اخر الاخبار:
السينودس الكلداني 9-14 آب 2021 - الإثنين, 02 آب/أغسطس 2021 09:58
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

تمرين تفاوضي (3): الحدود الآمنة -//- معتصم حمادة

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

اقرأ ايضا للكاتب

معتصم حمادة

تمرين تفاوضي (3)

الحدود الآمنة

بذريعة الحدود الآمنة التي أتى على ذكرها القرار 242 يحاول الإسرائيلي أن يبتلع أوسع مساحة من الأرض الفلسطينية.

تستند إسرائيل، في مفاوضاتها في الشأن الأمني، إلى مقولة «الحدود الآمنة» التي أتى على ذكرها القرار 242، وفسرته إسرائيل على أنها هي الطرف المقصود، دون غيره بحقه في مثل هذه الحدود. وتنطلق من هذه النقطة لتصل إلى القول بأن حدود هدنة 1949، التي بموجبها استولت على حوالي 80% من مساحة فلسطين، لم تعد، بعد حرب حزيران، حدوداً آمنة وهي لذلك مضطرة لإجراء تعديلات على هذه الحدود، لتضمن أمنها., وإجراء هذه التعديلات، معناه التشريع لإسرائيل بالاستيلاء على الأرض الفلسطينية ليس باعتبارها احتلالاً بل باعتبارها حقاً مشروعاً. وهكذا يتحول الاحتلال، وفق المنطق الإسرائيلي للقرار 242، تطبيقاً للشرعية الدولية. وكثيرة هي المصادر الإسرائيلية التي تحدثت عن المناطق التي تطمح إسرائيل وتعمل لضمها إليها في إطار حل الوضع الدائم الذي نص عليه اتفاق أوسلو، والذي من أجله استؤنفت المفاوضات الحالية. ولعل الأطماع الإسرائيلية بالأرض الفلسطينية، الموضوع الرئيس للنزاع والصراع مع الفلسطينيين والعرب، هو الذي يفسر تمسك إسرائيل حتى الآن بحوالي 40% من مساحة الضفة الفلسطينية، باعتبارها، حسب اتفاق أوسلو، المنطقة (ج) التابعة إدارياً وأمنياً لإسرائيل مباشرة، لا دخل ولا تدخل من قبل السلطة الفلسطينية فيها.

في مقدمة الأراضي التي تعمل إسرائيل لضمها هي مدينة القدس الشرقية المحتلة منذ حزيران 67. وهي تمهد لذلك عبر تطويق المدينة بالمستوطنات، وعزلها عن محيطها الفلسطيني، جغرافياً، وديمغرافياً، واقتصادياً، وإعادة ربط ريفها برام الله، في إطار إحداث انقلاب اقتصادي في حياة مناطق غرب شمال القدس. وكذلك عبر التهجير المنظم للسكان الفلسطينيين بسلسلة من القوانين المبتدعة، وكذلك عبر زرع المزيد من المهاجرين اليهود فيها. وقد وصلت عملية التهويد مؤخراً وبشكل نشط ومحموم إلى الأقصى، حيث يحاول اليهود أن يجعلوا صلاتهم في أرجائه مشهداً عادياً، مقدمة منهم لتقسيمه بينهم وبين المسلمين كما فعلوا بالحرم الإبراهيمي، الذي تحول القسم الأكبر منه إلى معبد يهودي، أما القسم الباقي، الذي حافظ على صفته كمسجد للمسلمين فهو واقع تحت سلسلة من الإجراءات الوقحة لسلطات الاحتلال وجيشها. ونعتقد أن قضية بحجم القدس كفيلة وحدها بسد الطريق أمام المفاوضات ومنعها من الوصول إلى الحل، في حال تمسك المفاوض الفلسطيني بعروبة المدينة وفلسطينيتها، ورفض تقديم أي تنازل للجانب الإسرائيلي.

المنطقة الثانية المرشحة للضم هي منطقة الغور الفلسطيني. وهي المنخفض الأرضي المحاذي لنهر الأردن، تبلغ مساحتها حوالي مليون ونصف المليون دونم من أخصب الأراضي وأكثرها غنى، تشكل سلة الغذاء للضفة الفلسطينية، فيها تزرع الخضار والفواكه خاصة التمور، وتشكل منتجعاً شتوياً يصلح لأن يكون منطقة سياحية نموذجية. يشكل الغور الفلسطيني 29% من مساحة الضفة وفيه 47% من مياهها الجوفية. تعمل سلطات الاحتلال منذ زمن غير قصير على تهجير سكانه المزارعين والبدو من الفلسطينيين وإحلال المهاجرين اليهود منهم. إما عبر مصادرة الأرض، أو المياه، أو حتى قطعان الماشية، وفرض ضرائب باهظة على السكان الفلسطينيين وهدم قراهم بدعوى أنها بناء غير قانوني، إلى آخر ما هنالك من القوانين الجائرة. وقد تقدمت عضو الكنيست ميري ريجيف في تموز /يوليو/ العام الغائب بمشروع قانون لضم الغور إلى إسرائيل ومازال المشروع في الأدراج ينتظر اللحظة المناسبة لبث الحياة في أوصاله.

المنطقة الثالثة المرشحة للضم هي مجموعة الكتل الاستيطانية الكبرى، التي من «حق» إسرائيل وحدها أن ترسم حدودها وأن تعرفها، وبالتالي أن تقرر ضمها، وهي منطقة شاسعة تحتل أكثر المواقع أهمية من الناحية الإستراتيجية والخصبة والغنية بالمياه وذات شبكة من الطرق الالتفافية التي تمزق أوصال الضفة الفلسطينية وتفتتها وتقضي على وحدتها الجغرافية.

يلي ذلك، وبالترابط معه، الحديث عن مواقع عسكرية هي «ضرورية» من أجل حماية هذه المستوطنات من أي خطر خارجي. (هي اللعبة ذاتها: احتلال عسكري، ثم استيطان، ثم بقاء الاحتلال بذريعة حماية المستوطنين). وهي «ضرورية» كذلك لأعمال الإنذار المبكر من أي خطر قادم من خارج البلاد. ونظرة إلى قمم الضفة الفلسطينية في جولة استطلاعية، تبين كم هي مزروعة بالمواقع العسكرية، بهواءياتها الضخمة التي تدل على أماكن وجودها.

بعدها يتحدث الإسرائيليون عن «الشاطئ الفلسطيني» من البحر الميت باعتباره، ولأسباب أمنية، مرشح لأن يضم لإسرائيل فتستولي بذلك على ما تبقى من البحر ويفترض أن يكون تابعاً للدولة الفلسطينية، والبحر الميت منطقة صناعية ومنتجع سياحي من الطراز الأول وبعيداً عن باقي التفاصيل تبقى منطقتان حيويتان تتحدث إسرائيل عن ضرورة أن تكونا تحت سيطرتها كاملاً. الأولى هي الأجواء الفلسطينية بحيث يكون لسلاح الجو الإسرائيلي السيطرة الكاملة، خاصة وأن «الدولة» الفلسطينية لن تمتلك سلاحاً للجو. ولا يمكن أن تترك هذه البقعة فراغاً عسكرياً. الثانية هي المياه الإقليمية لقطاع غزة التي يجب أن تبقى أيضاً تحت السيطرة الإسرائيلية خاصة وأن «الدولة» الفلسطينية لن تبني لنفسها سلاحاً بحرياً، وبالتالي لا ينصح أن يبقى البحر الفلسطيني في الفراغ الأمني.

تعتمد إسرائيل، في تمرير مشروعها للاستيلاء على المزيد من الأرض الفلسطينية على عدد من العوامل أهمها:

1ـ تفسيرها هي للقرار 242 والحديث عن حدود آمنة، متجاهلة في الوقت نفسه، تأكيده على رفض الشرعية الدولية لمبدأ الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة.

2ـ على القول الفلسطيني بمبدأ تبادل الأرض بين الجانبين. ورغم الحديث عن تبادل محدود  ومتفق عليه، فإن حدود التبادل ستبقى بيد الجانب الإسرائيلي هو الذي يرسمها ميدانياً كأمر واقع، أو التوافق فيتم فرضه بقوة الضغط السياسي والاقتصادي والميداني.

3ـ على الموافقة الفلسطينية على استئناف المفاوضات في ظل تواصل الاستيطان. والاستيطان معناه ليس فقط إحضار المزيد من يهود العالم إلى إسرائيل أو المناطق المحتلة بل وكذلك التهام المزيد من الأرض وفرض المزيد من الوقائع العملية التي تتطور الأمور بعدها ليصبح شبه المستحيل العودة بعدها إلى الوراء، وفقاً لبعض المفاهيم التفاوضية. فترحيل حوالي ثمانية آلاف مستوطن من قطاع غزة شيء، وإعادة ترحيل حوالي نصف مليون مستوطن في الضفة الفلسطينية شيء آخر. وتفكيك عدد من المستوطنات «الصغيرة» في القطاع، لانسداد آفاق الاستيطان وكلفته العالية شيء، وتفكيك مدن استيطانية كبري، ذات «أفق» استيطاني مفتوح بلا حساب، جغرافياً واقتصادياً، شيء آخر.

4ـ على اختلال كبير في موازين القوى التفاوضية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. فقد دخل الجانب الفلسطيني هذه المفاوضات في ظل ظروف داخلية وإقليمية ودولية غير مؤاتية. فهو يعاني نتائج الانقسام، فضلاً عن أزمته السياسية والاقتصادية والحكومية. والحالة العربية مشغولة بقضايا إقليمية تراها أكثر أهمية من الملف الفلسطيني في ظل رخاوة عربية ملموسة أمام الضغوط الأميركية في إطار من المقايضة بين القضايا الإقليمية والقضية الفلسطينية. أما اللجنة الرباعية فيبدو أنها فوضت جون كيري أن يستفرد بلا منازع بالعملية التفاوضية. وبالتالي جاء استئناف المفاوضات في أكثر الأوقات الفلسطينية صعوبة.

في كل الأحوال، أياً كانت ظروف العملية التفاوضية فإن الأرض كانت وستبقى محور الصراع، إن تحت دعاوي «الحدود الآمنة»، أو «يهودية الدولة» أو أن تكون هذه الدولة «أرض الميعاد» لليهود. فإلى أي مدى سيذهب المفاوض الفلسطيني، الذي قبل بمبدأ التبادل في التخلي عن الأرض الفلسطينية؟

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.