وفي مداخلة د. بطرس دلة ووجدانيّات الشاعرة الروائيّة هيام قبلان في رائحة الزمن العاري قال:

هذه الرّواية محاولةٌ أولى مِن نوعِها تكتبها الشاعرة والأديبة هيام مصطفى قبلان، فتفاجئُنا بروعةِ الأداء، وبلغةٍ شاعريّةٍ تليق بها كشاعرة مرهفة الحسّ، انّها جريئة تدافعُ فيها عن حقّ المرأة في الحياة، حياةِ الحريّة في مجتمع ذكوريّ يغتالُ الأنوثة دون أن ترمشَ له عين، فيغصبُها والدُها المتجبّرُ بالزواج مِن ابن عمّها الذي لا تحبّه، حيث الوالد يلجأ إلى العنفِ الجسديّ لترضى بقرارِهِ الجائر، فيحطّمُ كبرياءَها وأنوثتها، وتحاولُ جاهدةً شرعنةً حقّها في العيش مرّتيْن، أي العيش مِن جديدٍ وبحريّةٍ مع مَن اختارَهُ قلبُها.

هذا المجتمعُ الذي يدوس المرأة بقدميْه، عليها أن تدوسَ قلبَها وأن ترضى بابن عمّها حسبَ التقاليد البالية، فحبيبُ القلب الذي غابَ عن القرية سنواتٍ عديدة، وعاشت ذكرياتِ الشّباب وذكراها عندما كان زوجُها ابن عمها يحتلُّ جسدَها، بينما روحها تطيرُ وتحلّق في فضاءٍ آخرَ لتصلَ إلى "نبيل" حبيبها، ها هو الآن يظهرُ مِن جديدٍ، تلتقي بهِ في مكتبةِ القرية، وقد خطّ الشّيبُ رأسَهُ وبدَتْ بعضُ التّجاعيدِ في محيّاه، فهل الحبيبُ ليعيشَ معها حلمَها مِن جديد الذي كانت تحلم به منذ سنوات؟
نثرًا أم شِعرًا:

الأرض والوطن السّليبُ هما رمزُ لعذريّةِ بطلة الرّواية "هزار"، فاختارت المؤلّفة حادثًا أوْدى بحياةِ الزوج "كريم"، لتنطلقَ الزوجة الأرملة سابحةً بأحلامِها، تعيشُ ذكرياتِ حبِّ صباها مع البطل نبيل، لكن مِن جهةٍ أخرى يقفُ أمامَ حرّيّتها مانعان: الأخ " نزار" الذي ورث عن أبيهِ عصبيّته وعنجهيّتَهُ وعنفوانَهُ وأفكارَهُ الرّجعيّة بالنّسبةِ لحرّيّةِ الأخت، ومعهُ يقفُ المجتمع الذكوريّ، الذي لا يرحمُ الأرملة ويُحصي خطواتِها وكافة حركاتِها. كذلك الأخت "دلال" تنتحرُ بسبب الضغوطِ العائليّةِ والمجتمعيّةِ، وهنا تعيشُ البطلة تمزّقًا داخليًّا وصراعًا مريرًا، فتصرّحُ في رثاءِ أختِها مِن خلال موقفِها مِنَ المجتمع في مقطعٍ وجدانيّ هو أقربُ إلى الشّعر منهُ إلى النثر ص 20:

"لم أطلق صرختي أمامهم، ولم اقترب من جثمانك الغافي في ملكوت سكونه، لكني عايشت انين افنفاسك القاتل بدمع صامت، وانت تودعيت نور الشمس وغبار الثريا، ومقعدا هزازا كانت جدتي قد تركته في متحف الحديقة، عند احواض الحبق لفظت زفراتك الاخيرة وعطرَ انفاسك، ودون استئذان من توسلاتي اسلمت صرّة الروح لقراصنة الرحيل، رحيلك يا توام الروح باغتني حين حل فجاة في غفلة من توقعي!

بعد الاعتداء على الشرف:

