهن أسود طويلاً، وهن من الجمال يفقن جمال العميلة المزدوجة. بكت الكابتن عجيلي من الفرح، فمسحت أبولين دوفيل لها دمعها، وشدتها بحنان إلى صدرها.

جاء فوج من المتمردين من الرقة قرب الفرات شرقي حلب، وفوج ثان من حارم قرب إنطاكية غربي حلب، وشددوا الخناق على بيادق الجيش، حتى اضطروهم إلى الهرب أو الاستسلام. دخل فرانك لانج وفرقته حلب المحررة بين هياكل الدبابات النظامية المحترقة، وجاء الناس من كافة الشوارع لاستقبالهم، وهم يهتفون للثورة، ويرفعون الشعارات: لن نركع إلا لله! الله معنا! الله أكبر! اقترب الجنرال وحيد القرن، وهو يتناول عن الأرض قطعة خشب متفحمة، وشطب من الشعار الأول "إلا الله" تحت نظرات البعض المستنكرة، وأبقى "لن نركع"، ومن الشعار الثاني "الله"، وبدلاً منه كتب "الجنرال وحيد القرن". غدا الشعار "الجنرال وحيد القرن معنا"، وهو يشير إلى نفسه، فانفجر الكل ضاحكًا. لكنه أبقى على الشعار الثالث، مضطرًا، لما وجد نفسه محمولاً على الأكتاف، والكل يصرخ: الله أكبر! الله أكبر!

كانت من بين الصارخين ثلاث فتيات يرتدين الجينز، ويطلقن شعرهن على أكتافهن، فالتقين بالشابات المحجبات سابقًا، وذهبن كلهن إلى شاحنة الاتصالات، فرحبت بهن أبولين دوفيل وغادة عجيلي.

- أنا اسمي سلوى، قالت إحدى الفتيات.

- أنا اسمي لمى، قالت الثانية.

- أنا اسمي ريما، قالت الثالثة.

- نحن بنات سيئات، عادت الأولى إلى القول.

- بنات وسخات كما يقال عنا، همهمت الثانية.

- بنات تستحق الموت، بكت الثالثة.

أخذتهن أبولين دوفيل بين ذراعيها، وهي تبكي، وكل الموجودات يبكين.

- الثورة ولدتكن من جديد، همهمت الشابات الثلاث اللواتي كن محجبات.

بقيت ثلاث بؤر فساد في حلب طلب السكان من فرانك لانج القضاء عليها، فذهب بنفسه على رأس مجموعة من رجاله إلى دار الضرائب، وأرسل الكولونيل عابدين إلى السجن، ورجا الجنرال وحيد القرن التوقف قليلاً عن أكل المحلبية بالفستق الحلبي أطيب ما تصنعه الحلبيات، والذهاب إلى المسجد. في دار الضرائب، وجد القمندان لانج المدير يحتجز موظفيه، وهو يهدد بإطلاق النار عليهم، إذا ما لم يتركوه يغادر البلاد ليخلص من مطالبة الدولة للأموال التي لطشها. وفي السجن، وجد الملحق العسكري التركي ضابط السجن يقتل النزلاء السياسيين، دون أن يطالب بشيء، فقط لأن دمشق طلبت منه ذلك، وهو سيقتلهم كلهم عن بَكرة أبيهم، ثم سيطلق رصاصة في حلقه. وفي المسجد، وجد الجنرال السوري الإمام يقفل باب الجامع على المصلين، لأنهم سيموتون، إذن فليصلوا، ولينقذوا أرواحهم.

كان الخطر يهدد جميع الذين في دار الضرائب، وفي السجن، وفي المسجد، وفي اللحظة ذاتها، أشعرت أبولين دوفيل القادة الثلاثة باقتراب ثلاث طائرات مروحية، فأخذوا حذرهم ومن هم معهم، وما لبثت الجهنميات الثلاث أن بدأت تقصف، وتفجرت البؤر الثلاث بفضلها، ولكن ما فعله المقاتلون بها كان خاتمة المطاف لها. قذفوها بالصواريخ دون أن يخطئوها، وتم بالفعل تحرير حلب.

احتفل أهل حلب بمحرريهم الذين قضوا ليلتهم معهم، نصبوا موائد الأكل في الدمار، ولم تكن المقابر الجماعية غير بعيد عنهم، كانوا يريدون أن يحتفلوا بالحرية على هواهم، أحياءً وأمواتًا.

لمتابعة قراءة الرواية اذهب الى الصفحة الثالثة / انقر التالي ادناه


 

القسم الثالث

الطريق إلى حماة لم تكن سهلة، كانت مليئة بالأخطار، لكن الجنرال وحيد القرن لم يكن يأبه بذلك، كان يأكل الكافيار، ويشرب الشمبانيا، وهو يقتل مع القاتلين رهطًا من الذئاب، ثم رهطًا من الضباع، ثم رهطًا من الثعالب. اختفت كل هذه الضواري من شاشات الأجهزة الإلكترونية، وظهرت عند باب كل قرية يمضون بها مجموعة من الرجال الملتحين تسوق مجموعة أخرى من الرجال الملتحين متهمة إياها بالخيانة، ومجموعة من الرجال الملتحين تسوق مجموعة أخرى من الرجال غير الملتحين متهمة إياها بالإلحاد، ومجموعة من الرجال غير الملتحين تسوق مجموعة أخرى من الرجال الملتحين متهمة إياها بالجهالة، ومجموعة من الرجال غير الملتحين تسوق مجموعة أخرى من الرجال غير الملتحين متهمة إياها بالعمالة. كان فرانك لانج يتردد في تصفيتهم، لكن الجنرال وحيد القرن، كان يأمر بقتلهم في الحال. اعترضت بعض النساء طريقهم، ودفعت إلى الموت أزواجهن، كما جاءهم من جبال النصيرية العديد من الظمأى، فأسقاهم الجنرال مما يشربه من شمبانيا، وأطعمهم مما يأكله من كافيار. أشار الكولونيل عابدين إلى ثلاث مجموعات متصارعة إحداهما مسيحية والثانية علوية والثالثة سنية، بعد أن تعبوا وجاعوا، وهو يلقي عليهم بالطعام، نسوا لماذا هم يتصارعون، وجاءوا ليأكلوا، والملحق العسكري التركي يهمهم: الجوع لا دين له.

بعد قليل من التراشق بين المقاتلين وبيادق الجيش، جاء البيادق ليستسلموا، وحصل العناق بين الطرفين، تآخى الجميع، ودخلوا حماة معًا، حماة التي هدموها حيًا حيًا وعمارة عمارة وبيتًا بيتًا. كان بعض الشبيحة هنا وهناك، لكنهم صعقوهم صعقًا، وكلما توغلوا في حماة كلما علت أصوات النحيب. رأت أبولين دوفيل أطفالاً ذهبوا ليشتروا الخبز، وظلوا في أماكنهم مكربنين، وسمعت غادة عجيلي غناء لعصافير ماتت، وبقي الغناء من بعدها. أخذت الشابات الست المرافقات لهما ينادين: يا عادل، ويا محمد، ويا جريس، ويا سعد الله، ويا إدوارد... ولا أحد يجيب. لم يكن تحرير حماة يثير الفرح في النفوس كتحرير حلب، فوقف الجنرال وحيد القرن في سيارة الجيب بطوله، وراح يشرب نخب الموت في حماة. جذبه السائق من ذراعه، وأجلسه، فلطمه الجنرال، وأمره بتركه يبكي حماة على طريقته. عاد يقف بطوله في سيارة الجيب ، ويصرخ: حبيبتي حماة! أفرغ قنينة الشمبانيا على جسدها، وانفجر باكيًا.

* * *

سار الركب، وقد تضاعف عدده، حتى بحيرة حمص، وهناك أقاموا معسكرهم. ذهبت الشابات ليسبحن بملابسهن، فضحك عليهن الشبان. كانت بعض المحجبات الجديدات يسبحن هن أيضًا بأحجبتهن، فتبين من تحتها مفاتنهن. كن يضحكن ضحك الأطفال، فلا قانون كان هناك، ولا إله. كن سبب الغاية، وكن الضرورة الحتمية. انتهى الشر، وانتهى الخير. كان لا معنى للتقوى، وكان لا معنى للمعصية. أطلت أبولين دوفيل برأسها من الإستافيت، وابتسمت لجمال الطبيعة. كانت الطبيعة أنثوية أكثر من أي وقت آخر.

- غادة، تعالي، وانظري، نادت الكابتن دوفيل.

جاءت غادة، ونظرت، وهي تمسك يد الشقراء الفرنسية، وتبتسم.

- هذه جنتنا، همهمت الكابتن عجيلي.

جذبتها إلى الداخل، وقبلتها من ثغرها قبلة طويلة، لم تفق منها لا الواحدة ولا الأخرى إلا على نحنحة فرانك لانج.

- تعال لانج، هتفت أبولين دوفيل، وهي تجذبه من يده.

- جئت من أجل شيء آخر، قال رجل التحري الخاص.

- تعال فرانك، هتفت غادة عجيلي، وهي تجذبه من يده.

- أردت أن أطمئن إذا ما كان التشويش لم يزل ساريًا، هنا على شاطئ بحيرة حمص لا حرب هناك، الحرب انتهت على شاطئ بحيرة حمص.

كانتا قد جذبتاه إلى داخل المركبة، وأغلقتا بابها بالمفتاح. عريتاه، وتعرتا، وثلاثتهما يقهقه، ثم اختلطت أجسادهما مدة نصف ساعة من زمن الطغاة والعتاة، مدة كافية لملء العالم بالذهب والأحلام.

* * *

لم يكن الأمر سهلاً مع حمص كما كان مع حماة، كان على المقاتلين أن يحرروا حمص شارعًا شارعًا ودوارًا دوارًا وحيًا حيًا. سقط الكثير منهم في معركة حمص، لكنهم قضوا على كل بيادق الجيش. جرح الجنرال وحيد القرن في كتفه، والكولونيل عابدين في ساقه، واضطرت كابتن دوفيل وكابتن عجيلي إلى حمل السلاح والقتال إلى جانب الرجال. ماتت عاهرات حلب الثلاث شهيدات، وكما فعلت المحجبات الثلاث الأولى، قطعت المحجبات الأخريات أحجبتهن حتى ما تحت الركبة أو ما فوقها، ونفلن شعرهن، وخضن القتال خفيفات، خضن القتال كأرياش النعام.

- ما زلنا بعيدين عن دمشق، يا أولاد الشرموطة، كان يصرخ الجنرال وحيد القرن، وسائقه يضمد له كتفه.

- خذ، اشرب هذا يا جنرالي، قال السائق، وهو يفتح له قنينة شمبانيا، هذا يساعد على تخفيف الألم قليلاً.

- وهل تعتقد أنني أخشى الألم، رمى الجنرال السوري، وهو يعب الشمبانيا من فوهة القنينة عبًا. آه ما أحلى طعم الحرب!

- طعم الحرب أم طعم الشمبانيا؟ ناكده السائق.

- طعم الحرب أيها الغبي، صاح الجنرال وحيد القرن، فلو لم يكن للحرب طعم الشمبانيا لاخترعته.

- هنيئًا مريئًا يا جنرالي، تمتم السائق.

- وأنت لماذا لا تشرب؟

- خوفًا من غضب الله.

