
1 تشرين والثورات اللاارضوية غير الناطقه/ 3
عبد الامير الركابي
للاسباب المنوه عنها فيما سبق بخصوص الدورتين الاولى والثانيه واشتراطاتهما المرهونه لليدوية الانتاجية، وقت لم يكن واردا الانتقال التحولي الاعظم المقرر والمنتظر وجودا وكينونة، وهنا يجب ان نقرا بانتباه غير عادي كل ما يتصل بحضور الثورات اللاارضوية، واخرها الراهنه، ثورة العشرين/ تشرين في القرن الواحد والعشرين، متخلصين من وطاة المنظور الاحادي الارضوي الغالب، باعتماد التصنيف اللاارضوي الازدواجي الفاصل بين حالتين ونوعين من الانقلابيه الموافقه لمنتهيات العملية المجتمعية وغرضيتها، فنضع باعتبارنا التفريق اللازم والواجب بلا ادنى تردد بين نوعين من التحول والانقلاب، الاول جسدي يظل ملازما للطور الاول اليدوي، ينتهي مع بدء الطور الالي التكنولوجي، حين يحل زمن الانقلاب التحولي العقلي وياخذ العقل الجسدي بالتراجع لصالح عملية التحول العقلي.
ويعني هذا اولا وبصورة حاسمه، محورية العقل وتوقف العملية الانقلابيه التاريخيه الكبرى على ما يتعدى الملموسات التبسيطية باسم العقلانيه و"العلم" بصيغته الجسدية الارضوية، الى ما يعود الى فعل التصورية الكبرى الخارجه عن وطاة الارضوية اليدوية باحاديتها ومحدودية ادراكها للعملية الكبرى الناظمه كقانون للتاريخ البشري المجتمعي، مع مايقتضية ويتطلبه انقلاب من هذا النوع المطابق للنوع المجتمعي الغير مكشوف عنه النقاب، مع تلوناته ومستويات تدرجه، والدور المنوط بكل مستوى وحالة يدوية، من نوع، وبالدرجة الاساس الازدواج الاصطراعي الارضوي اللاارضوي وماينطوي عليه من حقيقة غير مدركة هي المكتوب على المجتمعات بلوغها حتما، بينما هي تسير وفق قانون وديناميات الدورات والانقطاعات التاريخيه، وصولا الى ما بعد ارضوية، تقابلها تلك الماخوذه بفعل الازدواج الطبقي كما الحال الاوربي على الطرف الاخر من البحر المتوسط، ومايفرزه من منطوى ينبجس عند لحظة معينه من داخله بسبب انحباسه الاصطراعي، وتعذر انتقاله بذاته الى ما بعد اقطاع، مع قوة الحال الضرورة الانقلابيه الناشئه، ما قد اوجب ظهور الاله كعنصر وقوة فعالية من خارج، وغير نوع ما تتيحه المجتمعية اليدوية، وليبدا عندها زمن انتهاء المجتمعات اليدوية الارضوية واحاديتها، بغض النظر عن بقاء القصورية العقلية، واستمرارها على الاقل بانتظار وصول التحورية الاليه الى منتهاها النوعي التي هي مصممة اصلا للذهاب اليه.
للمجتمعات حين تولد وتتبلور غرضية وهدف محدد ضمن سياق الارتقائية الطويلة ومسارها التحولي، وهي بالمقارنه على ما قبلها محطة فاصلة ونوعية، معها ومع قرب انتهائها ينتهي تاريخ الجسدية بكل صنوفها الحيوانيه والراهنه الانسايوانيه، حيث بداية اطلاله العقل وحضوره الابتدائي المحكوم للجسدية واشتراطاتها بقوة مفعول اليدوية الانتاجية ومتبقياتها المنظورية حتى بعد حضور الاله، بالاخص بصيغتها المصنعية واحتدامها الانقلابي غير المسبوق، ما كان من شانه ان اتاح وحفز ظهور ميول اولية نحو تجاوز القصورية العقلية الغالبه والطاغية، ما قد اضطلع به الموقع الاعلى ديناميات بسبب ازدواجه الطبقي ضمن صنفه الارضوي حيث انبجست الاله اصلا، فكان ان عرف لاول مرة خضوع المجتمعات البشرية لقانون و"ديالكتيك" اخذا بها حكما الى منتهى ونتيجه مقرره هي "الشيوعية" كما قال ماركس، ومن ناحية اخرى ظهر مفهوم النشوء والارتقاء الذاهب بالكائن الحي من الخلية الاولى الى الكائن الحالي. فكانا وصارا قمة ومثالا من حيث الانقلابيه المنظورية العقلية للوجود من غير جنس المنظورية اليدوية.