 بطلة الرّواية بحادثِ اعتداءٍ مِن قِبل الجنائنيّ الذي استدعَته ليعمل في حديقةِ المنزل، ولمّا كانت تستحمّ فتحَ بابَ الحمّام عليها فجأةً، وهاجمَها بقوّتِهِ وبعضلاته المفتولة، لم تستطعْ و"ما أنقذَها منه سوى يدُ ابنةِ الجيران، حين امتدّت تقرعُ ٱلبابَ بطفوليّة هاتفة ص 24: "خالتي "هزار".. أريد أن أستلفَ قليلاً من الطّحين! ولاذ الجنائنيّ بالفرار" . في هذه اللحظاتِ القاسيةِ وبعدَ أن نجحتْ بمنعِهِ مِن أن ينالَ مبتغاهُ منها، كانت تفكّر بالحبيب "نبيل" الذي هاجرَ إلى الخارج بعدَ زواجها مِن كريم، فهل ستتصرّفُ معه كما الآن مع الجنائنيّ؟ 
في مجتمعِنا العربيّ اليوم تُقتلُ الفتاة التي تخطىءُ وتبيعُ شرفَها في نزوةٍ عابرة، فهل كانَ أجدادُنا أكثرَ وعيًا وأبرعَ حنكة؟ في القديم كانوا يعالجونَ موضوعَ الحفاظِ على الشّرفِ بفِكرٍ منفتحٍ أكثر ممّا نعالجُهُ نحن اليوم، فقد كان شيخ القبيلة أو أيُّ رجلٍ كريم يكتبُ كتابُهُ على مَن ترتكبُ مثلَ هذه الخطيئة إلى أن يُزوّجَها مِن أحدِ أفرادِ القبيلة، لكن في الوقتِ نفسِهِ لا يجامعُها، لأنّ زواجَهُ منها يكونُ لحمايتِها مِن نقمةِ الأهلِ والقبيلة، وقد يكتفي الشيخُ بأخذِها إلى بيتِهِ دون كتابِهِ عليها، ويتحايلُ على تزويجِها مِن أيِّ رجلٍ في القبيلة.

أمّا القتل كحجّةِ الدّفاع عن شرفِ العائلة فلم يكن واردًا بالحسبان، فهل يتعلّمُ مجتمعُنا حكمة الشيوخ هذه؟ ولو عدنا إلى علاقةِ هزار بنبيل لوجدنا أنّ هزار لم تسمحْ لنبيل أن يلامسَها، مع أنّهُ احتضنَ يدَها ولامسَ شعرّها، إلاّ أنّها لمّا مرّت بتلك التجربةِ القاسيةِ مع الجنائنيّ فقد امتنعت عن الاتصال بنبيل جسدًا، لأنّها كانت تخافُ مِن تكرارِ أزمةِ الاغتصاب وما ترَكته مِن أثرٍ في نفسِها، وتخافُ مِن عودةِ ابنتِها سمر فجأة مِن الجامعة، وتخشى مِن ظهورِ أخيها نزار فجأة، وتخافُ مِن الفضيحةِ في مجتمعٍ لا يرحم إذن؛ فلتكبت مشاعرَها وأحاسيسَها، فهي تفتقدُ لحرّيّة التصرّفِ بجسدِها وبما لهذا الجسدِ مِن حقوق عليها، وقد ضربت بأشواقِها المكبوتة طوالَ سنين، ولكن؛

ومع أنّه "تزوّجَ نبيل، وما زلتُ أفتّشُ في حَناياه عن عطرِ امرأة.. شوقِ أنثى! ص 34. 
وعندما تعودُ بذاكرتِها كيف أجبرَها والدُها على الزواج ممّن لا تحبّ، وحرَمَها الزواج مِن حبيب القلب فهي تعود تخاطبُ أباها ص 36: "صَدَقْتَ يا أبي.. منذُ أيّامٍ ٱستسلَمْتُ لِحُلْمي، وأرَدْتُ رَمْيَ وصيّتَكَ.. أردتُ أن أعاقِبكَ لأنّكَ سَلَبْتَ منّي مشاعرَ ٱلأنثى.. والآن ها أنا ألجَأُ إليكَ.. بحقِ السَّماء قلْ لي.. هل بإمكاني أن أطردَ حلمًا اخترقني، ويتجسَّدُ فيَّ، ويتَنَفَّسُهُ جلدي حتّى ٱلنّخاع؟ كيفَ لي أن أُقاوم؟!

صراع مع الذات والنتيجة:

على الرغم من تساؤلاتها الكثيرة وتردّدها في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، حيث كانَ عليها أن تتخذ قرارًا، وتُحدّدَ فيهِ نوعيّة العلاقة مع الحبيب العائد. ما يقضّ مضجعَها أكثرَ مِن غيرِهِ مِن أسباب؛ خوفها مِن دوْرِ أخيها نزار الذي تُظهرُهُ بمظهرِ العميلِ للسّلطة، والإنسان الذي لا ضميرَ عندَهُ، ومستعدّ أن يُقدّمَ أيّ تقريرٍ سلبيّ عن فلان للسّلطة الأمنيّة (الشّين- بيت) وليكن ما يكون، وهو شابٌّ مليءٌ بالحيويّةِ والنشاط ورجعيٌّ في آنٍ واحد، حيث نشأ وترعرعَ في بيتِ عميلٍ هو الأبُ المُعادي حتى لحرّيّةِ أهل بيته، إذن؛ هي تُعاني مِنَ التمزّق الدّاخليّ، فجسدُها له حقوقٌ عليها وهي تريدُ حياة الحرّيّة خاصّة بعدَ موتِ الزوج، وتريدُ أن تعيشَ حياتها الثانية بطريقةٍ أفضلَ مِن الطريقةِ الأولى في الحياة، وتعيشُ الأملَ في علاقةٍ محترمةٍ تحميها مِن الفضيحةِ أمامَ المجتمع، فتناجي نبيل بكلماتِها الشّاعريّة المُعبّرة عن أحاسيسِها تجاهه ص 41:

"كم اعتراك الوجلُ في غربتِكَ؛ غربة الوطن والنفس/ وُلدتَ غريبًا.. وسافرتَ غريبًا.. وعدتَ غريبًا/ أيُّها الغريب.. على تراب أرضك يناديكَ فؤادي عارِيًا إلاّ منكَ.. ترجَّلْ كما يترجَّلُ الفارس عن صهوة جواده! لم يبقَ لنا غير سرج الأماني، فهل ستعتليه ثانية وتغادر"!

تعيشُ صراعًا داخليًّا والقلبُ يقولُ نعم لتجدّدِ الحبّ والحياة! والمنغِصّاتُ والمجتمعُ والموانعُ كلّها تقولُ لا؟ ماذا عليها أن تفعلَ، هي تعي أنّ أخاها نزار يقفُ لها بالمرصاد ولن يتردّدَ عن قتلِها بادّعاءِ الدّفاع عن شرف العائلة، أيّة سخافةٍ هذه التي يؤمن بها مجتمعُنا عندما يبحث عن شرفِ العائلة بين فخذيّ امرأة؟
مع الفنان أدهم كانت لها تجربة تستحقّ التوقّف عندها، لنكتشفَ ماذا أعدّت الكاتبة هيام للبطلة هزار، فهل ستجنّبُها محاولات أخرى للتحرّش بها جنسيّا، أم سوف تجعلها تعبُّ مِن حياة الجنس لتشبعَ رغباتها الجنسيّة؟ 
أدخلت شخصيّة جديدة إلى حياةِ هزار هي شخصيّة الفنان الرّسّام أدهم الذي رسمَ لها لوحةً بكلّ تفاصيل وجهِها أثارت دهشتها، وجعلتها تنهارُ أمامَ رجولتِهِ ص54:

"وكأنّها ٱلمرّة ٱلأولى ٱلّتي تراهُ.. تأمّلته، ورأت نشوة في عينيْهِ غابت عنها عمرًا؛ نشوة ٱلشّباب ٱلضّائع، وفي شفتيهِ رجفة ظمآى! أحسّت بصخب أنفاسِهِ يلفّ وجهها، ويعانِقها.. لمْ يعد لونُ ثوبها أرجوانيًّا، وفِكرُها تعرّى خلال لحظات، فشَهقت ٱلسّتائِر، وضجّ ٱلجسدُ برغبة تتوحّش، وتتمطّى الشّهوة على سرير الحرمان، وكؤوس ٱلنّبيذ ٱلفارغة بحياء تسترق النّظر، وتعود تحملقُ في جدران ٱلغرفة، والسّتائر ٱلمخمليّة حدّ الشّهقة الحالمة، تجازف في احتضان نور شمعة مضاءة باشتعال ٱلفضاء في ٱلرّكن!

التحمَ ٱلجسدان، ولم يتكلّم أدهم وهزار أغمضت عينيْها، لتغطّ في حلمٍ عميق، يوقظ سباتَ ٱلعمر ٱلّذي ضاعَ من بينَ أنفاسها.. اقتربَ أكثر وأكثر والتصق بها، مداعِبًا سواحل بحرها.. أحسّت بنشوة غريبة، وأطلقت لنفسها ٱلعنان! نبتَ لجسدها جناحان، ونسيت كلّ شيء من فوارق بينهما.. هي ابنة ٱلقرية وهو ٱبن ٱلمدينة! أحسَّت بلذّة عارمة، حين أحاط جَسَدها بشرشف مُنَمَّر قربَ ٱلسّرير، واحتضنها بقوّة، وكانت ٱلنّمور كُلّها تحوم حولها، محتفيةً برقصتها على حوافي ٱلجَسَد!

طوال عامين كانت هزار تمارسُ الحبّ مع أدهم، إلاّ أنّها عندما رأتهُ ذاتَ مساءٍ مع إحدى الفتيات يدخلان مقهًى وكانت تنتظرُه، قرّرت قطْعَ علاقتِها به، خاصّة بعدَ أن تعرّفت على الفتاة التي قدّمَها أدهم بأنّها خطيبته، وهكذا لم يبقَ لها سوى نبيل تمشّيًا مع بيتِ الشّعر والحكمة القائلة: نقّل فؤادَكَ حيثُ شئتَ مِن الهوى/ ما الحب الاّ للحبيب الأوّل.