- اشرب واترك غضب الله عليّ.

تردد السائق بعض الشيء، ثم اختطف القنينة، وشرب على قهقهات الجنرال.

- ماذا قلت؟

- آه ما أحلى طعم الخطيئة!

وانفجر كلاهما ضاحكًا. قبّل الجنرال السائق من خده، وأمر:

- هيا بنا، لننه هذه الحرب القذرة!

- تحت أمرك يا جنرالي.

وانطلق السائق بالسيارة الجيب إلى قلب حمص، فلحق به فرانك لانج والكولونيل عابدين والكابتن دوفيل والكابتن عجيلي، وانقضت كل الفرقة على الأعداء. ومن الخطوط الورائية للقتال، كان فلاحون ينبثقون بعرباتهم ودوابهم، وهم يهيمون على وجوههم، بعد أن مضى الشبيحة بقراهم. وكان تحرير حمص، واستقبال أهل حمص لهم كالأبطال.

* * *

قال فرانك لانج للكولونيل عابدين:

- جرحك بسيط كولونيلي، ولكني أنصحك بالاستراحة، وأن تهتم بنفسك من هنا حتى دخولنا دمشق كي تكون قويًا بقدر "المليار".

- يكفي أن تذكرني بالمليار كي أغدو أقوى رجل في العالم حتى ولو كان لي من الجراح ما يغطي كل جسدي، هتف الكولونيل عابدين.

- أعرف أنك شجاع بطبعك.

- أنا شجاع بطبعي؟ إنك لمخطئ والله، وربما لهذا أردت امتلاك قوة ذرية تعوضني القليل من هذا الشعور بالنقص.

كانت الشمس حامية جدًا في حمص، وكان فرانك لانج يتأمل أشعتها على يده، ولا يسمع له:

- يبدو لي أنك مشغول عني بأمر آخر، قال الملحق العسكري التركي.

- هل تعرف أن للشمس قوة ملايين القنابل الذرية؟ همهم رجل التحري الخاص دون أن يتركه يجيب. تنفجر فوق، بم، بم، ولكن الأرض تعرف جيدًا كيف تدافع عن نفسها. أتدري كيف؟ ولم يتركه يجيب، اكتشفت الأقمار الصناعية أن الأرض تدافع عن نفسها بغلافها الممغنط.

- للأرض مقدرة عجيبة.

- مقدرة عجيبة لوجودها العجيب، وهؤلاء الجراذين الذين يريدون أن يقرضوا سوريا إلى الأبد ولا يعرفون أن لسوريا كالأرض مقدرة عجيبة لوجودها العجيب.

- هذه الليلة سأرتاح في حمص، وأنا أستنشق رائحة الموت.

- رائحة الحياة، فلا رائحة للموت، كنا نظن أن للموت رائحة، وعلى الأرض لا موت هناك، على الأرض الموت حياة.

وهم ينامون ملء جفنيهم، إذا بأبولين دوفيل وغادة عجيلي تصرخان في آذانهم:

- يحاولون استعادة حمص! يحاولون استعادة حمص!

وإذا بالطائرات الحربية تنقض عليهم، وتقذفهم بالصواريخ، فيموتون بالعشرات. جاءت فرقة من بيادق الجيش من تدمر وأخرى من اللاذقية، مما اضطرهم إلى الانسحاب، والعودة إلى حماة، وهم يلهثون، وينقلون جرحاهم.

* * *

في حماة، استقبلهم نوع آخر من المنتفضين، لم يكونوا من الإسلاميين، ولم يكونوا من الليبراليين، كانوا يسمون أنفسهم "مقاتلو الظل". هذا لا يعني أنهم لم يكونوا متدينين، كانوا لا يعرفون إذا ما كانوا علمانيين أم غيره. لم يكونوا الشيوعيين من مداهني النظام، ولا من أصحاب الملل. أرادوا أن يحبوا سوريا على طريقتهم، فإذا بهم ضد الجميع، ضد البعثيين أول من هم ضده، وبعد ذلك ضد الجميع. لهذا كانوا يعملون في الخفاء، في الظل، وحدهم، ولم يكونوا يعملون مع أحد. الآن وبيادق الجيش يحاولون استعادة حماة، خرجوا من الظل، وبانوا كالأقمار هنا وهناك.

- لن نعطيهم الفرصة على استعادة حماة، قال أحد مقاتلي الظل لفرانك لانج.

- بيادقهم يصلون من خناصر شمال شرقي حماة، شرح القمندان لانج، ومن سلمية جنوب شرقي حماة، ومن مصياف غربي حماة، وخاصة من حمص جنوبي حماة، وبأعداد هائلة.

- حماة محاصرة من كل جانب هذا صحيح لكننا لن نسمح لهم بإعادة احتلالها، قال ثان من مقاتلي الظل.

- سنتركهم يجيئون، قال ثالث من مقاتلي الظل، وسننقض عليهم من الخلف.

- حرب العصابات هذه هي، همهم فرانك لانج، لكن عددنا تناقص كثيرًا، عددنا لا يسمح لنا بالقتال على جبهتين هي في حقيقتها جبهة واحدة، أعني من أمامهم ومن ورائهم.

- هناك شنشار قمندان لانج، قال الجنرال وحيد القرن، وهو يقضم تفاحة حمراء، وصدد والنبك.

- ثلاث مدن جنوب حمص لا حماة، همهم الكولونيل عابدين.

- لهذا من أجل ردهم عن حماة يجب تحرير حمص، قال مقاتل الظل الأول.

أطلت أبولين دوفيل برأسها من الإستافيت، وقالت:

- المتمردون في شنشار وصدد والنبك يسيرون نحو حمص.

أطلت غادة عجيلي برأسها من الإستافيت، وقالت:

- بيادق الجيش يفرغون حمص ويسيرون نحو حماة.

- علينا أن نصدهم عن حماة في الوقت الذي يعيد فيه الثوار تحرير حمص، قال فرانك لانج.

- عندئذ سنرميهم بين فكي الكماشة أولاد الشرموطة، نبر الجنرال وحيد القرن، وهو يقذف تفاحته الحمراء قبل أن ينهي عليها.

وبالفعل هذا ما حصل، فكانت هزيمة بيادق الجيش في حماة بعد قتال دام طوال الليل، واستعادة حمص مع الفجر والمؤذن يؤذن للصلاة، وكان اللقاء الأسطوري بين المقاتلين من الناحيتين.

* * *

في بهيبة، كان السكان يحتفلون بعرس شاب وشابة عندما وصلت طلائع الركب إلى مشارفها، تحت شمس زرقاء. أصر أهل العروسين على مشاركة المقاتلين إياهم في فرحهم، ولما كانوا لم يزالوا تعبين، وجدها فرانك لانج فرصة ليرتاحوا. اغتسلوا، وحلقوا، وبدلوا ثيابهم. بعضهم نام حتى المساء، وبعضهم تكاسل تحت شجرة، ودخن سيجارة. أكل الجنرال وحيد القرن قطعة لحم من كبش كان يشوى قبل كل الآخرين، وشرب طاسًا كبيرة من اللبن الرايب، ثم عرج بعد ذلك على صدر الكنافة، فملأ جاطًا كبيرًا نسفه في دقيقة. تألقت أبولين دوفيل في ثوب فلكلوري أحمر، وكذلك غادة عجيلي في ثوب فولكلوري أصفر. أحاطتا بالعروس، فكانت للناظر عرائس ثلاث، ولهذا كان المشهد فريدًا. رقصوا، وغنوا حتى تعبوا. زفوا العروسين، وذهبوا بهما إلى حجرة منعزلة على كف الحقل، تركوهما لسعادة ليلة الدخلة، وعادوا يرقصون، ويغنون حتى أغفوا، وناموا. في الصباح، ذهبوا ليتفقدوا العروسين، فوجدوهما في ثياب العرس ذبيحين.

* * *

في دوما قرب دمشق، حرق رجال الشبيحة والمخابرات حقول القمح، واقتحموا البرّاكات. نقلوا جرار الزيت إلى شاحناتهم، وكل حيوان أليف، وخلعوا عن سواعد النساء أساور الذهب والفضة. رموا الرجال في السجون، وانفردوا بالشابات الصغيرات والشبان الصغار للتحقيق معهم، وفي الواقع للتحرش بهم. اغتصبوا بعضهم، وهؤلاء يصرخون. تسلل المنشقون عن الجيش، وراحوا يقوسون المجرمين واحدًا واحدًا، ويطلقون سراح الأطفال في الوقت الذي وصل فيه الركب، فكان اتفاق المقاتلين والمنشقين على السير إلى دمشق من الشمال معًا. ومن الجنوب، سيتقدم مقاتلو درعا وإزرع والكسوة، وبالتالي سيكون تحرير المدينة بعد أن يطبقوا بفكيهم على بيادق الحرس الرئاسي.

قالت أبولين دوفيل، عبر السماعة التي في آذان فرانك لانج والجنرال وحيد القرن والكولونيل عابدين، إن انفجارًا هائلاً وقع في بناية الأمن الوطني. أبلغ رجل التحري الخاص رئيس المنشقين النبأ، فضحك، وقال، وهو يتمنى ألا يكذب على نفسه:

- لقد بدأ العد العكسي لسقوط النظام.

قالت غادة عجيلي في آذان محدثيها:

- هناك ضحايا لكننا لا نعرف كم عددهم.

- ولا من هم، أضافت الشقراء الفرنسية.

- سيكون دخولنا إلى دمشق هذه الليلة، أكد رئيس المنشقين. رفاقنا يقاتلون في بعض الأحياء، وهم بانتظارنا، وبانتظارنا أيضًا المهام كثيرة.

- نحن لن تكون لنا سوى مهمة واحدة، قال الجنرال السوري، وهو يشرب عصير التفاح الشامي من قنينة.

- مهمتنا نحن هي احتلال القصر الرئاسي في حي المهاجرين، قال فرانك لانج.

- نعم، هذه هي مهمتنا التي تكلفنا بها، أضاف الكولونيل عابدين.

- مهمتنا الوحيدة، همهم الجنرال وحيد القرن.

- لا بد من التنسيق بيننا، قال رئيس المنشقين، أنتم أكثر من يعلم، ماكينة الحرب جهنمية، وقبل احتلال القصر الرئاسي يجب احتلال كل دمشق.

- يجب احتلال كل دمشق؟ سأل قمندان فرقة الذهب.

- يجب احتلال كل دمشق، أكد رئيس المنشقين، وبشتى الطرق... من شتى الطرق.

- نحن لا نعرف سوى طريق واحدة إلى دمشق، همهم فرانك لانج.

- طريق واحدة مباشرة، همهم الجنرال وحيد القرن، وهو يقذف قنينة العصير فارغة.

- طريق واحدة مباشرة، همهم الكولونيل عابدين، لكنها وعرة أصعب من أية طريق أخرى في العالم.

- كل الطرق تؤدي إلى دمشق، هتف رئيس المنشقين.

