كـتـاب ألموقع
حول الزبائنية والإقطاع السياسي في منظومة حكم الطائفية السياسية في العراق// علاء اللامي
- المجموعة: علاء اللامي
- تم إنشاءه بتاريخ الأحد, 23 تشرين2/نوفمبر 2025 12:13
- كتب بواسطة: علاء اللامي
- الزيارات: 682
علاء اللامي
حول الزبائنية والإقطاع السياسي
في منظومة حكم الطائفية السياسية في العراق
علاء اللامي*
الزبائنية (Clientelism) في خدمة الطائفية السياسية والفساد الممنهَج في العراق: الزبائنية هي نظام سياسي واجتماعي قائم على علاقات غير متكافئة بين فاعلين سياسيين نافذين، أحزابا أو أفراد يكونون الطرف الأول من المعادلة يدعى "الراعي - الكفيل – الظهير- مقدِم الخدمات والمنافع" (Patron)، والطرف الثاني هم مجموعات من المواطنين المحتاجين إلى تلك المنافع والخدمات مقابل تقديم الولاء والتأييد السياسي وهم هنا الزبائن (Clients) لكي نفهم الزبائنية - الزبونية- في العراق لنأخذ هذا المثال:
يعرض الحزب الطائفي (أو الإثني) الفلاني أو المرشح الطائفي الفرد العلاني وعودا بتقديم وظائف وامتيازات ومخصصات ورتب عسكرية ومناصب حكومية لمجموعة من المواطنين فيربطهم بمصيره السياسي طالما استمر بوفائه لتلك الوعود. المواطنون الزبائن يقدمون لراعيهم مقابل ذلك ولاءهم وأصواتهم الانتخابية وترويجهم له ودفاعهم عنه حقا وباطلا.
الزبائنية إذن هي نظام اجتماعي وسياسي قائم على المحسوبية. وهذا النظام مسكوت عنه في بعض الدول كالعراق، وفي دول أخرى يعتبر غير مشروع ويعاقب القانون في أغلب دول العالم ذات الأنظمة الانتخابية التعددية. ففي الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا يعاقب القانون السياسيين والأحزاب على شراء الدعم مقابل المنافع سواء كان عن طريق نقل السلع مباشرة أو توفير فرص عمل مقابل التأييد.
ورغم الاختلاف بين علماء السياسة في تعريف هذا المصطلح، ولكنه غالباً ما يستخدم في إطار سلبي وازدرائي. الزبائنية هي قرينة ومنتوج أنظمة الفساد وسلعتها الأكثر روجا فحيثما تسود الزبائنية ينتشر الفساد المالي والإداري والسياسي والأخلاقي في مؤسسات الدولة والمجتمع. وهناك باحثون في علم الاجتماع الانتخابي يؤكدون على العلاقة بين تعمد نشر الفساد ونقص الخدمات ليبقى الجمهور محتاجا دائما لتدخل النائب البرلماني والذي هو بمثابة الراعي الذي يقدم الخدمات مقابل الولاء!
في العراق بلغت الزبائنية درجة غير معروفة في العالم حيث تحولت مكاتب النواب ومقرات الأحزاب إلى أسواق لعرض الخدمات والوظائف والأموال للأشخاص المؤثرين كشيوخ العشائر ورجال الدين الذين أصبحت لبعضهم مؤسسات اقتصادية ضخمة لا تملك الدولة مثلها أحيانا وتدر عليهم أرباحا هائلة ولا يدفعون عنها حتى ضرائب. وتحول بعض النواب والنائبات إلى أشبه بمعقبي عرائض ومعاملات ووظفوا معهم كادرا إداريا وقانونيا للقيام بهذا العمل باسم خدمة القاعدة الناخبة زورا!
