في مساء تلك الليلة  سمعنا وقع أقدام على سطح الدار استبشرنا على أمل عودة أخي الأكبر الذي غادر المنزل منذ ثلاثة أيام ولانعرف عن مصيره شيئا ، اذ كان من الناشطين في المدينة  صحبة رفيق دربه هادي حسون العمران الذي سبق أن فصل من الثانوية الجعفرية مطلع العام ,

صعدت سلم الدار لاستقبال القادم سمعت  صوتا خافتا يقول : لتخاف بشار  إني  " علي  " وكان معه  اثنان  غطوا رؤوسهم  ( بالغتر البيضاء ) ،

أنزلتهم الى باحة الدار وكانوا ، كل من الشهيد  "علي الشيخ حمود  "والمرحوم "  ناجي داغر  "وهو ايضا من قيادي الانتفاضة  و " ناجي سلمان الجو راني  ".  وقد استقبلهم أخوالي الذين  حضروا عندنا للتخفيف وتهدئة روع والدي  وخشيته على اخي  من المكروه ، أدخلناهم في احد غرفنا الصغيرة بعد ان غسلوا أرجلهم من الطين العالق بإقدامهم  لصعوبة الطريق التي سلكوها  ( طمة الحمام  ) للوصول الى  الدار الذي نحن فيه  اعددنا لهم ما توفر عندنا من الطعام لسد الرمق  وأعادت المرحومة الوالدة تجهيز منقلة النار  وتخدير الشاي  ، وجرى حديث شيق مع الشهيد علي الشيخ حمود عن الانتفاضة وحيثياتها  وتفاصيلها ، ما اثار استغرابنا شجاعته وعدم اكتراثه بما حصل  وكان على اطلاع على كل النتائج التي تمخضت عنها تلك المعركة الغير متكافئة .

نقل لنا خبر استشهاد  البطل  كاظم الصائغ  وركية شويلية وأسماء بعض الجرحى ونبا اعتقال رفيقه عطا الدباس  في احد الدور السكنية المهجورة  كان ذلك اللقاء أشبه بالمؤتمر الصحفي  ، وعندما سأله والدي عن إخبار أخي  أجابه قائلا : انه بخير هو ومجموعة من رفاقه ألان في مكان امن   ألان .. " وبعد فترة اخذ قسط من الراحة  قال الشهيد علي  :   لا نستطيع البقاء عندكم  خشبة مداهمة الدار من قبل الشرطة بحثا  عن ابنكم عزيز  .." سنتحول الى دار جيرانكم نديم عليوي  ( السائق  الطيب)  ولانفصلنا عن داره سوى الستارة

الواطئة الارتفاع .

صعدت معهم الى سطح الدار  تحولوا إلى الدار المقصودة  الواحد تلو الأخر, وكانت حديقة خلفية في الدار  . المرحوم نديم عليوي ترك داره صبيحة ذلك اليوم  هو وجميع أفراد عائلته  ، وكان في الحديقة مخزنا فيه بعض الحاجيات المستهلكة  جعلهم يستغلون ذلك المكان

لآيوائهم من البرد ورداءة الجو وقد  رميت لهم  من الأغطية  التي تقيهم من البرد  والتبغ ودفاتر البافرة  وقوري فافون صغير وكمية من السكر والشاي .

بقوا في ذلك المكان ثلاثة أيام وكنت على صلة معهم من خلال الرسائل التي  أرسلها لهم عن أخر المستجدات  ، وخصوصا عملية التفتيش الواسعة  والمكثفة خصوصا عن الشهيد علي الشيخ حمود  والشهيد عبد الرضا الحاج هويش بالرغم من إشاعة نبا خروجه من المدينة . طيلة الأيام الثلاثة وفرنا لهم من الاحتياج ما يسد الرمق من الخبز والطعام والسكائر   .

 

  

الشهيد عبد الرضا الحاج هويش

 

 

تزايد الضغط على المدينة من حيث كثافة التفتيش وحصر الأزقة وتحديد الحركة والمرور في الشوارع بحثا

عن القائد علي الشيخ حمود بشكل خاص  وبعض المطلوبين .