القسم الرابع

منذ تركهم لدوما باتجاه حي المهاجرين، لم يتوقفوا عن القتال لحظة واحدة. كانت ردود فعل بيادق الجيش ردود فعل المهسترين الفاقدين لعقولهم، فكان استعمال كل أنواع الأسلحة بما فيها الطائرات المروحية والدبابات. وفي أحد شوارع حي الثغرة، كان رجل في الأربعين يقبل فتى في الخامسة عشرة من ثغره، وقع عليهما رجال المخابرات، وراحوا يطاردونهما، نصفهم يطارد اللوطي، واللوطي يرتعد من الخوف، ونصفهم يطارد الفتى، والفتى يرقّصهم دون أن يقدروا على الإمساك به. اختبأ لوطي الأربعين خلف باب إحدى العمارات، وهو يلهث لهاث السمك الميت الحي، وعندما ظن أنه أفلت منهم، خرج، وإذا بهم يجيئون في أعقابه. وصل البناية التي يسكن فيها، فاخترقها إلى الطابق الرابع. نادى المصعد، لكنه أخذ الدرج، وهم أخذوا المصعد، وفي اللحظة التي أراد فيها إغلاق بابه عليه، غادروا المصعد، ودفعوه إلى الداخل، ثم إلى الشرفة، وقذفوه منها. وبينما هم ينظرون من فوق إلى الجثة الهامدة على الأرض، ضربت الشرفة قذيفة فجرتها، وفجرتهم معها.

- هذا هو الشغل، هتف الجنرال وحيد القرن، وهو يلتهم قرن إيمة بالفستق الحلبي.

- الطريق لم تزل بعيدة إلى القصر الرئاسي، قال فرانك لانج.

- أعرف، يجب القضاء على كل أولاد الشرموطة، قال الجنرال، وهو يلقي بباقي قرن الإيمة في جوفه.

- هل تريد آخر جنرالي؟ سأل السائق، وهو يفتح ثلاجة صغيرة في سيارة الجيب.

- دعني أرسل صاروخين آخرين أو ثلاثة إلى تلك العمارة كي تنهار كلها، وتعيق تقدم الدبابات، أجاب الجنرال وحيد القرن.

وأمر رجاله:

- أريدها أن تلحس غبار نعلي.

انطلقت الصواريخ، والسائق يقدم للجنرال قرن الإيمة بالفستق الحلبي.

- أنت أهل لكل هذا جنرالي، همهم السائق، بالصحة والعافية.

- الحمد لله أن كل العمارات خالية من أهلها، قال الكولونيل عابدين.

- انتبهوا جميعًا، قال صوت أبولين دوفيل في آذانهم، المروحيات تقترب.

- لسنا على الأسطح، رد فرانك لانج، فلن نهتم.

- لكن بضعة صواريخ أرض-جو من الجميل أن تقيم فوق الرؤوس حفلة من الأسهم النارية، علقت غادة عجيلي.

- خسارة أنني وغادة في جوف الإستافيت لا نحتفل معكم، قالت الكابتن دوفيل، وهي تضحك، والكابتن عجيلي تضحك معها.

وإذا بطائرات مروحية ثلاث تنبثق فوقهم، وترشقهم، وبدورهم يرشقونها، ويسقطون إحداها على الصرخات الجزلة للفرقة.

بدنا نعبي الزنزانات

وبدنا نملّي المعتقلات

وبدنا نفضّي الروسيات

كرمال الأمة الأسدية

نحنا جنودك يا بشار

على صباطك نحنا غبار

لعيونك منهدّ الدار

انت الديموقراطية

مطرح ما بتمشي وبتدوس

نحنا منركعلك منبوس

رح ندعسلك كل مدسوس

متل وحوش البرية

- بنتي سيأكلونك، رجت الأم ابنتها.

- ماما دعيهم يأكلونني، ردت البنت على أمها.

- بنتي فكري فيّ.

- ماما فكرت فيكِ.

- بنتي أنا أمك فكري فيّ.

- ماما قلت لك فكرت فيكِ، فكرت فيكِ.

- بنتي فكري فيّ أكتر شوي.

- ماما فكرت فيكِ أكتر من شوي، التفكير كثيرًا مضيعة.

- بنتي من يبقى لي من بعدك؟

- ماما يبقى لك الله من بعدي.

- بنتي لن يبقى لي الله من بعدك.

- ماما لا تكفري أرجوك.

- بنتي لن يقبل الله أن تتركيني وحدي.

- ماما سأعود إليك، إن شاء الله سأعود إليك.

- بنتي يا ويلي يا شحاري!

- ماما لا تبكي أرجوك!

- بنتي... بنتي... ضاعت بنتي...

- انتبه! قال فرانك لانج لأحد المقاتلين، تلك الفتاة ترفع منديلاً أبيض.

جاءت الشابة تجري لتلتحق بالمقاتلين.

- هل تريدين إيمة بالفستق الحلبي؟ سأل الجنرال وحيد القرن الفتاة، وهو يمد لها قرنه، والبوظة تسيل من كل ناحية.

- لا، أشكرك، ردت الشابة، وهي ترسم على شفتيها ابتسامة ساحرة.

لحوس القرن، ثم رماه، ودعسه، وهو يشتم بينما السائق يخفي ضحكه بأصابعه.

نحنا أسودك لا تهتم

بدنا نعبي الساحة دم

الشغلة أبدًا مو بالكم

نحنا عنا النوعية

بلا حرية بلا بطيخ

مؤامرة جاية من المريخ

ما عنا هندوس وسيخ

ولا عنا زردشتية

يا بو الجبين العالي

بفديك بروحي ومالي

ومشان عيونك يا غالي

أنا بدبح أهلي بشبرية

ركضت أم مع أطفالها تحت مطر القذائف، وهي هلعة، لا تعلم أين تذهب. وجاءت أم أخرى بصغيرها في عربة، تركض هي الأخرى هاربة، فأوقفها اثنان ضخما الجسد يعلقان على زنارهما شتى أنواع السكاكين والعصي والأسلحة الخفيفة.

- أنا بعرضك، ابتهلت الأم للأول.

- قولي بطولك، وانفجر المجرم ضاحكًا، وصاحبه يطبطب على ردفيها.

- أنا بعرضك، ابتهلت الأم للثاني، خليني أمشي. ابني صغير، حرام عليكم.

أخذ الشبيحي يرفع تنورتها، والأم تحاول منعه، بينما رفع الثاني الصغير من عنقه، ثم من ساقه.

قال الله... حرية وبس

رح نفرمهم متل الخس

كلن كم مليون مندس

ما بيشكلوا الأغلبية

بدونك نحنا منتبهدل

تطلع عكتافي وتتدندل

أعلامك ضرب المندل

كشف المجموعة السلفية

إرهابية مالون حل

مشانك درعا رح نحتل

لا منكلّ و لا منملّ

لتصير إبادة جماعية

ترك الشبيحي المرأة، وأمسك الصغير من ساقه الثانية، والصغير يصرخ باكيًا بأعلى صوته.

- صوت هذا الصرصار مزعج، ألا تعتقد ذلك؟ قال الشبيحي الأول.

- مزعج إلى حد الموت، قال الشبيحي الثاني.

عادت الأم تبتهل، وهي تذرف مر الدمع، لكنهما فسخاه، فسقطت المرأة مغشيًا عليها. قذفاها بجثة الصغير، وذهبا بكل هدوء واطمئنان.

اسمك بالعالي مرفوع

وصوتك للسما مسموع

لو شعبك مات من الجوع

رح ننتخبك أبدية

ما عنا رأي ورأيين

عنا نورك يعمي العين

انت كبيرنا يا زين

انت ملك البشرية

ما إلنا بعدك اتنين

انت والرب ربين

انت العين وكحل العين

انت الرسالة النبوية

اقترب المقاتلون من الأم ورضيعها المفسوخ، فأخذ الجنرال وحيد القرن يجمجم: أولاد الشرموطة! أولاد الشرموطة!

- خراء كل هذا، قال فرانك لانج.

- خراء أسود، همهم الملحق العسكري التركي.

حملوا الأم ورضيعها القتيل إلى الخلف، وواصلوا تقدمهم.

وقف الشاب طويلاً أمام فترينة فيها فستان أبيض، وهو يحمل مطرقة ضخمة، وفجأة حطم بالمطرقة الضخمة الزجاج، وتناول الفستان الأبيض. ابتسم لسرقته، كان سعيدًا، أكثر الناس سعادة، وفجأة اخترقته سلسلة من الطلقات، ولطخ بدمه الفستان الأبيض.

- خراء أسود، عاد الكولونيل عابدين إلى القول.

- لم أره، قال أحد المقاتلين.

- لم تره، وهو هناك بوضوح الشمس، راح الكولونيل عابدين ينبر.

- لا يوجد شمس كولونيلي، همهم المقاتل. سماء دمشق غائمة.

- الصورة، ألا تفهم الصورة؟ ردد الكولونيل التركي وكله غضب.

- صحيح، سماء دمشق غائمة، همهم فرانك لانج.

- ألا يوجد شيء يؤكل؟ سأل الجنرال وحيد القرن.

- إيمة بالفستق الحلبي جنرالي، أجاب السائق.

- إيمة بالخراء الحلبي تريد القول، نبر الجنرال السوري,

- وعلى أي حال ثلاجة الجيب توقفت جنرالي، عاد السائق إلى القول.

- ألم أقل لك إيمة بالخراء الحلبي؟

- سأشوي لك زرافة حال وصولنا القصر الرئاسي جنرالي، قال السائق.

- أنا لا أحب لحم الزرافات، جمجم الجنرال وحيد القرن.

- سماء دمشق غائمة، عاد فرانك لانج يهمهم.

منعتهم الطريق التي قسمتها قذائف الدبابات –كما ظنوا في البداية- إلى اثنتين من التقدم إلى حي العجمي، كانوا لم يزالوا بعيدين عن حي المهاجرين، ومن المستحيل ترك مركباتهم، أضف إلى ذلك أنهم كانوا بحاجة ماسة إلى المصفحات. وهم في أقصى حيرتهم، سمعوا صوت جرافة، ورأوا يدًا تلوح لهم. كان أحد العمال الذي أوضح أنهم هم الذين فتحوا الطريق لأجل شبكة جديدة للتلفونات الأرضية، وأخذ يردم الحفرة، مما جعلهم يواصلون طريقهم.

والقصف بدأ يتزايد، ذهب أحدهم إلى النافذة ليرى إذا ما كانوا على مقربة. جاءت زوجته، وقالت إنها لم تر أحدًا من النافذة، فأكد العكس، وهم يصعدون للقبض عليه. سخرت به، وقالت إنهم لا يقلقون به، وهو آخر من يهمهم، لكنه عاد يؤكد العكس. راح يذرع حجرته منتظرهم جيئة وذهابًا، وظل يذرع حجرته جيئة وذهابًا حتى تعب، فجلس، ومدد ساقيه، وراح ينظر إلى الباب. وبالفعل اندفع الباب، وظهروا، فابتسم لهم، وهو يرفع يديه ليقيدوه، ويسوقوه إلى التحقيق، فالتعذيب، فالمعتقل، لكنهم بعد أن فتشوا في كل مكان، تركوه، وذهبوا.

لمتابعة قراءة الرواية اذهب الى الصفحة الرابعة / انقر التالي ادناه


 

- المروحيات تعود إلى الظهور، قالت أبولين دوفيل في آذانهم.