تجدد العلاقة مع نبيل:

كان نبيل فنّانًا بكلّ معنى الكلمة، فهو شاعرٌ قبلَ كلّ شيءٍ يُجيدُ انتقاءَ جميل الكلام دون تكلف ص 65:

"إنّهُ آخرُ المدى يا حبيبة/ لظلِّكِ الصّدى/ للزّبدِ ثوبُ الزّفاف/ للعروسِ العائدةِ ثغرٌ مِن ندى/ أعترفُ أنّ الجسدَ يُخطئ والقلب يُخطئ/ لكنّ ٱلشّموع تحتَ ٱلماء لا تخطئ!/ لم يبق للجرح سوى وحدة المساء/ أتّكئُ على ٱلنَّزَفِ، لن أستعيدَ جوادَ أبي/ لن أنتظرَ موجَه.. لقد ملكتُ الرّيح يومًا/ وعليّ أن أختارَ.. لن أساومَ على سُنْبُلتي/ سأركض حافيًا كما ٱلبداية../ أُهديكِ قصفةَ ريحانٍ وزعتر../ عبيرَ قصفةَ ريحانٍ وزعتر../ كفى.. أرجوكَ يا "نبيل".. لا أستطيع مقاومتكَ../ لا أريدُ أن تقاوميني.. أريدكُ أن تقبَليني حَبيبًا عائِدًا.. سيفهُ مهزومٌ.. يشهقُ صهيلاً يختزلُ ٱلوقت../ سأحتفظَ بهذا ٱلصَّهيل إلى الأبد يا فارسي المظفّر!

شطحاتٌ وجدانيّة وفنيّة اللغة:

تجيدُ المؤلفة الكتابة نثرًا وشعرًا خاصّة عندما تتركُ النّصّ جانبًا لتكتبَ شذراتٍ مِن شِعرِها المُبدع، تنتقلُ إلى فلسفةٍ مُعلنةٍ عن آرائِها في مختلفِ القضايا الحياتيّة، بفسيفسائيّات مِن جمالِ شطحاتٍ وشذرات تملأ زوايا هذه الرّواية، وهي ضروريّة مِن أجل متعةِ القراءة مِن جهة، ومِن أجل الاطّلاع على أحاسيس الشاعرة الرّوائيّةِ الملتهبة حبًّا وعشقًا للحياة فتقول ص 68:

العشق يضع كلّ حواسّنا داخل قارورة اللّيل ويُحكِمُ إغلاقها! وتُدمن حضورَ اللّيل الشجيّ البهاء، كإدمانك على القهوة والسّجائر وما يبعثانهما في الصّباح من خَدَر، وتظلّ ملابسنا وشفاهنا وحناجرنا مغموسة في عبق رائحتها..

وعن النسيان تقول: وكما النّسيان إدمان اليقظة، كذلك الخمر يقظةُ حلمٍ مخضّب بعبير الخزامى! برشفة الخمر ننسى شقاءً بريئًا، إلاّ من أجيج فرحنا المَهيب، لنصحو ثانيةً من حلم تجذّر في عمق النّهاية، وأزاح حنكة مَكْرِهِ عن وجه الوصاية!

وتقول عن الحب: هل هو إكليلٌ مضفورٌ بكأس خمرٍ، وفنجان قهوةٍ ورشفة عَسَل؟ أيشكِّل هذا الإكليلُ ثالوثًا شفّافًا، يعانق الرّوح بشموع بلسمِهِ؟ أوليس باستطاعة الواحد منّا إلاّ ملامسة أحد أقانيمِه في رحلة الحياة؟! هل ما زال الوردُ بلونِ الوردِ، والنّبيذُ يطوّق عنقي بجرح الشّوق؟! أم أنّ الضّياعَ في الذّاكرة مستحيل؟

بعد كل المحاولات محاولاتِ الاعتداء عليها جنسيّا مِن الجنائنيّ مرّة، ومِن عمّها أخ أبيها مرّة، وبعدَ ضياع أملها في زوج تحبّهُ ويعطفُ عليها تشعرُ أنها فقدت أنوثتها وفقدت ثقتها بهذهِ الأنوثة، مع أنها كانت تُعدّ نفسَها للقاءِ نبيل، ولذلك فإنّها ترثي ذاتها فيما يُسمى" مرثاة الذات الأنثى بقولها ص 87:

نهدايَ فقدا الشّهوة وفتنةَ الحلم، حين امتدّت أوّل يَدٍ لتقطفهُما، ثمّ تلتها يدٌ أخرى وأيادٍ أخريات تحبّ ٱلعبث بـ "لعبة ٱلنّهودِ"، وما أن تمتدّ يدٌ لتفكّ أزرارَ ثوبي، حتّى تتساقط ٱلمَسافات بين ٱلعُنق والإبط!

