فما بالنحيب تنال الحقوق ولا بالمدامع دحر العدا
ولكنما عن طريق النضال تداس القيود ومن قيدا
سنسلكه شائكا مسلكا لندركه ساميا مقصدا
ونقتص من طغمة عربدت اذا الشر في رأسها عربدا
ونحبط مايبتغيه العميل ونمحق (تاريخه) الاسودا
ونقطع دابر (مستعمر) وأذنابه أوغداً أوغدا
ونبعثه وطنا هانئاً وشعباً بخيراته مُسْعَدا
· ونحن في هذه المرحلة المُجَوَّفة من تاريخنا..التي تلوثت فيها صورة ( السياسي!) وتَردَّت مكانة ( رجل الدولة!) واندثرت مفاهيم ( النضال الوطني) تحت ركام التبعية للاجنبي او خلف دخان الارهاب الخانق..وتلبَّد الافق بالمطامع الدنيئة على حساب وجود الوطن ومصالح الانسان..نذكر باعتزاز رؤية شاعرنا الوطنية والاجتماعية السديدة ، وموقفه الفكري والنضالي المتماسك وغير المهادن للمستعمرين والسياسيين المتخلفين والحكام الرجعيين ، منذ خطواته الاولى في طريق مواجهة الاستعباد والاستبداد في العقد الرابع من القرن الماضي..دون ان يهفت نار الشوق الانساني لرفيقة عمره..
فمن زنزانة السجن..كتب عام 1949 الى قرينته ( ابنة عمه ـ شهيد المحراب! ـ السيد عبد اللطيف عبد الوردي ، خطيب الصحن الكاظمي الذي اغتالته يد الارهاب ـ جماعة الخالصي ـ عام 1959 وهو يَهِمُّ لدخول الصحن الكاظمي لإمامة المصلين لصلاة الفجر..والذي تغافلت عدالة السلطة الى اليوم عن تقديم قتلته للقضاء!):
اقسمت بالشفق الحبيب تبددت عنه الغيوم
وبجذوة تحت الرماد يحف مركزها الهشيم
وبنار محتدم الكفاح وقودها الباغي اللئيم
وبساعة فيها الاثيم يلومه رجس اثيم
وبفجر يوم الكادحين ، وانه قَسَمٌ عظيم
مانال ضيق السجن من عزمي ولا القيد الجسيم
لكنني بتصوري لشقاك تضويني الهموم!
· ان لم يكن المثقف مقتدرا على تفكيك الفوضى مهما تشابكت في بيئته وزمانه، وماهرا في منع تلك الفوضى من التسلل الى منظومة فكره..فانه سينجرف مع تيار تلك الفوضى ويستحيل الى وقودٍ لتسعيرها..فكان شاعرنا الوردي كسياسي ديمقراطي ، وشاعر متصدٍ للتخلف بكل الوانه ، وانسان تقدمي خارج غبار الفوضى وذو رؤية متنورة لفك تشابكاتها ، وأحد رواد حركة التغيير الجذري لجميع انماط الاستعباد السياسي والفكري والاجتماعي..مستثمرا كل مناسبة لتحريض الشعب على كسر قشرة الخوف التي تكبل ارادته..ومُحدداً اسباب المحنة ومسببيها وطريق إستئصالها!..
في احتفال الجبهة الشعبية المتحدة عام 1952 القى الشاعر قصيدته في (ذكرى ثورة حزيران 1920)..جاء فيها:
حكومة شعب لاتمثل شعبها ومجلس تشريع به الشرع سادر
وفي كل يوم للقوانين حالة يعدّل منها (البهلوان) المغامر
فيا لعنة الشعب احرقيه ورهطه فليس حريا ان يسود المكابر
يقولون (قال الشعب) والشعب لم يقل وان هي الا غدوة وتآمر
وان هي الا طبخة من نتاجها قد امتلأت اكراشهم والقناطر
· ولانه غِرّيد السلام..كان صادحا في كل مناسبة داعيا للسلام والوئام بين البشر..ذلك الوئام الذي نحتاجه اليوم اكثر من حاجتنا للساسة المعروضين للبيع والشراء في (بورصات) المحتل و( اسواق ) دول الجوار..اولئك السياسيين الذين اهانوا العراق بالتجائهم للخارج طلبا للدعم والعون والتزكية،واحالو الوطن الى شركة مُباحة للصوص الدوليين والاقليميين المساهمين المتعددي الجنسيات..بشكل لم يسبق ان شهده العراق او اي بلد مُستقل او مُستعبد!(هل سمعتم او قرأتم عن بلد يَستَجدي سياسيوه التزكية من الدول الاجنبية البعيدة والقريبة ويستقوون بها لرفعهم الى السلطة؟!..فيما لم نرَ احدا منهم يجول على ناخبيه في المحافظات للاستقواء بهم!!!!)..وهم لذلك ـ ولغيره ـ مسؤولون عن حرب الابادة التي تطحننا على مدار الساعة..
في قصيد (إنّا نطالب بالسلام) التي القاها عام 1954..يقول الوردي:
ارأيت اطفالا بمنعطف (المحلة) يلعبون؟
لاهين في دنيا الطفولة يسرحون ويمرحون،
اولادنا اكبادنا آمالنا إذ ينشأون،
لم يعرفوا معنى العدا ء ومالحروب ، وماتكون
امن المروءة انهم تحت القنابل يهمدون؟
وتعود احلام الامو مة والابوة كالحطام!
فلمنع هذا يا(عصام) انا نطالب بالسلام!
· مَثَّلَ الشاعر الوردي (يسار) الحزب الوطني الديمقراطي..بسبب انشغاله الفكري والسياسي بهموم الفقراء ومصالحهم..ونتيجة نشأته كعامل كادح (حيث بدء حياته بالعمل اليدوي كصائغ وهو ابن عشر سنوات ..)،وتعبيرا عن تراكمه المعرفي ذو المضمون الاجتماعي التقدمي، وانعكاسا جدليا لثقافته الانسانية الموسوعية التي تألقت في دوره كأحد رموز حركة السلام في العراق..
لذلك نراه لم يترك فرصة إلاّ وأضاء فيها حتمية الترابط بين النضال من اجل السيادة الوطنية وبين التحرر الاجتماعي..هذه (المفاهيم) التي يتعاضد العملاء والمتخلفون والارهابيون على طمسها..وإشاعة (مفاهيم الإذعان للمحتل او الانكفاء للماضي الموبوء بالكراهية)..!
في الاحتفال الذي اقامه الحزب الوطني الديمقراطي عام 1954 احتفالا بذكرى ثورة العشرين..القى الشاعر قصيدته (اقوى من الموت)..قال فيها:
لولا طغاة قد انحطت خلائقهم ذُلاًّ فهزّوا لدى مستعمر ذَنبا
لكان للشعب شأن غير ماعهدوا وكان لاسَغبا يشكوا ولا نَصبا
قد اثقلوه(قوانينا) و (انظمة) من شر ماابتدع الارهاب او كتبا
وارهقوه كما شاءت مطامعهم حتى انثنى نصبا من كيدهم تعبا
عجبت كيف يجوع الشعب في وطن خيراته تملأ الوديان والكثبا
لولا سياسة مأجورين قد لعبوا كما يشاؤون في نعمائه لعبا
· لقد كان شاعرنا الوردي متقدما جيله في رؤيته لدور المرأة في تحرير الوطن وبنائه..وما أحوجنا لموقفه في هذه الايام الرثّة التي تعود فيها المرأة الينا في صورة (عورة) يستحي منها أولي الأمر!!..
فهو القائل في احتفال يوم المرأة 8 اذار عام 1953:
لا، لست (جانداركا) ولا (اسماءا) بل انتِ اسمى رِفعةً وعلاءا
اسماءُ قد صبرت ولم تنزل الى نصر ابنها فتحاربُ الاعداءا
وتقحَّمت (جندرك) اهوال الوغى بمسلَّحين تحمَّلوا الارزاءا
وحشدتِ انتِِ من الشبيبة عُزَّلا ولقيتِ اهوال اللَّظى عزلاءا
***
و(بساحة السعدون ) اذ نشر الدُجى جنحاً ، ومدّ على الجموع رداءا
وترنَّحت (بغداد) تمسك جرحها الدامي ، وتمسح دمعة وطفاءا
ورقيتِ (قاعدة التمثال) في عزم يمدُّ اليائسين رجاءا
وحلفتِ الا تستقر عريكةٌ حتى تُديل من الطغاة لواءا
أدركتُ فيكِ قيادةً وكفاءةً لقيادةٍ قد تعجز الاكفاءا
· كانت قضية الحرية ورغيد العيش لجميع الناس غاية لايخلو منها نص شعري كتبه ، ولا كلمة سياسية ألقاها ، ولاحوار شخصي أثرى به الجالسين..وكانت المسببات وفضح المسببين (لُحمَة) النصوص..و(سِداها) بيان الطريق للخلاص من الاسباب والمسببين..مُبشراً دائماً بالأمل القادم مع الفجر الجديد!
بتاريخ 20/ 8 /1958 القى الشاعر من الاذاعة العراقية ببغداد قصيدة بعنوان (وترعرع الامل الحبيب ) جاء فيها:
وعصابة اثْرَت بلا شرف فذا لص ، وذا باغ ، وذاك مُزوّرُ
حكروا البلاد مصادراً وموارداً واستنكروا الشكوى ، فعمَّ المُنكرُ
بطروا افانين النعيم ودونهم شعب يجوع وامة تتضوَّرُ
اعمى الضلال عن الصلاح عيونهم ويهان عندهم النَصيح المبصرُ
· عندما نشرت قصيدته ( لمن المجد ) في مجلة (الرابطة) عام 1946 نسخها الشباب الجامعيون ووزعوها بين الطلاب كمنشور سياسي تعبوي..ومن يقرأ سطورها اليوم يعتقد انها كتبت لحال العراق وشباب العراق في زماننا الموبوء هذا..الزمان الذي تُدحر فيه العقول ويُرفع فيه الجهل الى عرش تقرير مصائر البلاد و(العباد)..فهو القائل فيها:
إيهٍ شباب الرافدين فأنتمُ أملُ المعالي
هذي بلادكمُ الحبيبة رهن أعباء ثقالِ
هي كالعروس الطُهْر مزَّق سترها كيد الرجال
باتت تضمّد جرحها المكلوم بالدمع المسال
ومضت تكابد ما تكابد من صدوعٍ وانخذال
عبث الخريف بها وكانت قبلُ وارفة الظلال
لازهرها مثل الزهور ولا الدوالي كالدوالي
عصف الزمان بها وأوسعها نصالاً في نصال
قيل: استقلَّتْ ، قلت: لا ، هذا خيال في خيال
أوَ تستقلّ وفي مرابعها يجول ( أبو رغال )؟!
· قبل اكثر من نصف قرن كانت وحدة المصير والمصالح بين عمال العراق ، صنّاع وجوده الحديث تسري في نفوسهم وحشودهم من اقصى البلاد الى اقصاها..لاتلوثها سموم الطائفية والعرقية التي تستشري في الضمائر والعقول اليوم..حيث وقف فقيدنا الوردي في الاحتفال الذي اقامته نقابة عمال النسيج في الكاظمية في تموز 1946 احتجاجا على مجزرة ( كاورباغي) التي استهدفت عمال النفط في كركوك..مخاطبا عمال العراق:
تلك كركوك ، وذي مأساتها فضحت وحشية المستأجر
كشفت عن نية مرعبة ملأت رأس المرائي المفتري
أنذرتنا أنَّ ذئباً فاتكا يتراءى في إهاب الجؤذر
***
ايها العمال ، هذا دمكم ثمن النصر ، ومَهْر الظَفَر
لاتخالوه مُضاعاً ، انه خيرُ غرسٍ مسفرٍ عن ثمر
فادأبوا في العمل المجدي ولا ترتضوا غير النصيب الاوفر
وابعثوها وثبةً جامحةً تتشظّى شرراً في شرر
وامحقوا كلّ أثيم جائرٍ ، حسبَ الحكم ارتشاف المسكر
واكتبوا بالدَّم تاريخ الأبا ء تتملاّهُ عيون الاعصر
راية الحريَّةِ الحمراء، في الارض ، لولا دمكم لم تُنشر
· عبر تاريخه النضالي انعقدت بصيرته للافق المشرق في عقله قبل ان تلوح خلفه انفاس البزوغ..ففي اشد الازمات حلكة واكثر المراحل تشابكا وغموضا ، كان ( الوردي) يتطلع الى المستقبل ويدعوا الى نبذ التخاذل وفضح المذعنين.. ويحث السير بثبات للامام ..ففي الفترة التي فقدت فيها حكومة ارشد العمري صوابها وسفكت دماء المضربين في كاورباغي..استفاقت الشوارع على هدير ( الوطنية العراقية) الذي يوحد جميع الاحرار في مواجهة المستعمرين وعملائهم..ففي الحشد الذي نظمه الحزب الوطني الديمقراطي في الكاظمية عام 1946 ..ازاح ( الوردي ) غمامة التضليل عن حقيقة الواقع..تلك الفصاحة التي تفتقر اليها الثقافة السياسية العراقية اليوم رغم تفكك جدران الممنوعات عن النشر!:
لاالحفلُ حفلٌ ولا الأشعارُ أشعارُ ان لم يحطّم صروح الظلم أحرارُ
كفى هواناً وذُلاً ان نرى وطناً تعيثُ فيه(مخانيثٌ) وأشرارُ
من كلّ قذرِ ضميرٍ لاخلاقَ له ومن صفيقٍ له في الشرِ اوطار
يُزهي بلبدةِ ليث الغاب منتفخاً لكنه ثعلبٌ في الروع فرّار
ومن ( عميل)(عجوز الغرب) توفده لنصبِ فَخٍ له في الشرق أخطار
يزجي بضاعته الشوهاء مفتخراً وليس ذا بعجيبٍ فهو سمسار
باعَ الضمير بدينارٍ فمأربه وقدس أقداسه(دنٌ) ودينار
مطيَّةٌ هو للمستعمرين فلا عابٌ عليه اذا استخذى ولا عار
مطيةٌ لارباطٌ دونها فلذا تقاذفتها مطاراتٌ وأسفار
· ان استعراض سيرة الشاعر علي جليل الوردي في مواجهة المستعمرين وعملائهم ، وفي دعوته للحرية والسلام ، جعلت منه احد اعمدة الثقافة الوطنية العراقية المُستخلصة من هموم الانسان العراقي المعرفية واحتياجاته الحياتية كمواطن حر في بلد مستقل، والموجهة الى جموع المغيَّبين من فقراء الناس لتحريضهم على نفض غبار التخلف الذي يورث الاذعان ويُنتج التطرف ..ويُديم التخلف ويُقدسه!
· عندما استباحت دبابات الاحتلال بغداد في 9/ابريل/2003 ذهب السيد (...............) الى دار شاعرنا..وسأله:
مارأيك في سقوط الدكتاتورية؟
اجابه بمرارة:
سقوط الدكتاتورية ينهي عهدا ظالماً.. والاحتلال يبدأ عهدا اسوداً..فاي رأي تريد..؟!
واضاف:
كنت أُثير الشوارع بقصائدي عندما يقترب الاسطول السادس الامريكي من شواطئ بيروت..فمالذي تتوقعه مني..والآن تقف على باب داري دبابة امريكية؟!!
· عندما كان (المنتصرون!) منشغلين بتقاسم الغنائم التي خلفتها الدكتاتورية (السلطة والثروة والسلاح ) ومنهم عائلة السيد عبد العزيز الحكيم والمحتفلون معهم بتأبين السيد عبد العزيز الحكيم..
كان الشاعر ، والمحامي ، ورجل السلام والديمقراطية ، والمفتش المالي للدولة ( التموزية) العراقية ( وحفيد الامام زيد الشهيد!!!!) السيد علي جليل الوردي مُلقى على الرصيف في طابور المتقاعدين المراجعين امام بنك الرافدين في الحارثية وهو ابن العقد التاسع من العمر..لان لصوص موظفي دولة المحاصصة ارادوا التغطية على مفاسدهم الادارية والمالية..بإمتهان كرامة شيوخ العراق!
· وهنا لابد من - الاستدراك - والاشارة بتقدير لابناء الكاظمية وللقوى الديمقراطية العراقية الذين كرموا (شاعر الحرية والسلام ) في الحفل التأبيني الذي اقاموه له في مسقط رأسه بعد تشييع جثمانه في 30/10/2009..بعيدا عن إعلام السلطة و( قوائمها) المنخورة بالعناصر الموالية لغير العراق!
· ستبقى سيرة ( شاعر الحرية والسلام ) الفقيد (علي جليل الوردي) جزءا من ذاكرة الشعب وتأريخه..ولن تكون جزءا من تاريخ السلطة..مثلما اراد لحياته ان تكون!