لكن الطائرات المروحية قصفت من كانوا على الأسطح، وغادرت ساحة القتال. جاءتهم مجموعة من الجوعى، وهم يسألون إذا كان لديهم شيء يؤكل، فأخذ الجنرال وحيد القرن يلعنهم، ويدفعهم، ويطردهم. مضوا بماخور، فخرجت من الإستافيت الكابتن دوفيل تتبعها الكابتن عجيلي، وهما تقولان لم تعد التكنولوجيا بكثير نفع، وكل شيء يجري في الوقت ذاته مع تقدمهم، ودخلتا الماخور، وكلاهما تحمل سلاحًا رشاشًا. كان بعض المقاتلين يختبئون هناك، وقبل أن يخرجوا إلى القتال عانقوا بنات الماخور.

- أنقذن حياتنا، قال أحدهم.

بكت البنات على الباب، فقالت لهن أبولين دوفيل:

- سأعود دون هذا في المرة القادمة، وهي تشير إلى سلاحها.

مسحن شعرها الذهبي وشعر الكابتن عجيلي الليلي، وابتسمن لهما، ورائحة البخور الآتية من المنزل المقابل تملأ الأنوف. ذهبت الضابطتان لتريا، فوجدتا شيخًا ذا لحية يبخر فرج زوجه، وهو يتوسل إلى الله: أريده صبيًا يا رب! أريده صبيًا يا رب! انطلقت صرخات من الطابق العلوي، فخفت أبولين دوفيل وغادة عجيلي إلى الصعود، وهما تشهران سلاحهما. كان أحدهم يطعن زوجته حتى الموت، وهو يصرخ: أريد أن أكون حرًا! أريد أن أكون حرًا! قادته المرأتان إلى القمندان لانج، فأعطاه سلاحًا ليقاتل ريثما تنتهي المعركة، ويسلمه إلى سلطة الثورة. قاتل الرجل أحسن قتال، لكنه، وهم يتركون حي العجمي إلى شارع 6 تشرين، سقط قتيلاً. وبينما هم يصعدون الشارع الشهير، جاءت مجموعة من الشبان تريد القتال معهم، كانت الصلبان تتدلى من أعناقهم، فسألهم الجنرال وحيد القرن إذا كانوا قد هربوا من الدير، فانفجروا كلهم ضاحكين، وإذا كان معهم شيء يؤكل غير الإيمة بالخراء الحلبي، فانفجروا مرة أخرى ضاحكين.

- خراء أسود، خراء أسود، جمجم العقيد عابدين، وهو يرفع السائق قتيلاً بين ذراعيه.

عند ملتقى شارع فارس الخوري، داهم رجال المخابرات بعض المجتمعين في كهف إحدى المقاهي، وأخذوا باعتقالهم، ومن وشى بهم يشتم البعث والبعثيين، فصفعوه، وقالوا له اخرس يا نذل، يا من وشيت بأصحابك! وساقوه إلى التحقيق، فالتعذيب، فالمعتقل، مثله مثل الآخرين. وما أن غادروا المقهى حتى اقتحمها فرانك لانج وصحبه، وجعلوا منها محطتهم قبل الذهاب إلى المزرعة.

- أكل، صاح الجنرال وحيد القرن بصاحب المقهى، وهو يمزق الضماد المحيط بكتفه، أعطنا شيئًا يؤكل، وبسرعة، كي نواصل القتال.

- وهل ستدفعون؟ سأل صاحب المقهى.

- سندفع، قال فرانك لانج، ولكن ليس الآن، سندفع لك ذهبًا.

ابتسم أفراد القيادة الخمسة حتى بانت نواجذهم.

- سنعود، وسندفع لك مقابل ما نأكل بالذهب، عاد فرانك لانج إلى القول.

ظهرت على وجه الرجل أمارات عدم الفهم، فصاح به الجنرال:

- أسرع يا هذا، بالذهب نأكل، وبدون الذهب نأكل، لكننا لن نستعمل القوة معك، وكما قال لك سندفع مقابل ما نأكل بالذهب إن شاء الجنرال عمك وحيد القرن محسوبك.

- ذهب ستي أم علي، غمغم الرجل قبل أن يستجيب له.

تراخى المقاتلون، وهم يجلسون، هنا وهناك، ورموا أسلحتهم جانبًا. وما هي سوى بضع دقائق حتى أحضر صاحب المقهى صحون اللبنة والزيتون الأسود والأخضر والأحمر والمخللات والمتبلات وعشرات الأرغفة المحمصة. أكلوا كما لم يأكل أحد، وشربوا في الأخير الماء المثلج المعطر بماء الورد. قال الجنرال وحيد القرن، وهو يجس كرشه:

- إنها ألذ وجبة أكلتها في حياتي.

عادوا يتوغلون في شارع 6 تشرين، والمواجهة مع بيادق الجيش على أشدها. وصلهم نفير سيارة إسعاف لم تتمكن من العبور بسبب منع الدبابات لها، فدفعهم ذلك إلى إرسال العشرات من قذائفهم المضادة للدروع، حتى اضطروها إلى التراجع، وفتحوا الطريق لسيارة الإسعاف. مرت سيارة الإسعاف بهم قبل أن تأخذ طريقها إلى مستشفى تشرين، فرأوا المرأة الحامل التي على وشك الولادة تبتسم لهم، فابتسموا لها.

كان تراجع بيادق الجيش سببًا في تراجع أحد الخطباء عند زاوية أحد الشوارع الفرعية عما قاله منذ قليل بخصوص نظام النور والتطور، وأخذ يطري نظام الظلام والتخلف، ولكن ما أن عاد بيادق الجيش إلى مواقعهم حتى عاد يطري نظام النور والتطور، وعندما رأى الكابتن دوفيل والكابتن عجيلي كيف تقاتلان كمائة رجل، راح يطري المرأة، ويحيي دورها في الإحياء والتجدد، وهو يرقّص حاجبيه لهما، ويغمزهما، فطردتاه الضابطتان، وكنستا الطريق من كل الحثالات أمثاله.

- هل تعرفين لماذا المايوه البيكيني اسمه بيكيني؟ سألت أبولين دوفيل زميلتها.

- سماء دمشق الغائمة هي التي أوحت إليك بذلك؟ سألت غادة عجيلي ردًا على سؤالها.

- هناك برق، قال فرانك لانج.

- لا رعد هناك، قال الكولونيل عابدين.

- ستمطر من حظنا، قال فرانك لانج.

- المايوه البيكيني اسمه بيكيني لأنك لمّا ترتدينه ينطق بجمالك، بيك... بيك... بيك... قالت الكابتن عجيلي، وهي تطلق ضحكة.

- دمشق كأنها مضغوطة في زجاجة، عاد فرانك لانج إلى القول، والمطر يلطف من حدة الاختناق.

- هل من بحر قريب من هنا؟ سألت الكابتن دوفيل.

- بحر بيروت أو بحر اللاذقية، أجابت العميلة المزدوجة، والسماء تبرق من جديد. بيك... بيك... بيك... قالت الكابتن عجيلي، وهو تطلق ضحكة ثانية.

- البرق دون رعد، هذا يعني أنها لن تمطر، قال الكولونيل عابدين، وهو ينزع الضماد عن ساقه.

- البرق هو برق قذائفنا، قال الجنرال وحيد القرن.

- أرى أنك لا تعرفين، طيب، لا بأس، همهمت الشقراء الفرنسية، المايوه البيكيني اسمه بيكيني لجزيرة تحمل نفس الاسم.

- بيك... بيك... بيك... عادت غادة عجيلي إلى القول، وهي لا تتوقف عن الضحك.

- هل تعلم أنني من برق واحد أستطيع إنارة كل دمشق، قال رجل التحري الخاص.

- أو إحراقها، همهم الجنرال السوري.

وهو يأمر بحصد بيادق الجيش عن بكرة أبيهم.

- جزيرة الحب، همهمت أبولين دوفيل، وهي تقاتل.

وهم على أبواب المزرعة، كان بعض المتظاهرين في شارع الثورة يدعسون العلمين الروسي والصيني بغل وحنق كبيرين، وكانوا يرفعون صورة إحدى الفتيات.

- إنها تشبهك، همهمت أبولين دوفيل.

- الفتاة؟ همهمت غادة عجيلي.

- ببيكيني أم بدون بيكيني إنها شديدة الشبه بك.

- لهذه الفتاة قصة.

- ما هي؟

- قصة لا علاقة لها بالبيكيني.

- احكيها.

- لأنها أجمل فتيات الجامعة...

- وبعد ذلك؟

- ألقوا القبض عليها.

- لا لسبب إلا لأنها أجمل فتيات الجامعة؟

- وإلى اليوم لا أحد يعرف شيئًا عنها.

- هل يرعبهم الجمال إلى هذه الدرجة؟

- يرعبهم.

- إلى هذه الدرجة؟

- الجمال سياسة بقدر ما يرعب بقدر ما يملأ النفس بالرضى.

سمعوا صراخ أحدهم، كان يطالب بإعدامه لأنه سب الزرافة، فاتهمه الناس بالجنون. وعندما سبها بالفعل، راحوا يضحكون عليه. وكان آخر يشاهد كيف يساق كل أفراد أسرته الذين وشى بهم إلى التحقيق، فالتعذيب، فالمعتقل، ولما وجد نفسه وحيدًا انتحر.

- لماذا لم تمنعوه من الانتحار؟ سأل فرانك لانج.

- عندما وصلنا كان كل شيء متأخرًا، أجاب العقيد عابدين.

- يا للخسارة، لقد فهم خطأه، همهم رجل التحري الخاص.

- لكننا أنقذنا آخر في اللحظة المناسبة.

- أنقذتم آخر في الل...

- كان خوافًا.

- مثلي أنا. أريد القول أحيانًا.

- كان يريد أن يبقى النظام.

- هذا لأنه كان خوافًا.

- لكنه مات، وهو يقاتل معنا ببسالة.

- لأنه لم يعد خوافًا.

رأوا أحدهم، وهو يتسلق عمودًا غير مبال بتبادل النار على الرغم من شدته، وأنزل العلم الفلسطيني المحشور بين علمين سوريين. راح يهتف "تحيا فلسطين"، فأرداه رئيس بيادق الجيش قتيلاً. وفي اللحظة ذاتها، انبثقت من بين الدخان فتاة، وهي تجذب فتى من يده، وتقول لهم: زوجوني إياه!

ضحك فرانك لانج، وقال للفتاة:

- ولكننا لسنا مكتبًا للزواج.

- أراد أبي أن يزوجني من واحد غني رغمًا عني، أوضحت الفتاة، وهذا الشاب فقير أهرب معه لأنني أحبه. إنها مناسبة لن تتكرر ثانية.

وعلى بعد عشرة أمتار، كان بعض المنبطحين الذين نهضوا ما أن وصل ركب المقاتلين، وهم يقولون إنهم يريدون أن يصبحوا ثوريين. وكان بعض المتسلقين هناك أيضًا، وهم يرفضون النزول، ويقولون في العهد القديم أم في العهد الجديد إنهم سيبقون هم أنفسهم. جاء أحدهم، وهو يرفع يافطة كتب عليها "مبادئ للبيع مقابل بعض الملاليم".

- بعض الملايين؟ سأل الكولونيل عابدين.

- بعض الملاليم، أجاب الجنرال وحيد القرن، وانفجر ضاحكًا.