ومع كل المحاولاتِ فهي لا تنسى صولة أبيها وجبروتِهِ وعُنفِهِ معها، لذلك فإنها ترى أنّ كلّ الرّجال الذين عرفتهم كانوا صورة من أبيها"!

الانغماس في الشهوةِ الجسديّةِ كمهربٍ مِن واقع جديد:

بعد هذه الشطحاتِ والوجدانيّاتِ لا تتردّد هزار في البحث عن العلاقةِ الجنسيّة مع نبيل العائد، فهي تحسّهُ يتجوّلُ في شرايينها ويُسافرُ مِن العنق إلى الصّدر، ويحطّ على مفصلِ القلب، إنّه مهجة الكبد وواهبُ عطش الوداد ومقبّل زهر الياسمين والأقحوان! لذلك تريدُهُ أن يكونَ صدى للوقتِ العاري، فتقول ص 114:

"ولما كان العمر بحرا يذرف دموعا من نبيذ الأشقياء، ليروي عطش الحالمين فتغفو على ترانيم الوتر أفراح القرية النائمة على وهن وعلى وجع ! عندما تلتقي بنبيل في زيارة بيتية تقوم بها بعد أن طلبت منه زوجته الطلاق ، تجد أنّ نبيلا على استعداد للزواج، "أعلنُ نفسي زوجًا وحبيبًا وَعشيقًا.. فهل تقبليني؟ وأعلنُ نفسي زوجةً وحبيبةً وعشيقةً.. فهل تقبلني؟"

هكذا تعود إلى الحبّ القديم، لكن هذه المرّة مع مَن تُحبّ وتشتهي، تتعرّى داخلَ الفِراش مع نبيل، عندها تصمت كلُّ الأشياء رهبة، يصمتُ النبض ورائحة الأنفاس اللاهثة، وتشتعلُ شفاهٌ أرهقها الحرمانُ، جسدان عاريان إلاّ مِن اشتعال الأحاسيس، ومع كلّ هذا الشبق والممارسة الجنسيّةِ، فانّ هزار تمعنُ في تقديس حريّة جسدها ولهفتها على نبيل بقولها ص 116:

هل اقترفنا خطيئة يا "نبيل"؟/ لم نقترف حبيبتي، هو حقُّنا الّذي سُلبَ منّا وأعدناه! ها انتصرنا عليهم وعلى كلَّ السّنين الضّائعة! لا تحزني، أنتِ حبيبتي وزوجتي أمام الله والبحر والسّماء، ألا يكفيكِ هذا؟!

المجتمعُ الذكوريّ وحرّيّة المرأة :
بعدَ اللقاءِ مع نبيل شعرت هزار أنّها عادت إلى الحياةِ الطبيعيّة، ووجدت الزوج الذي تحبّ! إلاّ أنّ الرّياحَ تجري بما لا تشتهي السّفن، فنزار أخو هزار يظهرُ فجأة، ويعلمُ أنّ أخته قد قضت ليلة مع نبيل، ولمّا كان نبيل رجلاً وطنيًّا، وكانت سمر ابنة هزار عضوةً في حركةِ الشباب الوطنيّ، فقد كان مِن المقرّرِ أن يشارك الجميعُ في تلك المظاهرة نبيل وهزار وسمر، الاّ أنّ نزار كان قد أعدّ العدّة لاغتيال نبيل. وهكذا تنطلق رصاصة غادرة تُصيبُ نبيل في ساحةِ التظاهر، وتتأكّد هزار من أنّ يدَ أخيها نزار وراءَ عمليّة الاغتيال، لذلك تعودُ مِن المظاهرة بخفيّ حُنيْن، ولسان حالها يقول:

آه يا زمن... اُخرجْ من ملامح وجهكَ ٱلباسم، وانتعل "رائحة ٱلزمن ٱلعاري! وها أنا أسيرُ إليكَ حافيةَ ٱلقدميْن، بين لونٍ ووتر! وكما على موائد الموت يَتَراقَصُ ٱلوقتُ عاريًا، وَيَخْضَرُّ غصنُ أنينِ ٱلْجَرحى.. من بين ٱلجموع سطعَ ضوءٌ من هتاف ٱلرّبّ يتعالى: أماهُ.. أمّاه... انتَظريني..!"  

