
الابراهيميه.. التعبيرية المجتمعية اللاارضوية المغفله (2/1)
عبد الامير الركابي
بكل مايمكن تصوره من الضجيج الادعائي، قدم الغرب الاوربي "علم الاجتماع"، اكتشافه الحداثي كمنجز فاصل وانتقال غير مسبوق في مجال المعرفة وعلاقة الكائن البشري بذاته والعالم، وذهب لاعتماد تلمساته الابتدائية على انها منجز نهائي غير خاضع لاحتمالية كونه مجرد افتتاحية، مع ان مثل هذا الاعتقاد كان له مايبرره بقوة ساعتها، بناء على النظر في سبب عدم تمكن الكائن البشري على مدى الاف السنين المنصرمه من الارتقاء الى مستوى التعرف على حياته كظاهرة ومعطى قابل للنظر والتعيين، فلم نسمع ابدا اي تساؤل بهذا الخصوص بالذات على مستوى العقل ومسارات تشكله وترقيه ضمن العملية المجتمعية، مع مايعنيه ذلك من احتمالات تظهر مناحي غير مكشوف عنها النقاب، ماتزال مطوية وخارج الادراك، وهو مايعني كون العملية الوجودية المجتمعية ظاهرة واقعية مادية وعقلية، العقل فيها عنصر اساس وجوهر من دونه ماكانت لتوجد.
معنى ذلك ان المجتمعية هي ظاهرة تفاعليه ازدواجية (عقل/ جسدية)، لامجرد (اجتماع + انتاج الغذاء) مايترتب عليه انقلاب كلي في النظر الى المجتمعية بدءا وتبلورا، ومن ثم سيرورة متصلة الى الان، العقل فيها والادراكية في حال تشكل مستمر باعتباره عنصرا في حال صيرورة، لا كما يقدمها اصحاب المنظور الاحادي الجسدي الذي يلحق العقل بالجسد باعتباره "عضوا" من اعضائه كانه الانف والقدم، او يتعامل معه كمتحقق نهائي، لاكعنصر ابتداء مع الانتصاب على قائمتين واستعمال اليدين، بعد ملايين السنين من الكمون داخل الجسد الحيواني الذي يظل غالبا غلبة كاسحه، قبل التحول الفاصل المفضي لانبجاس اول صيغة من العقل الابتدائي، باعتباره جوهر وغاية الوجود الحي المتحررة، الذاهبة الى مابعد جسدية والباقي في حالة تشكل وترق، بعكس الجسد الذي تتوقف اعضائه مع ظهور العقل عن النمو.
وضع او مقاربه كهذه لابد ان تاتي قاصرة واحادية جسدية حين لم يكن واردا للعقل الاوربي باعلى تجلياته التوصل الى كون الظاهرة المجتمعية ماقبل اكتشاف "اخر العلوم"، هي بالاصل ظاهرة انتكاس مجتمعي، محكومة الى مفعول الانتاجية اليدوية، وان الظاهرة المجتمعية حين تبلورت ابتداء في جنوب ارض مابين النهرين في سومر، كانت بالاحرى لاارضوية ولدتها اشتراطات الطرد البيئي، ومخالفة النهريين العاتيين فيضانا مدمرا معاكسا للدورة الزراعية، ماقد جعل الانتاجية اليدوية هنا اشبه بالاحتراب المقارب لاحتمالية الفناء، وفرض على العقل الوليد ان يذهب لايجاد الصيغة المقابله غير الارضوية الملائمه للكينونه فوق التملكية، وفوق السلطوية المحلوية، الامر الذي يتحول الى تشكل وصيغة مكتمله بذاتها، وهو مالا تتوقف اسباب اكتمال منطوياته واشكال تحققه، فالطبيعة وديالكتيكها الاعظم لم تجعل اللاارضوية البيئية مجرد حالة بذاتها، فلقد وجدت ارض مابين النهرين مفتوحه شرقا وغربا وشمالا للانصبابات البشرية النازله نحوالجنوب الخصب ببنيتها الارضوية اليدوية ونزوعها التسلطي، لتنشا وقتها حالة من الاصطراعية البشرية مع عاملين، البيئة المضادة الطاردة ووطاة الحضور الارضي ونزوعه الطبيعي للهيمنه غير الممكنه على نوع مجتمعية، اما ان تعيش بذاتيتها ونوع كينونتها البنيوية او تزول من الوجود، مايفتح بابا لانهاية له من الاصطراعية المستمرة، تنتهي اخيرا بتحور الارضوية البرانيه بناء على الاشتراطات الاصطراعية التي لاحل لها، فتذهب هي الى الاستقلال في مدن محصنه اعلى تحصين على حواف ارض السواد العليا، لتمارس من عزلتها المسلحة، ومحاولاتها حلب الريع الزراعي بالغزو الداخلي مع كلفته العالية، مايولد الميل الى الانكفاء الى وراء، فتظهر مبكرا للغاية النزعه الامبراطورية بظل وبنتيجه الاصطراعية الازدجواجية المجتمعية، مع تحوراتها الناتجه عن الاصطراع المشار اليه، هكذا ولدت "بابل" كنموذج ومن ثم "بغداد".