انفجر فرانك لانج ضاحكًا، وانفجرت أبولين دوفيل ضاحكة، وانفجرت غادة عجيلي ضاحكة، وانفجر بعض المقاتلين الذين كانوا هناك ضاحكين.

- مبادئ للبيع مقابل بعض الملاليم، همهم الجنرال، وانفجر من جديد هو وكل من كان معه ضاحكين.

جاءهم المجرمون الذين أُفرج عنهم ليتحالفوا معهم، لأنهم انقلبوا على جلاديهم قالوا، وجاءهم نصف أفراد المجلس الوطني، وهم يشتمون النصف الثاني، ثم جاءهم أفراد النصف الثاني، وهم يشتمون النصف الأول. وما لبث نصف النصف أن راح يشتم نصف النصف الآخر، ونصف الربع، ونصف الثُّمن، والواحد، ونصف الواحد، فنظرت أبولين دوفيل وغادة عجيلي إلى الشقوق في غمام دمشق، ورأتا النصف الأسود للشمس. كان المقاتلون قد أخذوا بتحطيم مصابيح الأعمدة، ولم يعرفوا لماذا، ربما لأنهم لا يخافون من الظلام، وربما لأنهم لا يريدون أن يروا طريقهم في الليل جيدًا. قال لهم البعض إن رئيس المنشقين في سوق الحميدية، وهو ورجاله قد نهبوا كل شيء فيه، وقال لهم البعض الآخر الشيء نفسه عن رئيس الشبيحة والشبيحة.

- ونحن؟ سألت أبولين دوفيل.

- ونحن ماذا؟ سأل فرانك لانج.

- هل سننهب كل شيء في سوق الحميدية؟

- فكري فيما ينتظرنا وراء أسوار قصر المهاجرين.

- وماذا يعني ذلك؟ سوق الحميدية شيء آخر.

لم يكن البقاء في المزرعة أمرًا سهلاً، كان عليهم أن يقاتلوا دون توقف، وكانوا تعبين جدًا. نام بعضهم من وراء المتاريس، وبعضهم الآخر واصل القتال. عندما التحق بهم أفراد من حزب الله عن خطأ، تجاهلوا الأمر، فقط ليناموا، وتركوا مقاتلي حزب الله يدافعون عن المتاريس في وجه بيادق الجيش. نهضوا في الصباح، وقد ارتاحوا، واستعادوا قواهم، وأعلموا اللبنانيين بالحقيقة، فلم يبالوا، واكتفوا بقول: الآن جاء دورنا لننام. جاءهم من دفعت لهم إيران مالاً ليقاتلوا مع بيادق الجيش، وسألوا إذا ما كان هنا أبطال الجيش. قالوا لهم هنا طلائع "المحررين"، لكنهم لم يذهبوا. أخذوا يقتلعون الزهور من الحدائق، فقصفتهم الطائرات المروحية. كانت مناسبة لإسقاط اثنتين أو ثلاث، فجاء الأولاد، وأخذوا يلعبون لعبة الشرطة والحرامية، والنار لم تنطفئ بعد. وقع أحد الأولاد على سلاح رشاش، فأطلق على من كان معه من صغار حي المزرعة، وأردى معظمهم قتلى. لم يتوقف عن اللعب، كان بعضهم لم يزل حيًا، وكانت اللعبة لم تنته بعد. وفي الطرف الآخر من حي المزرعة، كان رجال الأمن يصفون أفراد عائلة من صغيرها إلى كبيرها، فنادوه، لكنه لم يستجب لهم. رفع السلاح الرشاش، ورشق في الهواء رشقتين. هرب المجرمون، وتساقطت بعض الطيور الغريبة. طيور بيضاء ذات مناقير سوداء، كانت في سيقانها خواتم. نقل خاتمًا في كفه، ورأى كتابة بالعبرية كان الولد يقرأها كما يقرأ العربية: لا تقتلوا الطير.

- هذه الخواتم التي في سيقان الطيور تقول كلها بالعبرية "لا تقتلوا الطير"، قال الجنرال السوري.

- لا بد أن هذا كود، قال الكولونيل التركي.

- ماذا يعني ككود؟

- لا تقتلوا الطير.

- إنه لغريب ككود.

- لماذا لم يقولوا لا تقتلوا النعام؟

- أو الأرانب؟

- لماذا بالعبرية وليس بالعربية أو بالروسية؟

- ليس هناك الكثير ممن يعرف العبرية.

- ولا الروسية.

- بالعبرية للتدخل الأجنبي.

- وبالروسية كذلك للتدخل الأجنبي.

- ولكن الكود بالعبرية وليس بالروسية.

- لتأكيد أن كل هذا مؤامرة أجنبية فقط لا غير.

- وبالروسية كذلك لتأكيد أن كل هذا مؤامرة أجنبية فقط لا غير.

- التأكيد حصل بالعبرية.

- لنفي التأكيد الحاصل بالروسية.

- لا تقتلوا الطير، شيء مذهل ككود.

- لو لم يكن بالعبرية لمضى كل شيء بشكل طبيعي.

- وهذا بالضبط ما يهدف إليه الكود، ألا يمضي كل شيء بشكل طبيعي.

أخذت مدافع دبابات الجيش تقصف منطقة القصور، والصالحية، وحدائق أبي جرش، لم يكن القصف عشوائيًا، كان القصف يستهدف أصحاب الفيلات من الموظفين الكبار والتجار والأثرياء الجدد، لتحييدهم، فبعد الفشل الذي لحق بالنظام من تحييد الغالبية الصامتة بالسيارات المفخخة، راح يحاول تحييد القلة الصامتة، حليفته الإستراتيجية، بقذائف من جهنم، فتركه القمندان لانج يفعل، ونجح في التسلل وفرقته من المزرعة إلى الجسر الأبيض.

القسم الخامس

تقاتل رجال فرانك لانج وبيادق الجيش تحت سماء ملبدة بالغيوم، فاستعملت كل أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، ولشراسة الطرفين تم تدمير الجسر الأبيض، وكل المنطقة التي تحمل اسمه، ووجد القمندان نفسه مضطرًا للتراجع وفرقته إلى المزرعة. حملوا جرحاهم، وتركوا مركباتهم المعطوبة، والدخان الكثيف يتصاعد كما لو كان يتصاعد من فوهات البراكين، فلم يعرفوا أين يضعون أقدامهم. كان العالم كله أنقاضًا، ونهار دمشق كله ظلامًا، فلم تر أبولين دوفيل المَصْرِف الذي سقطت فيه، وهي تصرخ "لانج"، مَصْرِفٌ يدور عميقًا كحلبة زالقة. لمح فرانك لانج ذهب شعرها تحت خوذتها، وهو يبرق قبل أن ينطلق من المعلوم إلى المجهول معها، ووصله صدى النداء، فلم يكن له خِيار إلا اللحاق بها. ألقى سلاحه وأمشاطه وقربته وكل ما يعيقه عن الانزلاق، وقفز، وإحساسه بالخطر كان أكثر من أي وقت آخر.

بعد دوران مدوخ مصحوب بصرخة لا تنتهي، ويده تضغط خوذته خوفًا على رأسه، وجد فرانك لانج نفسه يسقط على ظهره في حضن من الرمل بعد أن قذفه المَصْرِفُ من فوهته المعلقة في الهواء. اعتدل في جلسته، وهو يَجُسُّ كل عضو من أعضاء جسده، لئلا يكون كسر قد لحق به أو رَضّ، ولم يلمح أبولين دوفيل غير بعيد عنه. كانت تجلس على طرف جذع يعترض سيل ماء قذر، وقد خلعت خوذتها، وألقتها إلى جانب سلاحها المحطم عند قدمها.

- هل كل شيء على ما يرام؟ سألت ضابطة المخابرات الخارجية.

- أعتقد ذلك، أجاب رجل التحري الخاص، وهو يجدها في مجاله المغنطيسي، ويخلع خوذته، ويلقيها، ثم ينهض.

- نحن كما ترى في أحشاء دمشق.

- الظلام ليس شديدًا.

- هناك في الجدران بعض الكوى.

- وهناك سيل، ليس الكوثر ما في شك.

- رائحته ليست محتملة.

- كيف تريدينها أن تكون، رائحته؟ رائحة التوت والروم كما هي رائحة المجرة؟

اقترب منها، فنهضت، وقالت، وهي تضرب السلاح بقدمها:

- لم يعد نافعًا.

أمسك فرانك لانج يدها، وهمهم:

- كابتن دوفيل، أنا هنا.

ترامت بين ذراعيه، وهمست:

- أنا خائفة، لانج.

- أنا هنا، عاد رجل التحري الخاص يهمهم.

- فوق الأمر يختلف، أما هنا...

شدها إلى صدره بقوة، وهمس:

- قلت لك أنا هنا.

دفعها بكل رقة من أمامه، واتجها نحو السيل. كان عليهما أن يتبعا الماء الجاري، فمن المفترض أن يكون هناك مصب عند نهايته، وكان الماء الجاري من الكثافة بحيث يصعب عليهما السير فيه. لكنهما كانا يتركانه إلى الضفة بين مسافة وأخرى، ثم يتسع السيل، فيضطران إلى الخوض في رواسبه. لم تعد هناك كوى تخترقها الأشعة، فأخرج فرانك لانج مصباحًا من جيب سترته، وعلى هالته تابعا طريقهما إلى حيث لا يدريان. وهما يقتربان من نفق يعارض النفق الذي كانا فيه، وصلتهما أضواء شموع، وشيئًا فشيئًا ظهرت لهما ثقوب كبيرة في الجدران مسكونة كلها من طرف أناس كما لو كانوا قادمين من العصر الحجري. اضطرتهما صخور انحرف السيل بسببها من أخذ هذا النفق، فأمسكت أبولين دوفيل بذراع فرانك لانج، وألصقت كتفها بكتفه. وقف صغارهم وكبارهم، نساؤهم ورجالهم، على حواف ثقوبهم، وراحوا يحدقون فيهما، هم وقططهم راحوا يحدقون فيهما. كانت للقطط رؤوس كبيرة ووجوه مستديرة، وهي تحدق كما يحدق البشر، وكانت للكائنات الغريبة هيئة الوحوش في ثيابها الجلدية، وهي تبدو بشعورها الطويلة وأجسادها الملوثة كما يبدو الأنبياء الأوائل. كان أولئك البشر الذين ليسوا بشرًا يجمدون في وقفاتهم، وكانوا يلقون على العابِرَيْنِ نظرات لا حياة فيها. غادر البعض الثقوب إلى ضفة السيل، وعند مرور الفرنسيين بهم، مدوا أياديهم، ولمسوا شعر أبولين دوفيل، وخدها، وثديها، وكتفها، وخصرها، وفخذها، وهذه تجمع نفسها على كتف فرانك لانج، وكذلك فعلوا بفرانك لانج، وفرانك لانج يراقبهم بحذر، وبحذر يداوم على السير معها، إلى أن وجدا نفسيهما وحيدين من جديد، ولكن ليس إلى وقت طويل، إذ بدأت تظهر لهم داخل أنفاق متقاطعة مجموعات من المشوهين المسلحين بشتى أنواع الأسلحة الذين ترتع بين أقدامهم آلاف الجرذان، وتتسلق سيقانهم، وتملأ جيوبهم، وتسعى للوصول إلى صدورهم، فتتساقط، وتحاول من جديد. سألهما أحد المسلحين المشوهين بنبرة خشنة:

- ماذا تفعلان هنا؟

فقالا:

- سقطنا من مَصْرِف.

شد السترة العسكرية لفرانك لانج، ثم السترة العسكرية لأبولين دوفيل، وسأل:

- ما هذا؟

- سترة عسكرية، قال فرانك لانج.

- يلعن دين، أعرف أنها سترة عسكرية، عوى الرجل.

كانوا أقرب إلى الخارجين على القانون من أي شيء آخر، فغامر رجل التحري الخاص بنفسه قائلاً:

- قاتلنا إلى جانبكم.

- قاتلا إلى جانبنا، صاح الرجل بالمسلحين المشوهين الذين أطلقوا صرخة واحدة تعبر عن رضاهم، لكنه أخرسهم بحركة آمرة من يده، وعاد يسأل بنبرة خشنة: قاتلتم إلى جانبنا ضد من؟

حار فرانك لانج في أمره، وهو ينظر إلى أبولين دوفيل طالبًا عونها.

- ضد الذين أنتم ضدهم، همهمت ضابطة المخابرات الخارجية.

- ضد الذين نحن ضدهم، صاح الرجل بالمسلحين المشوهين الذين عادوا يطلقون صرخة واحدة تعبر عن رضاهم، لكنه أخرسهم من جديد بحركة آمرة من يده، وأخذ يقول: نحن الذين لا دين لنا ولا شرف أشرف الكائنات على الأرض، فأطلق المسلحون المشوهون صرخة واحدة تعبر عن رضاهم، ولم يخرسهم هذه المرة.

أرادا الذهاب، فأوقفهما:

- إلى أين؟

أشار فرانك لانج إلى أحد الأنفاق.

- هذا النفق يذهب إلى سوق الميدان التي استعادها الجيش، قال الذي لا دين له ولا شرف، خذا ذاك النفق، سيذهب بكما إلى نهر عيشة، نهر عيشة ما زال معنا.

- شكرًا جزيلاً، همهم فرانك لانج، وهو يسحب أبولين دوفيل من ذراعها.

عجلا في السير، وذهبا. سارا ساعة أو يزيد، في السيل تارة، وعلى الضفة تارة، إلى أن وصلا قرب شلال من الماء القذر. تسلقاه من جانبه، وفوق وجدا نفسيهما على رصيف مبلط فيه أكداس مكدسة من الجرحى، يعالجهم طبيب وممرضتان بإلصاق العلق على جراحهم. كان العلق يزلق على وجوه بعضهم وأجساد بعضهم كما لو يزلق في بحيرة من الزيت.

- ستفرغ أوردتهم من الدم، همهمت أبولين دوفيل، وهي تدير وجهها اشمئزازًا.

- إنها الطريقة الوحيدة لمعالجة المتمردين، قال الطبيب، ونحن ينقصنا كل شيء، لو كانوا في المستشفيات لتمت تصفيتهم.

- أعرف أن العلق من وراء كل حياة، همهم فرانك لانج، ولكن ليس أي علق.

- ما أن يمتص العلق الدم، وينظف الجرح ننزعه، وبعد وقت قصير لا يتجاوز الساعة يندمل الجرح، فسّر الطبيب، العلاج الطبيعي للجريح هذا هو أحسنه.

- تريد القول العلاج البدائي، قالت أبولين دوفيل.

- إذا شئت، رد الطبيب، لكنه من أنجع الوسائل.

أطلقت الشقراء الفرنسية صرخة كتمتها بأصابعها على منظر العلق، وهو يزلق في الفم المفتوح لأحدهم.

- وللعلق حاسة سادسة كحواسنا، علّق الطبيب، هذا الجريح ينزف من داخله، لهذا السبب.

- لهذا السبب ماذا؟ استوضحت أبولين دوفيل.

- لهذا السبب يزلق من الفم، وربما يزلق من مكان آخر، ألقى الطبيب ضاحكًا.

سبقت ضابطة المخابرات الخارجية رجل التحري الخاص إلى مغادرة المكان، والطبيب يقول لفرانك لانج ردًا على سؤال ما إذا كانت الطريق إلى نهر عيشة:

- نعم، إنها الطريق إلى نهر عيشة.

- هل ما زلنا بعيدين؟

- ليس كثيرًا.

- شكرًا جزيلاً. هذا العلق الصغير شيء مدهش!

- ولكن حذار من العلق الكبير!

خف رجل التحري الخاص إلى الذهاب من وراء أبولين دوفيل، وأبولين دوفيل تواصل السير بسرعة دون أن تلتفت، وتقول:

- تجدهم الآن احتلوا القصر الرئاسي، وتوزعوا الذهب فيما بينهم.

- هذا ما فكرت فيه، همهم فرانك لانج. نحن بالنسبة لهم ميتان، وإلا كانوا قد جاءوا للبحث عنا.

- كيف يجيئون للبحث عنا ومن مصلحتهم أن نغيب عن الوجود؟

- لا تكوني سيئة الظن إلى هذه الدرجة.

- برهاني على ذلك أنهم لم يجيئوا في أثرنا، وهم هكذا سيضاعفون حصتهم.

- كل هذه السبائك وتريدينهم أن يضاعفوا حصتهم؟

- إنه لعالم جشع العالم فوق، يا عزيزي لانج، ليس فيه من العلق سوى كبيرِهِ.

- أنت أيضًا؟

- أنا أيضًا ماذا؟

- لا شيء.

إذا بهما أمام هرم من الأجهزة الإلكترونية، حاسوبات وشاشات وبوصلات وتلفونات، تلفونات لا تعد ولا تحصى. كان أولاد ينقلونها عبر نفق جانبي طويل مربوطة على ظهور كلاب سلوقية، أو في أفواهها، وهذه تعض عليها بالنواجذ كما لو كانت تعض على طريدة من طرائدها. نقلت أبولين دوفيل بين أصابعها هاتفًا محمولاً آخر موديل، وبعد أن قلّبته، وضعته في جيبها، وكذلك فعل فرانك لانج بحاسوب محمول صغير بصغر الكف. أخذ الأولاد يحضرون الأدوات الإلكترونية التي كانت في الإستافيت، والتي تعرفها ضابطة المخابرات جيدًا.

- انظر، صاحت أبولين دوفيل دَهِشَة.

- هذا صحيح، همهم فرانك لانج، إنها أدواتنا.

- لماذا تجيئون بها؟ سألت أبولين دوفيل أحد الأولاد.

لمتابعة قراءة الرواية اذهب الى الصفحة الخامسة / انقر التالي ادناه


 

- نحن لا نجيء بها، صحح الصبي، نحن نسرقها.

- لماذا تسرقونها؟

- سنبيعها بالقطعة.

- ولماذا تبيعونها بالقطعة؟ إنها تعمل تمامًا.

- بالقطعة نبيعها بضعف ثمنها.

- بسبب الثورة؟

- لا.

- إذن بسبب ماذا؟

- بسبب لا شيء.

أعطاهما ظهره، وراح يركض أمام كلبه، والكلب من العناء لا يستطيع اللحاق به.

مشيا حتى أنهكهما التعب، ترامت ضابطة المخابرات الخارجية على فراش من الطين، وراحت تعبث فيه بأصابعها. كان فرانك لانج يتأمل مفاتنها، ويقول لنفسه: تظل أبولين دوفيل ساحرة وهي نظيفة وهي قذرة. جلس قربها، وخلع حذاءه، وراح ينزع الطين عنه ليجعله خفيفًا، ثم لبسه. عندما انتهى، خلع حذاءها، وراح ينزع الطين عنه، وجعله خفيفًا كحذائه. ألبسها إياه، ونهض. أعطاها يده، وأوقفها. قال لها:

- نحن على وشك الوصول.

- وكيف عرفت؟

- أظن أنني سمعت صوت موج، إنه نهر عيشة.

أرهفت السمع، ولم تسمع شيئًا.

- للأذن وهمها تمامًا كالعين، همهمت أبولين دوفيل.

ابتسم فرانك لانج، وهمهم:

- لأول مرة أدرك كنه السراب.

سارا نصف ساعة، وإذا بهم أمام أكداس مكدسة من بقايا القذائف، فسألت أبولين دوفيل:

- منذ متى ونحن تحت؟

- لست أدري، أجاب فرانك لانج. يخيل إلي أن ذلك منذ وقت طويل.

- ليس بقدر كل هذا.

- بيادق الجيش من أعتى البيادق، ينفقون من القذائف في ساعة ما أنفقه الألمان خلال أيام في معركة فيردان.

- أليس كذلك؟ وصلهما صوت خشن من وراء أكداس القذائف، ما أنفقه الألمان خلال أيام في معركة فيردان؟

وظهر رجل دميم يحمل سلاحًا رشاشًا من وراء أكداس الصواريخ، يتبعه دميم مسلح ثان، فثالث، لما رأتهم أبولين دوفيل خفت لتحتمي برجل التحري الخاص.

- لم أشارك فيها معركة فيردان، رمى الرجل الدميم متهكمًا، وأنتما هل شاركتما فيها؟

- نهر عيشة، همهم فرانك لانج، ألسنا على مقربة من نهر عيشة؟

انفجر الرجال الثلاثة ضاحكين ببلاهة.

- يسأل إذا كنا على مقربة من نهر عيشة، غمغم الرجل الدميم متهكمًا من جديد. ومعركة فيردان؟

- سنترككم يا أصحاب، قال فرانك لانج، وهو يهم وأبولين دوفيل بالذهاب، فأوقفهما الرجلان الدميمان الآخران مهدديْنِ إياهما بسلاحيهما.

- ليس قبل أن نشارك كلنا في معركة فيردان، رمى الرجل الدميم بخشونة، وهو يرفع سترة الفرنسية الشقراء بفوهة سلاحه.

- نحن فرنسيان، سارعت ضابطة المخابرات الخارجية إلى القول، وهي تحاول منع رعشة في صوتها، ونحن هنا من أجل حريتكم، نحن هنا من أجل الحرية، الحرية بلا زيادة.

انفجر الرجلان الدميمان الآخران ضاحكان ببلاهة، والرجل الدميم الأول بقي عابسًا، وهو يحاول فتح سترة أبولين دوفيل من فوق ليرى صدرها، مهمهمًا كالغائب "الحرية بلا زيادة"، إلا أنها صاحت:

- هيه! أوقف هذا!

ودفعته.

أراد فرانك دوفيل الانقضاض على الرجل الدميم، فمنعه الدميمان الآخران، وهما يدفعانه بسلاحيهما إلى جدار القذائف المستعملة، بينما شج الأول رأس أبولين دوفيل بسلاحه، وأسقطها أرضًا. أخذ يمزق ثيابها، وهو يهمهم كالممسوس في عقله "الحرية بلا زيادة"، حتى عراها تمامًا، ورجل التحري الخاص تحت تهديد الدميمين الآخرين اللذين لم يتوقفا عن الضحك ببلاهة لم يكن بوسعه أن يفعل شيئًا. انهار، وفي خياله بدأت النيازك تتساقط، ثم لا تلبث أن تنطفئ. مد يده نحو السديم، وكأنه يطلب عون النجوم، بينما قفزت أبولين دوفيل في الطين محاولة الهرب، فانقض عليها الرجل الدميم من ظهرها، وثناها. جعلها تسقط على الأربع، وهو يلتصق بظهرها، ويجذبها من شعرها كمن يجذب فرسًا من ناصيتها.

- اصهلي! أخذ الطاغية يأمر، هيا اصهلي! وهو ينزرع في ظهرها، وفي الوقت ذاته يجذبها إليه. اصهلي! وراح يصهل. اصهلي! يلعن دين، اصهلي! وأخذ يضربها على وركيها. قلت اصهلي! وراح يصهل. اصهلي! اصهلي! يلعن دين، اصهلي! عندئذ راحت أبولين دوفيل تصهل. نعم، هكذا، اصهلي! اصهلي! اصهلي! يلعن دين، اصهلي! وراح يصهل، وراحت تصهل، وراحا يتناوبان الصهيل، وراحت الحوافر تطرق الرؤوس، رؤوس على مد النظر كالصخور، راحت تطرق الرؤوس، تخترق العيون، وتفجر الأدمغة، وتطرق الرؤوس، تبحث عن الأجساد دون أن تجدها، فتطرق الرؤوس، ويغدو العالم فضاء ممتدًا مليئًا برؤوس البشر، وتطرق الرؤوس، وتمزق الشفاه، تهرق الدماء من الأفواه، وتطرق الرؤوس، وتعود وتطرق الرؤوس، نعم، هكذا، اصهلي! فتصهل، ويصهل، والدميمان الآخران لا يتوقفان عن الضحك الهستيري، بينما كان فرانك لانج يطلق حشرجة طويلة تعني موت الروح. فرانك لانج الصلب العود القوي الشكيمة ابن النجوم لم يعد موجودًا على الرغم من كل ذلك الظل، ظل القمر الذي كان له، فالإنسان ليس خارجه، الإنسان داخله، الإنسان هو داخل الإنسان، وداخله ليس أحشاءه، داخله ليس غائطه، داخله روحه، والغائط هو كل هذا، الغائط هو أبولين دوفيل، الغائط هو الخيل، حوافر الخيل، الصهيل، الغائط هو الذهب، السراب، الحرية، الغائط هو الأنا، خطأ الوجود، الوجود. الغائط هو الوجود، خطأ الوجود، الأنا. الغائط هو الأنا. اصهلي، فتصهل، انبحي، فتنبح، انتحبي، فتنتحب. الغائط. هو. الأنا. الغائط خطأ الوجود. الوجود. الغائط صواب العدم. العدم. كان الكون قطرة غائط. قطرة غائط كالضوء ليست موجودة، كانت العدم، ثم انتفخت بقدر الكون، وتفجرت. الكون. العدم. الوجود. البداية. النهاية. القذارة. الخير. الشر. ومن جديد القذارة. الإنسان الحيوي هو القذارة. هو الدمامة. هو الصهيل. هو الموت. هو صهيل الموت الدائم.

قذفها المجرم بقدمه لما قضى غرضه، فراحت تتلوى كالدودة في الطين، وتطلق تأوهات من يحتضر. جمد صاحباه على منظره، كان له وجه أصفر لا حياة فيه، فكأنه خرج على التو من قبره. راح بهما ضربًا وشتمًا، وجعلهما يجثمان على الأرض، ويلحسان نعليه. قهقه عندئذ محبورًا، وقال جاء دوركما. انقض ثلاثتهم على فرانك لانج، وعرياه. جذباه إلى مكان من بقايا القذائف يصل حتى خاصرته، ولعقه واحد، بينما الثاني انحنى، وجعله يدخل فيه. ذرف رجل التحري الخاص الدمع كامرأة، وهو يواصل اختراق الخسيس، وهذا يصرخ من اللذة. لكنه سقط في الصمت فجأة، كان الجنرال وحيد القرن قد أرداه قتيلاً، بعد أن صرع المغتصب لأبولين دوفيل، وولى الثالث الأدبار. وظل فرانك لانج يواصل اختراق الوغد، وهو يعرف أنه مات. ركبه مس من جنون، فراح يصرخ، وهو فيه، ويضرب رأسه في القذائف المستعملة، والدم يتفجر من فم الخسيس. ولما قذف كل كيانه، تركه يتساقط كقذارة كانها الإنسان مذ كان الإنسان.

القسم السادس

رفعت غادة عجيلي أبولين دوفيل من الطين، وساعدتها على ارتداء ثيابها. بقي الكولونيل عابدين صامتًا، والجنرال وحيد القرن يساعد فرانك لانج على ارتداء ثيابه. كان الملحق العسكري التركي ينظر إلى جثتي القتيلين، وهو يفكر أن هذا العالم لا يمكن تغييره، هذا العالم يجب تفجيره بقنبلة ذرية تودي بالأخضر واليابس، فتزول البشرية، وتكون بذلك راحة لنا. تقدم، وبقدمه قلب الميتين على ظهرهما، فظهر وجهان لا أكثر منهما دمامة، فالموت يضاعف القبح، لكنه لا يضاعف الكره، وعند ذلك، تبدأ سلسلة من الأفكار في رأس الإنسان الحيوي تعطل عليه الاستفادة من الوجود، وتجعله يقحم نفسه في متاهات الأخلاق.

- صحيح، همهم الكولونيل عابدين، كل هذه الخسة نالت ما استحقت، وأنا لو كان بيدي لفعلت أكثر، لأنهيت على العالم، لأن كل واحد منا موضوع للخسة.

- هل هذا لأن فرانك لانج انتقم من غريمه على طريقته؟ سأل الجنرال وحيد القرن.

- فرانك لانج لم ينتقم، عاد الكولونيل عابدين إلى الهمهمة، فرانك لانج مارس العنف الجنسي كما مارسه هذا الوغد على أبولين دوفيل.

- لقد حصلت على متعتي، همهم رجل التحري الخاص.

- ليس أنا، همهت أبولين دوفيل، بل وللحق أقول حصلت على بعض متعتي.

- البربرية تظل إنسانية، همهمت غادة عجيلي.

- ليس هذا ما أود الوصول إليه، قال الكولونيل عابدين. لقد وقعت جريمة، والصدفة فقط من جعلت من هذا القاتل ومن ذاك الضحية، إذ كل واحد منا مؤهل ليكون هذا أو ذاك، وبناء على ذلك أقترح أن نحمل الجثتين، ونذهب إلى أقرب مركز للشرطة. القانون وحده ما يبت في الأمر، وعلى هذا الأساس وحده يمكننا أن نقطع باقي العمر مرتاحي الضمير.

- كل الذين قتلت دون قانون يردعك، وتريد الآن أن تلجأ إلى القانون، لأن جرذين كهذين الخسيسين قتلتُهما دفاعًا عن النفس؟ سأل الجنرال وحيد القرن.

- ليس دفاعًا عن النفس، نفى الكولونيل عابدين.

- دفاعًا عن الشيطان، نبر الجنرال وحيد القرن، دفاعًا عن أي شيء، أنت لا تنكر أنني قتلتهما دفاعًا عن رفيقينا.

- لم يكن فرانك لانج في موقف يوجب الدفاع عنه، ألقى الكولونيل عابدين.

- هذا صحيح، همهمت غادة عجيلي.

- هذا صحيح، همهمت أبولين دوفيل.

- حتى أنتِ كابتن دوفيل! عاتب فرانك لانج بمرارة.

- لكنني لست مع أن نذهب إلى أقرب مركز للشرطة، قالت ضابطة المخابرات الخارجية. الحرب هي قانونها، تحت أم فوق لا مكان إلا لهذا، وهذا ما كان.

- تسمين هذا حربًا؟ قال الملحق العسكري التركي، حتى حرب أهلية ليست هي، وما الأمر سوى صراع حول السلطة بين قوتين بشريتين إحداهما استبدادية والأخرى تمردية تطور من سلمي من طرف إلى استعمال العنف من طرفين. هل تنسين لماذا أنت هنا كابتن دوفيل؟ نحن هنا من أجل مليار دولار ذهب لكل واحد منا نستولي عليه ثم نعود إلى ديارنا.

- لنكمل مهمتنا، همهم فرانك لانج، ثم سنفكر في أمر هاتين الجثتين.

- بل في أمرك فرانك لانج، وفي أمر الجنرال وحيد القرن، قال الكولونيل عابدين بنبرة حاسمة. ضميركما لن يسمح لكما بنكران ما حصل، ولا فكركما، فأين الخير؟ وأين الشر؟ ولنحكم، أين المعايير؟

- لن نفكر في أمر أحد، قالت أبولين دوفيل، لقد دفعت وحدي ثمن خسة الآخرين، وما دفعته كاف ليبرئ حتى يهوذا.

- لنخرج من هنا، طلب الجنرال وحيد القرن لكن أحدًا لم يتحرك من مكانه. سأخرج وحدي إذن، لكنه لم يتحرك من مكانه.

- كنت أظن أنني بالعلم أستطيع إصلاح العالم، همهمت غادة عجيلي، لهذا أردت شراء هارفارد، أكسفورد، أو السوربون.

- كنت أعتقد أنني بالرأفة أستطيع إصلاح الأخلاق، همهمت أبولين دوفيل، لكن التعهر بالنسبة للبشر مادة ترف.

- كنت أرى في ملء المعدة والأمعاء إصلاح الوجود، همهم الجنرال وحيد القرن، إلا أن هؤلاء البشر كل ذهب العالم لا يكفي جوعهم.

- كنت أحلم بالقوة كوسيلة لاستتباب السلم، همهم الكولونيل عابدين، فإذا بالسلم شيء مستحيل في كل مكان على الأرض، وليس فقط في سوريا.

- نحن نحلم أكثر مما نفكر، همهم فرانك لانج.

عاد الرجل الدميم الثالث الذي هرب منذ قليل على أصابع قدميه من وراء جدار القذائف المستعملة، وهو يشهر سلاحه، وأطلق مرديًا غادة عجيلي قتيلة، ثم ولى الأدبار. لحق به الكولونيل عابدين، وقتله، وبعد ذلك جاء يقول مطأطئ الرأس:

- كان عليّ أن أقتله.

همهمت أبولين دوفيل، وهي تبكي، وتهز غادة عجيلي في حضنها كمن تهز طفلتها:

- كل ذهب العالم لا يعادل شعرة واحدة من شعرات هذه السورية!

عاد الكولونيل عابدين إلى القول:

- كان عليّ أن أقتله.

- لو لم تقتله أنت لقتلته أنا، قال فرانك لانج.

- كان عليّ أن أقتله، قال الكولونيل عابدين للمرة الثالثة.

- ليس القانون وحده ما يبت في الأمر، همهم فرانك لانج.

- تريد القول هناك قانون الغير وهناك قانون النفس، همهم الملحق العسكري التركي، وأنا كنت قانون نفسي، لهذا قتلت.

سار الجنرال وحيد القرن باتجاه المخرج المؤدي إلى نهر عيشة، تبعه الكولونيل عابدين، فرجل التحري الخاص. قبّلت أبولين دوفيل غادة عجيلي من ثغرها، وتركتها تضطجع في الطين، والتحقت بالآخرين.