الخلاصة:

بعد هذا الاستعراضُ السّريعُ نخرجُ بأكثرِ مِن خلاصة أهمّها: 
* أنّ اسلوب الأديبة هيام قبلان مشوّق للغاية، فهي تملكُ ناصية الكلام الجميل، وتسترسلُ في وصْفِ دقائق الأمور، مقتنعة أنّ ما تصفهُ مِن مشاعرَ وأحاسيسَ جيّاشة هو كلّ الرّواية .
* قوّة السّرد لديها مميّزة بشكلٍ واضح ممّا يضعُها في مصافِ الرّوائيّين المرموقين، فلغتُها لا تتعثّرُ بل وتجيدُ انتقاءَ الكلمات لتضعَها في أماكنِها المناسبة، فيبدو السّبكِ جميلاً والسّرد رائعًا متماسكًا .
* الرّواية ككلّ هي زفراتُ روح مكبوتةٍ فاتَها قطارُ العمرِ والحبّ الحقيقيّ، فعاشت تبكي فقدانَهُ وتتلهّى بإمكانيّةِ استعادته، فإذا ما اعتقدتُ أنّها بلغت الهدف فإنّها ستجدُ نفسَها، وقد فقدت كلّ أمل في حياة جديدة وثانية، كما طائر الفينيق الذي يعيش مرّة كلّ ألف عام، فيضع بيضة واحدة في رحاب الأجيال، ولا تعودُ لتفقّسَ إلاّ بعدَ ألفِ عام .
* إنّها تشكو بشكلٍ صريحٍ مِن ظلم أفراد العائلة: تشكو ظلمَ الوالدِ الذي لا يهتمّ بمشاعرها، ويفرضُ عليها الزّواجَ مِن ابن عمّها الذي لا تحبّه، مِن أجل ذلك يلجأ إلى استعمالِ العنف الكلاميّ ثم الجسديّ فيصفعُها بشدّة أمامَ عنفوانِهِ، الأمر الذي يتركُ نقمة كبيرة في نفسِها. 
لهذهِ الرّواية قيمةٌ خاصّة تميّزها عن غيرِها مِن الرّوايات، وذلك بسبب كثافةِ الأحداثِ التي تبتدعُها المؤلفة، لكنّها بالرّغم مِن كثافةِ الأحداثِ وتَعدّدِ شخصيّاتِ الرّواية الذين تأتي بهم بشكل منفردٍ بينَ فكرةٍ وأخرى، هنا تبدو عظمة كتابة أية رواية، لأنه ليسَ مِن السّهل إدخالُ شخصيّاتٍ عديدة، ومع ذلك فإنّ الأديبة هيام كانت شديدة الحرص، حادّة الذكاء بحيث جعلتْ كلّ شخصيّةٍ مِن شخوص روايتِها ذات صفاتٍ مختلفة، فيها مِن الجرأةِ ومِن الحضور الذي لا يمكن أن يُهمّش جانبًا مِن صفاتِ هذه الشّخصيّات وملامحِها، بحركاتها وصوتها وسلوكها. لكن مِن الممكن القول أنّها اصطدمت ببعضِ الأحداثِ عندما تأزّمت مشكلة البعضِ مِن هذهِ الشخصيّات، فخرجت عن مألوفِها في نقدٍ صارخ للحياة الاجتماعيّة التي تعيشها، فقد قاست الأمرّيْن مِن ظلم الأب المستبدّ، ولو أنّها استسلمت لهذا الزّوج جسدًا إلاّ أنها ظلّت متعلقة روحًا مع الحبيب الغائب نبيل، فإذا ما قضى الزوج نَحبَهُ وعاد نبيل مِن المهجر، وهجرَتهُ زوجتُهُ الأجنبيّة التي لم تطِقْ العيشَ في القرية حيث مسقط رأس نبيل، فماذا على هزار أن تفعل؟ هل تستطيعُ العودة إلى الحبيب والظروف باتت مناسبة لتجديدِ العلاقةِ والعيش في كنف الحبيب، أم أنّ بعضَ العوائق قد تقفُ في طريق سعادتِها، فتلتزم لِما يُريدُهُ المجتمع الظالم وما يريده الأخ القاسي؟
هذا الصّراعُ النفسيّ والتمزّق الدّاخليّ عاشته بطلة الرواية، ولكي تبرّرَ النهاية المأساويّة التي عاشتها بطلتها، وإذا كانت الظروف قد هيّأت لها إمكانيّة الانبعاث وتجدّد الحياة والعيش مِن جديد كما عنقاء الرّماد، فانّ الكاتبة أرادت نهايةً أخرى لتجمَع ظروفًا جديدة تضعُها حاجزًا وسدًّا منيعًا في سبيل سعادتها، لتنتهيَ بمأساة وإصابةِ مَن تحب! وإمعانًا منها بالتّشفّي جعلت هذه النّهايةِ على يدِ أخيها، حيثُ تتّهمُهُ بأنّه وراء إطلاق النار على حبيب القلب أثناءَ مظاهرة الاجتياح .
الوطنية والحسّ القومي في الرواية:

مَن يقرأ رائحة الزمن العاري يلمس موقف "هزار" مِن أبيها وأخيها، حيث تتّهمهُما بالرّجعيّةِ والتّعامل مع السّلطاتِ الحاكمة ضدّ مصالح الشّعب، فالأبُ رجلٌ رجعيّ تصفُهُ بالعنيف لتبرّرَ محاولة تحرّرِها مِن قيدِ عبوديّةِ وعنتريّةِ المجتمع الذكوريّ، مِن سلطتِهِ عليها وإشباع رغبات جسدِها في علاقةٍ غير شرعيّةٍ بنظرِ المجتمع خارج نطاق الزواج .تضعُ الأخ موقفَ القاتل المجرم الذي لا يهمّهُ عاطفة أخته ولا أهواؤها، بمقدار ما يهمُّهُ إفشال المظاهرة وخدمةِ السّلطات الحاكمة ليكسبَ رضاها، ويضرب بمشيئة الأخت عرض الحائط.
اذا كانت الكاتبة قد اهتمّت باعادة حبيب القلب من المهجر الى حياة القرية وأنهت الرّواية بفشل تجديدِ العلاقة، فإنّنا نذكرُ أنّها مِن الصّفحة الأولى وفي الاهداء، فانّها تُهدي الرّواية إلى: "طائر الفينيق الخارج مِن الرّماد، ونملكُ أن نحيا مرّتيْن"!
الاّ أنّ ما حدث يثيرُ عكسَ هذا الفِكر حيث اختارت نهايةً مغايرة، لتقنعَنا أنّه حتّى ولو توفّرت الظّروف للعيش مرّتيْن، إلاّ أنّ القدَر سيقفُ لنا بالمرصاد ليمنعَنا مِن تجدّدِ الحياة! فالعيشُ بموجبِ النّهاية هو لمرّة واحدةٍ، وعلينا وعلى المرأة أن تكونَ أكثرَ جرأةً وانفتاحًا لتقرّرَ مصيرَها بيديها .والكاتبة كانت جريئة لأنّها أكدّت الجانبَ القوميّ والوطنيّ الذي تؤمن به، وجعلت ممَن تحبّ يسيرُ على هذا النهج الوطنيّ، ثمّ إنّها ابنة القريةِ وحياة القرية فيها تحفّظ وتمسّك بالتقاليد والعادات القديمة، سمحت لبطلة الرّواية هزار أن تتصرّف بجسدِها بحريّةٍ، لتعيش حياة الجنس المكشوف مع أدهم خارج إطارِ الزوجيّة، كدعوةٍ للمرأةِ إلى التحرّرِ مِن قيودِ المجتمع الرّجعيّ!

إنّها ثورة الأنثى التي عليها أن تأخذ بزمام المبادرة من أجل الحريّة والانطلاق، ومِن أجل أن تلعبَ دورًا في النّضال الوطنيّ لشعبها وليكن ما يكون، فحرّيّة المرأةِ لا تتحققَ إلاّ بعدَ أن يُحققَ شعبُها حرّيّته! لذلك فالمرأةُ العربيّة تناضلُ في ميدانيْن؛ ميدان الوطنيّة والحرّيّة، وميدان المجتمع الكابت مِن أجل التّحرّر مِن قيوده! 
فنيّة الرواية:

ما سوفَ يلمسُهُ القارىء هو تلك اللّغة الشّفافة والرّومانسيّة التي تتخلّل الرّواية، فتعطّلُ عمليّة السّردِ مِن أجل الحديث بلغةٍ رائعةٍ ثائرةٍ مرة، وهادئةٍ مرّة أخرى، عمّا يختلجُ داخلَ صدْرَ البطلة أو تلك مِن أبطال الرواية فمثلاً ص 104:
"
بيضاءُ كحبيبي بلونِ الفلّ وبلونِ حبيبتِكَ الأقحوانة/ كيف أنساها ورائحتها تعبقُ في ذاكرةِ المكانِ كالخوابي المعتّقة! كالخمرِ ذاكرتُنا، كمخرز في القلب والفكر/ زهرةٌ بلونِ نبضِنا، روَيْتها في غرفتكَ المطلّة على البحرِ بدمي وبيدي، بإحساسي وبأنفاسي! أوراقها الحزينة لفراقك تنتظرُك، وتتظلّلُ بنافذةٍ تحميها مِن أشعّةِ الشمس الحارقة، وتبعثُ إليها ضوءَكَ وهواءَ البحر! عارٍ هو الزّمن، يتكسّرُ صدى على أهداب الشفق!"

هنا تسترسلُ الكاتبة في جوٍّ رومانسيّ لتتحدّث عن هواجسِ الفِكر ومشاعرِ القلب، وتؤكّدَ أنّ الزمن عارٍ يتكسّرُ على أهدابِ الشّفق، هذا الكلامُ المنثور شاعريٌّ حتى الثّمالة! وهو إذ يدخلُ النّصَ حتى ولو قَطعَ تيّارَ السّرد إنّما يُكسبُ الرّواية بُعدًا فنيًّا رائعًا، كما هي استراحة المسافر بعدَ عناءِ مشوار طويل يأخذ فيهِ نفسًا وراحة وهو بحاجةٍ ماسّة اليها!
ص 98: "العمرُ بحرٌ يذرفُ دموعًا مِن نبيذِ الأشقياء، ليرويَ عطش الحالمين وتغفو على ترانيم الوتر أفراحُ القريةِ النائمةِ على وهن، على وجع"! خطوة أولى كأنينِ الصّخرِ تصرخ مِن الألم وتستغيث، لكنّها تصحو إلى الأبد!/ لا بدّ لقلبٍ عطش مِن عشقٍ لا يُساوَم أن يتمرّد، ولا بدّ مِن معانقةِ رمادِ البحرِ العاري، لتترعرعَ في محاراتِهِ أشلاءَ لزهرة أقحوان !"
تحاول هيام في هذه الرّواية تشكيلَ الهُويّة الذاتيّة للمرأةِ العربيّة مِن خلال استغلال جسدِها، كدافعٍ موطيف مُحفّز مِن خلال وصفِها للمجتمع العربيّ الذكوريّ، والتناقضات والمحظورات التي تعيشها المرأة العربيّة، فتأخذ بيدنا مِن تبيان العامّ إلى الخاصّ، ومِن الصّراع الذي تعيشُهُ المرأة إلى حوار الذات، وكيف تتفاعلُ تلك الأطرُ لتعطينا صورة واضحة لتبيان دونيّةِ المرأة وإظهارها كإنسانٍ مُستباح، وذلك عندما انطلقتْ مِن عالمِها الخاصّ، ومِن عالم جسدِها وإصغائِها لحاجاتِ الجسد، إلى عالم المرأة العربيّة بشكلٍ عامّ، كإنسانةٍ مسلوبةٍ الإرادة لا حولَ لها ولا قوة أمام السلطة الاجتماعيّة والعائليّة، التي تستبيحُ فِكرَها وعواطفها وحرّيّتها بالعنف والتهديد، بغضّ النظر عن الخلفيّاتِ الاجتماعيّةِ والسّياسيّةِ والطبقيّة والدّينيّة.

هكذا وجدنا كاتبة ثائرة ومتمردة تحاربُ المُسلماتِ خاصّة عندما حسمت الموقف بقولها:

"كفاني خمولاً، سأمارسُ حقي في الدّفاع عن وطني".

إنّها تحاولُ مزج رائحةِ الجسد العاري برائحةِ الدّم النازف مِن المناضلِ الجريءِ نبيل.

أيّتها المبدعة الشاعرة الشفافة التي نصبت خيمتها خارجَ حدودِ العائلةِ والمجتمع، فجاءت كلماتُ نزار قباني: أنا معّ الشّعر حتى حين يقتلني/ اذا تخليت عن شعري فلست انا.

فأنت شاعرة أوّلاً وقبلَ كلّ شيءٍ، تستنبتين مِنَ الكلماتِ زنبقا وياسمينا، ففي رحاب الكلماتِ لكِ وترٌ تُدوزنينَ عليهِ أبياتِكِ حتّى المنثورة، فتأتي متناسقة كأروع ما يكون، بإحساسٍ راقٍ في اختيارِ الكلمات، حتى أصبحَ ما تكتبينَ عملةً نادرةً في سوقِ الأدبِ، ففي كلماتِكِ رائحة العشق والوطن مجتمعِيْن معًا، ومِن داخلِك بدأ تمزق الذات، فنمت على شفتيْكِ زهورِ البيلسان، التي انسكبت على الورق كقارورةِ الطيبِ البكرِ بعبقِهِ وجماليّاتِهِ، فعشنا أحلامَكِ مع أنّ الحلمَ هو الشيءِ الوحيد الذي لا يمكن إعارته للآخرين، فكيف تجاوزت حدود الممكن؟ نجحتِ بهذا التجاوز لأنكِ آمنتِ بالحتميّة التي ترتفعُ فيها السّنابلُ إلى فوق، ثمّ تنحني بتواضع الحُبلى بحبّات القمح، وآمنتِ بالبحرِ الذي يفيضُ نحوَ شواطئِهِ في مهبّ الرّياح، وآمنتِ بالحبّ على مقاماتِ القدود الحلبيّة، فجاءَ حلمُكِ تفجيرًا للمعاناة التي تعيشها المرأة العربيّة، فانسكبَ الشعرُ لديكِ نثرًا محبّبًا ورائحة مسكٍ وعنبر،
فأبدعتِ بالخروج مِن عالم الشعر إلى الرّواية والعودة للمزج بينهما بجدارةٍ ومقدرةٍ لغويّةٍ وفنيّة، والتي ستضيفُ إلى مكتبتِنا العربيّةِ جمالاً ورونقا.