صارت فرقة تفتيش المنازل قريبة من الدار التي نسكنها  ، عندها رميت لهم رسالة تحدثت عن حقيقة الوضع في المدينة  ، وفي عصر ذلك اليوم وصلنا أخي متخفيا . وأما هم غادروا المكان فجر اليوم الثالث وكان الجو غائما وهناك نث من المطر ، الشهيد علي الشيخ حمود سلك الشارع المحاذي لنهر الغراف متجها شمالا  واتخذ من دار خالية من ساكنيها  ملاذا وجد فيها شقيقه (  نعمه  الشيخ حمود والمرحوم حسن عليوي  )  .

عصر ذلك اليوم  تمت مداهمة الدار التي اختفى فيها الشهيد والقي القبض عليهم وقد تعرض الثلاثة الى أبشع أنواع التعذيب اذ أخذت الدماء تسيل من وجوههم حسب شهود العيان  .

  بعد   إلقاء القبض على الشهيد علي  خف الضغط عن المدينة  . وفي اليوم التالي حضر اثنان من أفراد الشرطة صحبة والدي الذي استدعي من دكانه طالبين القبض على شقيقي  ولا زلت أتذكر انه كان يتهيأ لهذا الإجراء حيث كان يحلق ذقنه  وخرج على إفراد الشرطة قائلا أكمل حلاقة ذقني وأكون معكم . وبعد دقائق معدودة ذهب معهم في حين كانت توجد فرصة لهربه من خارج الدار.

ضلت الأوضاع غير طبيعية في المدينة بسبب شراسة الهجمة التي قادها فوج شرطة السيارة ، والإرهاب الذي مورس ضد الناس العزل خلال عمليات التفتيش وكانت معهم الة للتحري عن الأسلحة وكانت تعطي إشارتها حتى للأدوات المستخدمة في المنزل  .

ونتيجة ذلك حدثت حالات إجهاض لبعض النساء .

مطلع  كانون الثاني من عام 1957 جرت محاكمة صورية صار يتندر بها من عرف عنها من الذين أفرج عنهم

قضت تلك المحكمة التي جرت في احد مدارس مدينة لواء الكوت بالحكم بالإعدام شنقا حتى الموت  على كل من الشهيد  علي الشيخ حمود وعطا مهدي الدباس  ونفس الحكم غيابيا على الشهيد  عبد الرضا حاج هويش  الذي تمكن من مغادرة المدينة مساء يوم الانتفاضة عبر نهر الغراف واستطاع الوصول الى سوريا  .

وصدرت أحكام  بمدد مختلفة ، خمسة عشر عاما على كل من طوشي حياوي ، شذر شاكر  ( شكير ) ، ناجي  داغر ،  رحيمة الداود حسن عليوي عجيل ،  محسن الحاج هويش ،  كلو حمادي حويفظ ( جميل ) ، تعمة الشبخ حمود ، عريبي مهدي الدباس  ، حسن عيدان وبالحبس الشديد لمدة عشر سنوات على كل من  كرم عبد علي علش ، حسين ملا محمد  ، ناجي عليوي السرداح  ، مطير حبيب . سعد علاوي ،  محسن مطر شمخي ، وبالحبس الشديد لمدة ثلاث سنوات على كل من  سلام الشيخ احمد قفطان  ،ارميض حسين ، محسن شلش ،حسين جساس  ، وصدرت أحكام لمدة سنة على  بعض المتهمين ، وأما بالنسبة لشقيقي صدر عليه  الحكم بالحبس لمدة سنة  مع إيقاف التنفيذ  والاكتفاء بالمراقبة لمد ة سنة واحدة ، وصدر حكم بحق  محسن السيخ حمود وهو أيضا شقيق الشهيد علي  لمدة خمسة عشر عاما غيابيا وهو أيضا تمكن من مغادرة المدينة مساء يوم الانتفاضة عبر نهر الغراف كما تمكن أيضا  من المغادرة عبد المنعم صيهود القيسي وموسى سلمان   .ومعذرة للأسماء التي لم نحصل على قرار الحكم الصادر بحقهم .