لم يكن نهر عيشة نهرًا ككل الأنهار، كان عبارة عن طبقة حصى قطعوها تحت سماء ملبدة بالغيوم إلى كفر سوسة. وفي كفر سوسة لم يكن هناك أي أثر لقتال، وكأن المنطقة جناح طائر مقطوع عن دمشق. مضوا بجنازة كلب، ونساء بورجوازيات في ثياب الحداد على عيونهن نظارات سوداء ضخمة يرشقن النعش بتويجات الفل. كان عازف ناي يعزف لحنًا حزينًا، والنعال تتمايل على الإيقاع، وهي في كامل سعادتها. على باب مكتبة، وقف كاتب مقدسي كان مريضًا بالطاغية، فبَصَقَ البراق عليه ليبرأ حتى أغرقه بالبَصْق. عندما نظروا إلى ما في المكتبة من كتب في امتداح الطاغية: الطول العرض الجمال، أخذ الدمع يسيل من بين سطورها كالأنهار. لكن صيحات وصلتهم على حين غِرة، فالتفتوا ليروا جمعًا من الجنود الشبان، وهم يهتفون: بالدم بالروح نفديك يا جبار! بقوة وصدق وحمية، وهم يقفزون، دون أن ينتبهوا إلى صور الطاغية تحت أحذيتهم. ولتعبّر موظفات السفارة الصينية عن شرفهن وبراءتهن وإخلاصهن، بقرن بطونهن، بينما ألقت موظفات السفارة الروسية بأنفسهن من النوافذ.

تركوا كفر سوسة إلى مجمع كلية الطب والآداب، ووجدوه ركامًا على ركام. وهم في طريقهم إلى حديقة تشرين، كان المنشقون يقاتلون في شارع عدنان المالكي، فعملوا على تجنبهم. كانت فرقتهم تقاتل في شارع إبراهيم هنانو إلى جانب مجموعة من مقاتلي الظل خرجت من ظلال موت كان موت دمشق نفسها، موت دام عشرات الأعوام، فالتحقوا بالرجال، وقادهم فرانك لانج، والناس يصفقون للأبطال ويهتفون بحياتهم، حتى القصر الرئاسي في حي المهاجرين. لم تكن المعركة سهلة مع الحرس الجمهوري إلا أن مقاتلي الذهب الأربعة تمكنوا في الأخير من اختراق القصر.

وجدوا القصر الرئاسي خاليًا، لا أحد فيه غير موظف ربما كان واحدًا من رجال البروتوكول لبدلته السوداء اللماعة وعقدته الفراشية السوداء اللماعة وحذائه الأسود اللماع، كان يريد الموت على سور القصر لا لشيء، وإنما لإسْمَنْتِهِ السميك. بحثوا عن الذهب في كل مكان، وأول ما بحثوا في الحجرة المحصنة تحت الأرض، فلم يجدوه.

- وأنا على كل حال لم أعد أريده، ذهب الموت هذا، همهمت أبولين دوفيل.

- ولا أنا، لم أعد أريده، همهم فرانك لانج.

- ولا أنا، همهم الكولونيل عابدين.

- أما أنا، فأريده، آه كم أريده، صرخ الجنرال وحيد القرن. وفجأة: بحثنا في كل مكان ما عدا...

وذهب يركض إلى الحديقة التي أول ما حط القدم فيها، وجد زرافة جميلة، تقضم الورق من قمم الأشجار، بكل ليونة الكون، وتبتسم بنعومة. جاءوا من ورائه، وابتسموا لابتسامة الزرافة. اقتربت منها أبولين دوفيل، فنزلت الزرافة برأسها حتى خد الشقراء الفرنسية، ورضبته بلسانها.

- هناك، صاح الجنرال وحيد القرن، وهو يشير إلى باب ضخم في أقصى الحديقة.

راح يركض، وفتحه، فإذا به مسدود بالإسمنت. احتاروا في أمرهم، فعضلاتهم لن تنفع، ولا الرصاص. وهم ينظرون من حولهم إذا بقذيفة تنفجر في المكان الذي كانت فيه الزرافة، وتمزقها. رأوا رأسها معلقًا على رأس شجرة، وساقاها على رأس شجرة أخرى، وجسدها متناثرًا على الزهور والرياحين. كان ثلاثة أو أربعة من حرس القصر الرئاسي هم من فعلوا هذا بمدفعهم المتترسين به فوق السور، وكانوا على وشك إرسال قذيفة ثانية، فكلمهم الجنرال السوري. اتفق معهم على اقتسام سبائك الذهب إذا هم فتحوا الباب المسدود بضربة من مدفعهم. وكان أن فعلوا، وفي الداخل كان الذهب بالأطنان، أكثر من مائة طن، مائتان، وربما ثلاثة. صرخ الجنرال وحيد القرن من الفرح والذهول، وحمل سبيكة، وعضها، وأخذ يعوي، ثم عاد يصرخ حتى بح صوته، وشيئًا فشيئًا أدرك أن لا أحد يصرخ سواه. ابتلعه الصمت كالآخرين، وطأطأ رأسه. وضع السبيكة في جرابه، وغادر المكان معهم، وكل الحزن في العالم يثقل هامته. رأوا كيف راحت تلك الكائنات الغريبة تتوارد وأولئك المسلحون المشوهون والجرحى الزاحفون بعلقهم والسارقون الصغار للأجهزة الإلكترونية، وكيف حملوا سبائك الذهب، وفي لمح البصر اختفوا. وصل رئيس المنشقين، فأخذ الأربعة بالأحضان واحدًا واحدًا. علق الأوسمة على صدورهم، وخرج بهم إلى الجماهير التي زحفت لتحيي الأبطال، وتحتفي بالانتصار. خلعت المحجبات أحجبتهن احتفاء بالقضاء على النظام القديم، وطارت الحمائم، لكن الغيوم في سماء دمشق لم تنقشع، والشمس في أزقتها لم تدخل. حكمت الثورة على الحرية بالسجن المؤبد، فأعادت المحجبات أحجبتهن، ورأين العالم من تحتها كفردوسٍ شمسُهُ لا تغيب.

باريس الاثنين 2012.07.23

أعمال أفنان القاسم

المجموعات القصصية

1) الأعشاش المهدومة 1969

2) الذئاب والزيتون 1974

3) الاغتراب 1976

4) حلمحقيقي 1981

5) كتب وأسفار 1988

6) الخيول حزينة دومًا 1995

الأعمال الروائية

7) الكناري 1967

8) القمر الهاتك 1969

9) اسكندر الجفناوي 1970

10) العجوز 1971

11) النقيض 1972

12) الباشا 1973

13) الشوارع 1974

14) المسار 1975

15) العصافير لا تموت من الجليد 1978

16) مدام حرب 1979

17) تراجيديات 1987

18) موسى وجولييت 1990

19) أربعون يومًا بانتظار الرئيس 1991

20) لؤلؤة الاسكندرية 1993

21) شارع الغاردنز 1994

22) باريس 1994

23) مدام ميرابيل 1995

24) الحياة والمغامرات الغريبة لجون روبنسون 1995

25) أبو بكر الآشي 1996

26) ماري تذهب إلى حي بيلفيل 1999

27) بيروت تل أبيب 2000

28) بستان الشلالات 2001

29) فندق شارون 2003

30) عساكر 2003

31) وصول غودو 2010

32) الشيخ والحاسوب 2011

33) تراجيديا النعامة 2011

34) ستوكهولم 2012

35) شيطان طرابلس 2012

36) زرافة دمشق 2012

37) البحث عن أبولين دوفيل 2012

38) قصر رغدان 2012

الأعمال المسرحية النثرية

39) مأساة الثريا 1976

40) سقوط جوبتر 1977

41) ابنة روما 1978

الأعمال الشعرية

42) أنفاس (مجموعة قصائد أولى – ثلاثة أجزاء) 1966

43) العاصيات (مسرحية شعرية) 1967

44) المواطئ المحرمة (مسرحية شعرية) 1968

45) فلسطين الشر (مسرحية شعرية) 2001

46) الأخرق (مسرحية شعرية) 2002

47) غرافيتي (مجموعة قصائد فرنسية) 2009

48) غرب (ملحمة فرنسية) 2010

49) البرابرة (مجموعة قصائد أخيرة) 2008 – 2010

الدراسات

50) البنية الروائية لمصير الشعب الفلسطيني عند غسان كنفاني 1975

51) البطل السلبي في القصة العربية المعاصرة عبد الرحمن مجيد الربيعي نموذجًا (جزءان) 1983

52) موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح 1984

53) البنية الشعرية والبنية الملحمية عند محمود درويش 1984

54) نصوص خاضعة للبنيوية 1985 – 1995

55) دفاعًا عن الشعب الفلسطيني 2004

56) خطتي للسلام 2004

57) شعراء الانحطاط الجميل 2007 – 2008

58) نحو مؤتمر بال فلسطيني وحوارات مع أفنان القاسم 2009

59) حوارات بالقوة أو بالفعل 2007 – 2010

60) الله وليس القرآن 2008 - 2012

61) نافذة على الحدث 2008 - 2012

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

زرافة دمشق رواية الثورة السورية، تم نسج حبكتها اعتمادًا من الكاتب على عنصر من عناصر الوهم لا علاقة له بالثورة لا من قريب ولا من بعيد، فالذهب الذي يذهب بطلا أفنان القاسم التيميّان فرانك لانج وأبولين دوفيل وصحبهما إلى دمشق من أجله، ألزمهم خوض معارك تحرير البلاد مدينة مدينة من الحدود التركية إلى قصر المهاجرين، وفي الطريق يبرز كل البؤس الإنساني عبر تضحيات السوريين وتواطؤ بعضهم وتَيْهَان البعض الآخر.

يركز أفنان القاسم في هذه الرواية على عبث الوجود، فأي معنى للثورة، وسماء دمشق في الصيف غائمة، وليس هناك من فرق كبير بين الضحية والجلاد؟ "أنا قانون نفسي"، تقول إحدى الشخصيات، لكن هذا القول لا يبرر جسامة الفعل الذي لولاه لما كانت الحرية، فما العمل إذن والحرية نفسها مهددة بمن يجيء بها؟

ما يراهن عليه النص شيء آخر، شيء يبقى في دائرة المحتمل، فكل الرواية تدور وقائعها في هذه الدائرة، وكل وقائع الرواية هي وقائع محتملة، ليس لأن الثورة خلال كتابة هذه الرواية لم تتحقق، وليس لأن الكاتب يخشى أن يعارض قدر السوريين، ولكن لأنه يريد للسوريين قدرًا مغايرًا.

* أفنان القاسم من مواليد يافا 1944 عائلته من برقة قضاء نابلس له أكثر من ستين عملاً بين رواية ومجموعة قصصية ومسرحية ومجموعة شعرية ودراسة أدبية أو سياسية تم نشر معظمها في عواصم العالم العربي وتُرجم منها اثنان وثلاثون كتابًا إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والروسية والعبرية، دكتور دولة ودكتور حلقة ثالثة من جامعة السوربون ودكتور فخري من جامعة برلين، أستاذ متقاعد عمل سابقًا في جامعة السوربون ومعهد العلوم السياسية في باريس والمدرسة المركزية الفرنسية وجامعة مراكش وجامعة الزيتونة في عمان والجامعة الأردنية، تُدرّس بعض أعماله في إفريقيا السوداء وفي الكيبيك وفي إسبانيا وفي فرنسا...

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.