تأريخيا، يعود أصل هذه الممارسة إلى روما القديمة، حيث يعتبر تفهم العلاقة بين الراعي والزبون عنصرا حاسما في فهم العملية السياسية في ذلك الزمن، حيث توجد منافع متبادلة، ولكنها هرمية وغير متكافئة. يمكننا تعريف نظام الزبائنية بأنه ترتيب أو تفاهم متبادل بين شخص (راعي) لديه السلطة والمال، وعميل (زبون) أدنى منه ويستفيد من نفوذه وتأثيره، حيث يوفر الراعي سلعاً وفرصاً مختلفة، ويضع نفسه في المناصب التي تمكنه من تحويل الموارد والخدمات لصالحه، بينما مهمة عملاء هذا الراعي هي شراء التأييد لهن وفي بعض الحالات يشترون له الأصوات الانتخابية.
المفتاح لفهم الزبائنية لا يأتي بمجرد الإشارة إلى المنفعة المتبادلة، بل وبالتأكيد - كذلك - على انعدام التماثل والتكافؤ في السلطة والمواقف بين الرعاة والعملاء. فالرعاة يعتمدون على تبعية وخضوع زبائنهم مقابل بعض الفوائد لاستمرار الدعم السياسي. ولذلك فمن مصلحة الراعي وهو هنا نائب أو وزير أو رئيس أو زعيم حزب او مليشيا متنفذ...إلخ في النظام الزبائني بقاء الفساد ونقص الخدمات وتجهيل الشعب لتروج بضاعته ليتكاثر عليه الزبائن المختنقين تحت وطأة الاقتصاد الريعي والنهب المنهجي للثروات. ولتوضيح وتبسيط الصورة بشكل قد يبدو مخلّا بالمضمون يمكن أن نقول إن النائب أو النائبة في النظام الزبائني تشبه من الناحية التطبيقية الكادحات الريفيات بائعات مشتقات الألبان، ولكن بدلا من الروبة "اللبن الرائب" والقيمر نجد عند النائبة والوزير وأقارب الوزير والرئيس جداول بالوظائف ومقاولات مشاريع دسمة ورُخَص استيراد ...إلخ! مع الاعتذار لبائعات القيمر لأنهن كادحات شريفات ولا تجوز مقارنتهن بمَن ينهبن وينهبون ثروات شعبهم بلا خجل أو وازعٍ من خُلق أو ضمير!
*ولكن ما المقصود بالإقطاع السياسي في نظام حكم الطائفية السياسية الزبائنية في العراق وما الفرق بيه وبين الإقطاع التقليدي الزراعي؟ أستعملُ في كتاباتي أحيانا مصطلح "الإقطاع السياسي" (féodalisme politique) وربما أساء بعض الأصدقاء والصديقات فهمها واعتبروا أنني أقصد الإقطاع العادي أو التاريخي أو الزراعي (traditional agricultural feudalism) لأن عبارة "الإقطاع السياسي" غير مألوفة في الكتابة السياسية. الأسطر أدناه للتعريف بالإقطاع السياسي وما الفرق بينه وبين الإقطاع العادي.
ويعرَّف "الإقطاع" عموما بأنه مفهوم اقتصادي اجتماعي سياسي، انتشر في أوروبا في القرون الوسطى (أما آسيا فلها وضعها الخاص ولم تشهد الظاهرة الإقطاعية إلا في اليابان وقد سادها نمط اقتصادي اجتماعي آخر سماه ماركس "نمط الإنتاج الآسيوي" بسبب غياب ملكية الأرض الصرفة للأفراد غالبا مع بعض الاستثناءات في العهد العثماني، وذلك بسبب بقاء ملكية رقبة الأرض للدولة، وفق المفهوم الإسلامي الذي يقول بأن ملكية الأرض لله والفرد مستثمر لها فإن توقف عن استثمارها فقدها".