ساعتها تكون المجتمعية في حال تبلور اول بكوري سابق على بقية المجتمعات، وقبل تبلورها اللاحق الذي يمنح طرفا من العملية الاصطراعية الازدواجية (اللاارضوية/ الارضوية) كل مظاهر ومسوغات الغلبه، مع شمول الصيغة الارضوية لاجمالي التشكل المجتمعي على مستوى المعمورة، بسبب الانتاجية اليدوية وفعلها الجسدي الحاجاتي وماتكرسه على صعيد الرؤية والنظر لمجمل وجودها، وبالذات "حضاريتها" مع تكريس الاحادية الجسدية البشرية، والاحادية المجتمعية الارضية، في حين تخرج الظاهرة اللاارضوية كليا من الوعي، يعزز طردها واعفالها طويل الامد، حال العقل وقصوريته باعتباره عقلا جسديا محكوما لاشتراطات الجسدية اليدوية، متلائما معها وغير قابل لاختراق حدودها، الامر الذي يستمر حاضرا بقوة مع الافتتاح الالي المصنعي الاوربي وحداثياته الابتدائية هي الاخرى، بما يجعل محاولة اكتشاف مسالة هامه مثل "المجتمعية"، محكومه للتعامل مع بداهة تحول "علم الاجتماع" كما جرى تاسيسه اليوم، الى "علم الاجتماع الارضوي" القاصر والخالي من حضور الحقيقة الاكبر التي لامجتمعية من دونها.
وهذا ماقد تحقق مع "اخر العلوم" المتعارف عليه منذ الحقبة المصنعية من الاله، عندما كان مفعول اليدوية وموروثها مايزال بعد حاكما للعقل حيث استحالة قبول فرضية من نوع مجتمعية الكينونه الازدواجية العقل/ جسدية، واستحالة اكتمالها من دون تحقق عنصريها الاساسيان، فاذا كانت اليدوية الانتاجية الحاجاتيه، واجمالي التنظيم الموافق لها مكانيا جغرافيا حكومات ودول ومالك وامبراطوريات، مع مايتطلبه كل هذا العالم الهائل من جهد فان مايقوم وقتها على هذه الشاكله، يظل ناقصا فلاتكتمل الظاهرة المجتمعية الابالازدواج وبالاختراقية التعبيرية اللاارضوية الاولى المحكومه لاشتراطات الغلبه الارضوية اليدوية، وتظل الديناميات المحكومه لديالكتيك الطبيعه الاعظم كمثال تجعل الغرب الاوربي في حالة انصباب باتجاه الشرق المتوسطي مع الامبراطورية الرومانيه التي تنتهي بالاختراق الابراهيمي (1) وكذا من الشرق حيث الامبراطوريات الفارسية وانصبابها هي الاخرى في الشرق الاوسط، الى ان يتم اختراقها ابراهيميا مع من خلفها وصولا الى الهند وحدود الصين، ولايهم بهذا الخصوص اذا كان الازدواج الضرورة الكوني اللامكاني واللاكياني الذي يرتكز الى الكينونه البشرية، يظل مطرودا بفعل القصور العقلي والجهل، الى عالم الماوراء والمتافيزيق، وكل تخرصات العقل الارضوي الادنى وهو يسعى لتكريس احاديته النوعية، طادرا ماعداه ومالا وجود له من دونه، الى مامعروف ب " الدين" اي المجتمعية السماوية فوق الارضوية.
الاهم على هذا الصعيد هو النظر فيما اذا كانت اليات الاختراقية الازدواجية متوقفه عند الحاصل الى الان ام ان لها سيرورة ومنطوية على ديناميات مستقبلية، وتحديدا هل ان اللاارضوية الابراهيمه هي لحظة فرضتها شروط بذاتها ذاهبة للتغير والانقلاب، ام هي حالة نهائية، وهذا بالاحرى ماصارت تدل عليه مسارات التاريخ المجتمعي منذ بزوغ الاله والاصطراعية الناشئة بين موضع التعبيرية اللاارضوية الاولى في ارض الرافدين، والحضور شبه الابادي للغرب بصيغه الكيانيه التوهمية الاليه الايله لانقضاء الصلاحية، مايضعنا امام لحظة عظمى عنوانها حضور التعبيرية اللاارضوية الثانيه العليّة السبية، بعد الحدسية النبوية الاولى حيث زوال الارضوية وخروجها من الكينونة، وانتقال الكائن البشري من الجسدية الى العقل، وتحرره قبل انتقاله الى الاكوان الاخرى مغادرا الارض التي شارفت مهمتها على الانتهاء.
مايعني حكما، انتهاء وتبدل مفهوم الثورات والانقلابات التحولية كليا، مع كل صنوف التغيير المتعارف عليها بحسب الصيغ التفكرية الارضية الاحادية وقصوريتها الخارجة عن ابسط مقومات النظر الكلي للظاهرة البشرية المجتمعية، وما هي مصممه عليه من ديناميات الانتقالية الناظمه لوجودها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فبعد سقوط روما" راح الوثنيون وكانوا مايزالون هم الاغلبيه يعزون اسباب انهيار روما، والانحلال العام الذي اصاب الامبراطورية الرومانيه الى انتشار الديانه المسيحية/ اوروسيوس/ تاريخ العالم/ الترجمه العربيه القديمه حققها وقدم لها د عبدالرحمن بدوي/ المؤسسة العربيه للدراسات والنشر/ ص6