أشيع في المدينة خبر تم تسريبه من المعتقلين  مفاده ان تنفيذ حكم الإعدام بحق البطلين

 سيكون فجر يوم  10 / 1 / 1957.                                                                                              

الموظف الصحي جبوري شنون   يقول تم تكليفي من قبل المستشفى بتلقيح السجناء في سجن الكوتضد مرض الجدري وكان لي الشرف بلقاء الشهيدين علي وعطا وكانا يتمتعان بمعنويات عالية  وطلبا مني نقل تحياتهم إلى أبناء المدينة  والقيام بحملة تضامن معهم للحيلولة من تنفيذ تلك الأحكام  من خلال تشكيل الوفود والعرائض . وقد تم تشكيل وفد من عائلتي الشهيدين  وبمساعدة  علي وعطا من الذهاب إلى ناحية الأحرار لمقابلة الأمير ربيعه  رحمه الله  وتم تهيئة ومساعدة الوفد من قبل المعلم المرحوم  صالح  عمران  عيسى  وشقيقه سلمان  حيث ارتبطا بعلاقة وثيقة بالأمير ربيعة  والذي بدوره يملك من تأثير مباشر على الوصي على العرش   في العراق الأمير عبد الإله وقد استطاع الوفد من مقابلة الأمير ربيعة ولكن السلطات في بغداد اشترطت   تقديم البراءة من الحزب الشيوعي العراقي مقابل تخفيف أحكام الإعدام  . عندما ابلغ البطلين بالشرط رفضاه بقوة  وبإصرار.   

 

 

 

                                                       

وكان للعلامة المغفور له  المرحوم  " الشيخ عبد الأمير الشيخ موسى فسام  " وكيل المرجع الديني السيد محسن الحكيم في الحي دوره  في التعاطف مع قضيتهم  ( يقول أبو عبدا لله المواطن  :   كاظم ثجيل امد الله في عمره   وهو من أهالي الموفقية ) .." بطلب من الشيخ عبد الأمير فسام شاركت بوفد يتكون من عدة أشخاص بزعامة الشيخ عبد الأمير فسام وذهبنا الى بعض رجال الدين في النجف الاشرف ل طالبين التدخل لانقاذ حياة البطلين علي وعطا ، تلك الجهود لم تثمر شيئا ، ولكن يبقى هذا الموقف يتذكره أبناء مدينة الحي من رجل الدين المغفور له الشيخ عبد الأمير فسام  ومن رافقه في تلك المهمة . وايضا كنا نتابع ما تذيعه اذاعات صوت العرب وتعليقات احمد سعيد عن التضامن مع ضحايا انتفاضة مدينة الحي  بعدم تنفيذ احكام الاعدام الصادرة بحق ابطالها وكذلك اذاعة القاهرة واذاعة موسكو   . كنا نتابع حملة تضامن واسعة من التقدمين ولكن من دون جدوى

يوم 9 /1 / 1957 بدئت السلطة المحلية من تكثيف اجراءلتها الأمنية والعسكرية حيث توزعت وحدات للحراسة على البنيات والسطوح العالية وتسير الدوريات المكثفة في الأسواق والشوارع العامة  ، وصار مؤكدا تنفيذ أحكام الإعدام بحق البطلين فجر يوم 10  / 1 .

 في ساعة متأخرة من ليلة 9 – 10 /1  سمعنا طرقا على الباب  أيقضنا  من نومنا  ، وسارع الوالد  نحو الباب لمعرفة الطارق ،  وكان كل من مراقب البلدية كاظم صالح جراد ومعه اثنان من فوج شرطة القوة السيارة ، وطلبوا من والدي الذهاب معهم الى مركز الشرطة بناء على أمر من مدير الشرطة والقائم مقام  لغرض التشهد بوجه البطلين  وقراءة القران الكريم لهما قبل إعدامهما لكون الوالد  رحمه الله من القراء على الإمام الحسن عليه السلام  ( روزخون ) ، اعتذر الوالد  من الذهاب  معهم  بذريعة سوء حالته الصحية ولكنهم أصروا  على ذهابه معهم ولم يتركوا له مجالا  للاعتذار  و رفض طلبهم  وسط رعبه  وفزعه من هذه المهمة ،  ذهب معهم مكرها  ، وبعد حوالي الساعة والنصف او الساعتين عاد الوالد ومعه إفراد الشرطة فقط ، وكانوا جميعا في حالة يرثى لها من من الحزن والبكاء ،للمشهد الذي واجههم في تلك المهمة  .

واخذ الوالد يحدثنا عن هذه اللحظات التاريخية الحاسمة التي جمعته بالشهيدين  ورباطة الجأش التي امتلكاها  والنوم المطمئن الذي خلد اليه الشهيد البطل عطا الدباس ، الوالد أسهب في الحديث عن شجاعة البطل علي الشيخ حمود حيث الابتسامة لم تفارق وجهه ولباقته في حديثه  وكان يلاطفني تارة وتارة أخرى يسألني عن أحوال المدينة وأبناءها ، وإنا أمامه أجهش بالبكاء    وهو صار يهدئ من روعي  ، وعندما عرف سبب  حضوري في هذه الساعة المتأخرة من الليل   ( التشهد في وجوههم وقراءة  القران الكريم  )

أجابني قائلا :  ( ليش همه عدهم دين حتى يردوك تشاهد بوجوهنا  لو كانوا كذلك  لما أثاروا الرعب والفزع عندكم من هذا الاستدعاء  في هذا الوقت المتأخر من الليل  إنهم لم يبتعدو عن وسائلهم في ممارساتهم الخبيثة

 ( ترويع أهلنا  وعوائلنا في أي وقت يشاءون  لإثبات قوتهم وجبروتهم )

تلك الليلة الشتائية التي تميزت ببرودة الجو وتساقط نثات من المطر  لم يغمض لنا جفن  وحتى الفجر نبتهل جميعا بالدعاء  وفي ترقب وانتظار ما يوقف  تنفيذ الجريمة   .  إلا أن فجر ذلك اليوم خيبت فيه أمالنا , وما كنا نتفاءل به من إرادة ملكية توقف تنفيذ الحكم  لم يتحقق .

وفي ساحة الصفا تلك الساحة التي كانت ميدان للتجمعات الجماهيرية وانطلاق التظاهرات الحاشدة وقريبا من مكتبة السلام  التي منها توزع الممنوعات  والنشرات السرية  المعارضة للحكومة  في ذلك الميدان المهيب نصبت الأعواد وجيء  بأبطال  الانتفاضة الباسلة وبحضور عوائلهم  استيقظ ابنا المدينة على صوت ابنهم البار علي الشيخ حمود ورفيق دربه عطا الدباس   وهما يودعان أهلهم وإخوتهم ورفاقهم وكل من أحبهم من أبناء المدينة، هتف البطل بحياة الحزب الشيعي العراقي اذ كرر مقولة الرفيق الخالد فهد

(الشيوعية اقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق) وأوصى زوجنه أن تكون وفية للمبادئ التي استشهد من اجلها  وهي كانت حامل  حيث طلب منها ان كان مولدوها ذكرا ان تسميه باسم رفيق دربه "  عطا  " تخليدا له  اذ كان غير متزوج ) وأوصى والدته  ان تكون راعية  لمن بقى معها من إفراد العائلة  وتحسن ارعايته وتربيتهم. 

 

 

 وقبل أن يرتقي أعوادها ويضع الحبل بيده في رقبته مستهينا من رغبة الجلاد في ذلك  .                                              حيث انشد تلك الأبيات

                                                     الشعب ما مات يوما 

                                                       وانه لن يموتا

                                                             فان فاته اليوم نصرا

                                                            ففي غد لن يفوتا

وداعا ياجماهير مدينة الحي الباسلة  لن يرهبنا الموت ..   بهذه الأبيات الشعرية  والكلمات الثورية ودع ابناء مدينته , وبقيت جثامين الشهيدين معلقة على اعواد المشانق  ا حتى الساعة الحادية عشر من صبيحة ذلك اليوم  . ونقلا بعدها على سطح سيارة باص خشبي الى مكان قريب من مرقد التابعي والصحابي الجليل "  سعيد بن جبير " ودفنا في المقبره القريبة منه .

 اخذ معظم الشباب  الذي بقي طليقا وبعض أبناء المدينة يذهبون  خلسة مساء كل يوم  لزيارة قبريهما  ،  وبعد  مدة من الزمن تسلل مجموعة منهم ليلا وقاموا بنقل الجثامين الى مقبرة وادي السلام في النجف الاشرف , واستمر المحبين في زيارة قبريهما .

وقد جاء المولود ذكرا وسمي باسم عطا  تخليد للشهيد عطا مهدي الدباس

وهكذا  تحققت نبوءة  شاعر العرب الأكبر ألجواهري 

 
    
   صورة تجمع : المرحوم عزيز محمد جواد قفطان  

        وهادي حسون  عمران أمد الله في عمره

                                                         

 

مجدا للواهبين دما  أبطال  انتفاضة مدينة الحي الباسلة في عام 1956

 وعاشت ذكراها المجيدة