ويرتكز الإقطاع الأوروبي على ثلاثة أسس: قطعة أرض، ومالك الأرض، والفلاح الأجير أو المملوك. والإقطاعي هنا يملك الأرض والعاملين عليها، وليس لهم إلا بعض الطعام ومكان للمبيت في أفضل الحالات، ويجني الإقطاعي العائد كاملأ، بينما يكدح الفلاح ليبقى هو وأسرته على قيد الحياة.
الإقطاع السياسي هو تعبير مجازي "تشبيهي" يقصد به نظام سياسي واقتصادي حديث يُقارن بالإقطاع التاريخي من حيث الشكل والآليات، حيث تتوزع السلطة والثروة وفي مرحلة ليست إقطاعية اجتماعيا واقتصاديا بين أمراء الحرب أو الزعماء السياسيين أو الطوائف والقبائل الذين يمارسون سلطة شبه مستقلة في مناطق نفوذهم، بدلاً من وجود سلطة مركزية قوية. ففي أربيل ودهوك تجد سلطة إمارة آل برزاني وفي السليمانية تجد إمارة الطالبانيين وفي جنوب العراق تسود هيمنة الأحزاب والمليشيات الشيعية وفي المنطقة الغربية والشمالية يسيطر زعماء العشائر والمقاولين محدثي النعمة من العرب السنة.
يختلف مفهوم الإقطاع السياسي الحديث عن الإقطاع الزراعي التاريخي في أوروبا وبعض أجزاء آسيا، حيث لا تعتمد السلطة هنا على امتلاك الأراضي بالضرورة، بل على الولاءات القائمة على أسس عائلية أو حزبيّة أو طائفية كما تتمظهر في العلاقة الزبائنية بين الجمهور الانتخابي وعامة الشعب والإقطاعي السياسي العميل غالبا لقوة أجنبية تحميه وتحمي نظامه. وهذا ما يضعف الدولة المركزية ويجعلها مسخ دولة أو مشروع دويلات فاسدة قائمة على النهب والنفاق والفساد الشامل.
وفي دول ومجتمعات يحكمها الإقطاع السياسي والنظام الزبائني لا يمكن أن يقوم أي شكل من أشكال الحكم الديموقراطي الحقيقي والمتمثل بحكومة ومعارضة وقضاء مستقل وحقوق إنسان مصونة بل يلجأ الإقطاعيون السياسيون إلى عملية انتخابية ترتكز على التزوير واقتسام المقاعد مسبقا بالحيلة ثم بالحكم التوافقي الذي يجب أن تشارك فيه جميع الأحزاب والقوى الإقطاعية السياسية لتنظيم عملية النهب والسرقة والاختلاس بينهم. وهكذا، لا يمكن حرمان طرف من الأطراف من الحكم اللصوصي لتتحول عملية الانتخابات السياسية إلى نوع من تنظيم القوى داخل كل مكون على حدة وتوزيع الغنائم والمنهوبات وما يتفضل به الحامي الأجنبي – وهو الأميركي في الحالة العراقية ويقابل الملك أو السلطان أو الرئيس في عهد الإقطاع التقليدي الزراعي الذي يوزع ويهب الإقطاعيات - من الريع النفطي أو الغازي ...إلخ.
هناك نوع آخر وجديد من الإقطاع هو "الإقطاع التكنولوجي" وقد ابتكر هذا المصطلح ونظَّر له الماركسي اليوناني يانيس فاروفاكيس في كتابه الذي يحمل هذا الاسم والصادر سنة 1923، يعالج فيه ما يسميه "الرأسمالية السحابية". والإقطاعيون التكنولوجيون الجدد هم طبقة من الأثرياء الجدد تجلس على خوادم (سيرفرات) عملاقة. ويصف فاروفاكيس هذه البنية التحتية الرقمية بأنها "رأس مال سحابي" يولد قيمة من السيطرة على سلوك المستخدمين والبيانات، وليس فقط من الإنتاج المادي. وهذا موضوع آخر ومختلف نأمل ان نتوقف عنده مستقبلا.
*كاتب عراقي
المتواجون الان
569 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع


