للذهاب الى صفحة الكاتب   

1 تشرين والثورات اللاارضوية غير الناطقة/ 2

عبد الامير الركابي

 

 

 تختلف التشكلية الانبعاثية الازدواجية مابين النهرينيه الراهنه اختلافا نوعيا عن تشكل الدورتين السالفتين، السومرية البابلية الابراهيمه، والعباسية القرمطية الانتظارية، من ناحية اولا كون ماقد سبق من تاريخ المكان "يدوي" محكوم للشروط اليدوية الجسدية الارضوية بصورة عامه، وثورة العشرين اللاارضوية كمثال يدوية اشتراطات وبنيه جابهت عدوا يفترض انه آلي "الطوب أحسن لو مكواري"، بلا تعبير ولا قيادة محدده كما هي طبيعتها اللاارضوية، رغم غلبة القصورية الادراكية العقلية التاريخيه مجتمعيا، وبناء عليه ذاتيا، بما كان واستمر يمنع ادراك الخاصيات الذاتيه، ويحول دون مقاربة المضمر المجتمعي الاساس التحولي، المودع في هذا الجزء البدئي الافتتاحي من المعمورة، ويفسح المجال امام المنظور الغالب المنتمي للالية المصنعية الابتدائية الاوربيه.

 

     هذا علما بان متغيرين اساسيين لازما هذه الدورة ليضعاها خارج ماقد سلف، الاول هو انغلاق الافق الامبراطوري، والوقوع تحت سطوة البرانيه التتابعية من خلال عاصمة الدورة الثانيه الامبراطورية المنهارة، والثاني انتقال الحضور البراني الى مابعد يدوية وان كبداية ولحظة تمهيد، نحو البرانيه الالية ومحطاتها الابادية النمطية، الاولى الاستعمارية التقليديه الاوربيه، ثم الراهنه القائمه على السحق الكياني الموافق لفعل المجتمعية المفقسه خارج رحم التاريخ، والمتحولة الى امبراطورية فكرة وآلة، بلا نمطية معلومه بالامكان نسبتها الى اي من اشكال التعبير المجتمعي التاريخي، وبالتضاد معه من دون بديل، وبالارتكاز لمتبقياته المفهومية والنموذجيه.

 

وماتقدم ياخذنا خارج القصورية التوهميه الغربيه على مستوى المروية الانتقالية الاليه ومااتصل بها، وكانه حقيقة مطلقة مثله مثل كل التصورات الاحادية الارضوية بخصوص علاقة الانقلابية الحديثة الالية بالبراجوازية وصعودها، من دون تفسير للخصوصية الطبقية الاوربيه، ولماذا وجدت الاله منبثقة من ثنايا المجتمعية اليدوية في موضع بعينه، فلم يحدث في الهند او في الصين، او في افريقيا، مامن شانه جعل العملية الانقلابيه التاريخيه خاصة وافرادية مجتمعيا وكوكبيا اراديا، فالانقلاب الالي هو بمفهوم الغرب الاوربي مسالة محسومة وقاطعه من حيث كونها حقيقة قدرية وحتميه، من دون اي احتمالية كون ماقد حصل في الموضع الاوربي هو بداية تحولية لاتكتمل الا بالتفاعلية المجتمعية الشاملة للمعمورة، وبالذات في الموضع البؤرة التحولية البدئية حيث التاسيس وتعميم الازدواج المجتمعي، بما يمكن ان يضعنا امام فرضية الدورتين، الاولى والثانيه مابين النهرينيه بظل الانتاجية اليدوية غير القابلة للتحقق ولا للنطقية، ودورة ثالثة هي الراهنه الناطقة والتحققية الانقلابيه، وان الالة المنبثقة في اوربا هي محطة اولى ضمن عملية تبلور وظهور وسيلة الانتاج العقلي اللاارضوي، التكنولوجي ما بعد الانتاجي الحالي.

 

   ويبقى من بين اخطر ما يتوصل اليه العقل القصوري الاوربي وقتها، توقفه دون طبيعة "الاله" ومامترتب عليها، باسباغ مفاهيم ومنطق الطور اليدوي عليها لتصبح من نوع القوة الدافعة قدما وفي المجالات المختلفة للمجتمعية القائمة اليدوية، بتحديثها وعصرنتها، مع انها بالاحرى قوة انهاء للظاهرة المجتمعية كما هي موجودة عموما، على اعتبارها مجتمعية وسيلة انتاجية منقرضة، تشكلت ضمن اشتراطاتها الجسدية الحاجاتيه الارضوية، وظلت محكومه لاليات وديناميات الانتقال التحولي الاعظم الحالي  مابعد اليدوي الجسدي، الى العقلي.

 

  تظهر الاله بسبب الانغلاق الازدواجي الطبقي، واستحالة الانتقال من الاقطاعية الى الطور البرجوازي بالوسائل المتاحة يدويا في موضع الازدواج الطبقي ابان ذروة ومنتهى مراحل الاصطراع، مع عملية التشكل الصناعي تجاريا، ووقتها  يقع التناقض بين ضرورات انتقال صارت عناصرها متغلبه، ونوع مجتمعي ادنى منها، بالذات على مستوى وسيلة الانتاج المتاحة، ماكان من شانه ادخال المجتمع حالة من الاحتدام والتناقضية القصوى الاقرب للتدميرية الشاملة، ماقد حتم ظهور عنصر ثالث من خارج الاصطراعية الطبقية اليدوية، ومن غير طبيعتها، ببروز الاله، مع شكل الانتقال الاول الابتدائي من الطور اليدوي حيث تاخذ اشكال اليدوية وانماطها، ومنها الطبقية بالزوال، فالالة تنهي الصراع الطبقي والطبقات نتاج الطور اليدوي، بعكس التوهمية القائلة بالاحتدامية الاصطراعية واستمراريتها، بما في ذلك  امكان تحولها الى مرحلة طبقية اخرى كما توهم ماركس.

 

 ليس على وجه الارض مجتمعية ازدواج جزئي قابل للانتهاء الى احتباس، غير الصيغة الطبقية من المجتمعات الارضوية الاوربيه اعلاها ديناميات، الامر الذي لايعرفه النموذج الازدواجي الاعلى المجتمعي (ارضوي/ لاارضوي) المقابل على الطرف الاخر من البحر المتوسط، لان اصطراعيته وبلوغه الدوراتي حالة التازم الناجمه عن عدم توفر اسباب  التحقق ماديا وادراكا، تنتهي بالحالة  الى الانقطاع بظل استقلال العنصرين المكونين للنمطية الازدواجية العليا، بما ان الاصطراع  قائم بين مجتمعيتن لاكما الحال الطبقي داخل المجتمعية الواحدة، التي هي الاساس وليس الطبقة، باعتبارها مجتمعية ارضوية جسدية حاجاتيه بغض النظر عن دينامياتها المرتفعه قياسا لسواها من مجتمعات من صنفها، وعلى هذا المنوال توزع الطبيعة والغائية المضمرة المجتمعية العليا المهام على مجتمعات الازدواج بتدرجاتها، فما لايمكن تحققه ازدواجا مجتمعيا، تبدا انطلاقته في الموضع الازدواجي الادنى الطبقي بعدما يتلقى الدفعة الاقتصادية الانقلابيه الاولى من المجتمعية الامبراطورية الازدواجية في دورتها الثانيه.

 

 ولايتوقف مجرى التقابل التفاعلي والانصبابي التاريخي في الشرق المتوسطي مع الرد الاختراقي كما الروماني الارضوي الاول، والرد الاختراقي الابراهيمي المسيحي، كما الانصباب الشرقي الفارسي على منطقة الازدواج المجتمعي والرد الابراهيمي الاسلامي الذاهب الى الهند والصين، في حين حلت لحظة الانقلاب العظمى ابتداء بلا ادراكية في الموضع المهيأ كينونه لانبجاس الالة، بينما الموضع الذي كان وراء الدفعة الاولى المؤدية لظهور الاله بعد القرن الثالث عشر، يعود للانبعاث مع القرن السادس عشرمن ارض سومر، باعتباره الموضع المتلائم كينونه وممكنات ادراكية مع الحدث المادي الانقلابي اللاارضوي، والذي لايملك ادراك طبيعته وابعاده اللا ارضوية، بما يعني كون الانقلاب الالي الحاصل في اوربا، هو لحظة انقلاب لاارضوي  سومري كما الانبعاثية الراهنه الثالثة، يظل ابتداء  مغفلا ومحكوما لاشتراطات الارضوية الطبقية، ومن ثم لحالة اللامجتمعية والانتقال من المصنعية الى التكنوليوجية الانتاجية والعولمه التي تنهي الكيانيه "الوطنيه"، قبل ان تبدا حالة الانبثاق اللاارضوي الاعظم المنتظر منذ اول تبلور مجتمعي من ارض مابين النهرين، وينتهي زمن الانسايوان والمجتمعية الجسدية.

 ـ يتبع ـ