تعرف البشرية واحدة من اكثر اللحظات والمنعطفات الانتقالية خروجا على الحقيقة مباشرة بعد انبثاق الاله في الموضع الطبقي من المجتمعية الارضوية، فيعم وقتها ما يمكن ان نطلق عليه "توهمية الانقلاب الالي بالمفهوم اليدوي الارضوي" وهو ما يسود مع مايسمى ب "الحداثة" و "العصر". واهم توهماتها انها تعتبر الاله وسيلة استكمال وتطوير لليدوية، فلا يخطر لها، بحكم كينونتها الادنى، ان ترى في الوسيلة النوعية المستجدة انهاء وازاله للنوع المجتمعي السابق اليدوي بكل بناه والياته بما فيها الطبقية، ويجري النظر الى الاله كوسيله ثابته ونهائية، او هي تحديدا وحصرا، تلك التي تظهر عند البداية، فلا يوضع بالحسبان احتمال ان يكون العنصر الانقلابي المستجد سائر نحو محطات واشكال ونمط وظائف اخرى، اي انه خاضع لعملية تشكل نشوئي اصطراعي مجتمعي ابعد من نطاق الموضع الذي يولد فيه، والاهم الاخطر هو العجز القصوري العقلي عن رؤية الحقيقة التحولية المجتمعية المرافقه والمواكبه لعملية التشكل الالي، من المصنعية الى التكنولوجية، مابين مجتمعية ارضوية طبقية هي الاعلى ديناميات ضمن صنفها، ومجتمعية انقطاعية آليه حصرا بلا تاريخ يدوي، تعيش كفكرة مغلقة ابادية لما قبلها، مع الانتساب غير المعقول للموضع التوهمي الاول الاوربي على صعيد الكيانيه والنظام، في مجتمع منفصل كليا عن البنيه المجتمعية الطبقية، وبلا مفاعيل يدوية سابقه الا بالتخيل، علما بان الكيانيه الامريكية المشار اليها، لا تلبث ان تحتل موقع الزعامه وقيادة مايعرف بالغرب، مدللة على خراقة ضلالات النموذجية الاليه الاولى، في الوقت الذي تنتقل فيه الالة متحورة، من المصنعية الى التكنولوجيا الانتاجية الراهنه، والمشرفه هي الاخرى على الانقضاء.
فهل من منتهى ولحظة انقضاء منتظرة يحل فيها زمن الانتقال التحولي الاعظم العقلي، وهل حانت الساعه حيث تنتهي صلاحية ما متبق من كينونه ونمطية المجتمعات والرؤى والقصورات العقلية، ومالذي يمكن توقعه كدلالة على اللحظة العظمى حيث تجاوز وعبور محطة الانتقال التوهمي الفاصل، بين البدء اليدوي والبدء الثاني الراهن العقلي، واين تكمن ياترى مرتكزات الانقلابيه الاكبر ادراكا وعنصرا ماديا. واضح ان المحطة التكنولوجيه من التحورية النشوئية الاليه قد شارفت على الانقضاء، واي نظر للمازق المتمثل في "الذكاء الاصطناعي" باعتباره محاولة اختلاق مخرج من الانغلاقية والموت الشامل للمشروع، او اي شكل من اشكال الرؤية التي تعطي المجتمعية القائمة مايجعلها موصولة بالمستقبل، هو بالاحرى صيغة تدميرية جوهرها الاجهاز على جوهر مسار الكائن الحي، ذلك في الوقت نفسه الذي يلوح فيه وراء المازق الالي، كما بسببه ونوع دلالاته، ممكنات القفزة التكنولوجيه العليا مابعد الراهنه، نحو الصيغة الاخيرة التكنولوجية العقلية، بدل الانتاجية التي تعظم الفارق بين نوع المجتمعية الباقية الى الان، ونوع وسيلة الانتاج التي هي الاداة المادية للتحول المجتمعي المنتظر لا المصنع، او تكنولوجيا الانتاج، من جهة اخرى صار لازما لزوما محتما الانتقال الى ما بعد القصور العقلي الحاكم للعقل البشري، بما يكمل التفاعلية اللازمه بين وسيلة الانتاج العقلية والافق المنظوري اللاارضوي المبعد حتى الساعه من النظر.
فاين وكيف ياترى يتجلى الانبثاق الاعظم اللاارضوي المنتظر منذ بداية التبلور المجتمعي وقد حانت ساعته، هذا ما تنتظرة تشرين 2019 ، كما ينتظره التاريخ البشري.
يتبع ملحق :"1 تشرين والانتقال للدعوة اللاارضوية العظمى"
