للذهاب الى صفحة الكاتب   

الزيدي: إحياء القائم بمسرحية الانقضاض عليه

عبد الامير الركابي

 

 

 المسرحية التي اقدم عليها علي الزيدي هي ضرورة واجبه بحكم كينونة الوضع القائم نفسه، وجزء من اسباب استمراره ماعاد ممكنا تحاشيه، يدخل في ذلك كمستجد نوع الشخص الذي اتفق على الاتيان به بمواصفات توحي وكانه من خارج المنظومه الحاكمه، ان لم يكن لمجمل اشتراطات احتلال موقع رئاسة الوزارة من بين جمله من المتعاقبين على المنصب المذكور من عام 2003 الى اليوم،  ممن لم يعرف عنهم او لهم، اي دور سياسي او عام، او راي يمكن ان يذكر على المستوى الوطني، فضلا عن ان يتداول، مع انهم كحصيلة مجموعة صدارة ضمن صنف حثالي على هذا الصعيد، ما ان يغادروا مواقعهم حتى يسقطون من الذاكرة.

 غير ان عملية الترقيع ليست موكوله الى مجرد النيه وصولا للتنفيذ المحسوب، فالزيدي ليس بيده وسائل مختلفة عن نوع الحال ـ حتى لانضطر للقول "النظام" ـ فالانهيارية الريعيه القائمه في العراق من دون رؤية، وضع بما يحول الدولة بداهة الى غنيمه، بظل الانهيار التام على الصعد المختلفة، ومنها وفي مقدمها مايعرف ب "الوطنيه الويرلندية الزائفة" التي قامت بعد العشرينات وتاسيس الدولة البرانيه الانكليزيه ضمانا للمصالح الاحتلالية، يوم تبدل نوع البرانيه المستمرة تعاقبا على العراق من هولاكو الى العثمانيين، تعاقبا على احتلال للعاصمة الامبراطورية المنهارة من طرف قوى متعاقبة "يدوية"، الى صنف اخر مستجد اليوم هو النمطية الاحتلالية "الحداثية" الصناعية، وهي بما تملك في حينه من ممكنات كانت مهياه لان تسحق الذاتيه التاريخية العراقية غير المماط عنها اللثام، وهو ما تسبب بردة الفعل الكبرى استمرارا لثورة العشرين اللااارضوية غير الناطقه، وانتهى الى سحق واقتلاع شبح الدولة البرانيه الويرلندية وقتها في تموز 1958 ليدخل العراق فترة استحالة الدولة البرانيه، لولا الريعيه النفطية التي حضرت مقرونه بصيغتها الاولى، بالقرابيه والحزبيه، وهو طور دخول عامل من خارج العملية المجتمعية، مرتكز مفهوما ومبررا الى نفس الاسس الحداثوية الغربيه "القومية" و "الوطنيه"، ما يضعها بباب الطور الويرلندي الذاتوي الذي يحول البرانيه الى "وطنيه" ذاتيا تطوعيا من دون اكراه.

 

  هل ولد بالصدفة وفجاه وراء المعلوم والمنظور "قائد ضرورة" جديد يمكن فعلا ان يعدل الى حد من ايقاعية الريعية الحالية الانهيارية الكلية، ريعية "الدولة الغنيمه" الى صنف اخر او شكل "دولة" مختلف، وما هو ياترى، وهل يملك المقصود الوسائل الضرورية ومستوى الادراكية والارادة التي تؤهله مثلا لان يهدد بالانحياز الى قوى يمكن اعتمادها داخل المجتمع، من نوع "سائرون" على سبيل المثال، ما يعني المجازفة بالذهاب الى ما يقارب الحرب الاهليه هذا اذا كان من نعنيهم يمكن ان يلتحقوا بالمسرحية الجاري عرضها، ام يتهيبون متحاشين النتائج وما يمكن ان يترتب على خيار من هذا القبيل، مع توغل الفوضى وانتشار السلاح، وما يمكن ان يتمخض عنه التلويح بنوع تصرف وممارسة من هذا النوع، لا اساس ولا مرتكز مادي له، فالعراق الراهن هو عراق ريعيه بلا بنيه "وطنيه"، يعيش شروط انهيار الطور الويرلندي من التاريخ العراقي، بلا رؤية او نوع مقاربة مرتكزه الى ما يمكن ان يوفر بديلا او اية صيغة حكم قابل للحياة قبل انبثاق "العراق العراقي" المغيب على مر التاريخ.

 

 ولا يجوز الاستبعاد الكلي لاحتمال التدبيره الذاتيه الواعية للحاصل، سواء تحت وطاة الضغوط المختلفة، او استشعار احتمالات التفاقم غير القابل للضبط للاوضاع، ما قد استوجب الانتقال من حالة "النهب غير المضبوط والفالت" الى "النهب المنظم"، مما يمكن ان يعد من قبيل "المرحله" او "المحطة" الواجبه، ضمن مسار وجد عديم الضوابط ومن دون مفهوم او رؤية، اختيار شخص مثل علي الزيدي ليكون منفذا للانقلاب الوهمي عليه، شديد الايحاء من حيث ما يثيره من تخيل حلول "الشخص اللازم من خارج الصنف المتحكم بالمشهد" الامر الذي لا يخلو من مجازفه، يمكن توقعها بناء لما يمكن ان يحدث من تداعيات غير محسوبة بسبب الخطوة الاولى وما سيترتب عليها من ضرورات ايحاء لازم،  وضرورة عمليه واجبه ليس بمقدور على الزيدي الاضطلاع بها، لما تقتضية من دراية وحنكه حصته المعروفة منها "صفر"، ما قد يفضي الى المزيد من التفاقم العام، ويعيد تاجيج الضرورة الحالة على البلاد منذ عام 2003 حتى الان مع سقوط وانهيار كيانيه العراق الويرلندية، بعد ما يقارب القرن من الزمن الاحتدامي التاريخي.

 

 لاشك ان الاقدام على ما تم الاقدام عليه من محاولة "انقلاب على الذات" في الفترة الاخيرة، والتي ماتزال سارية، هو مؤشر حدثي استعراضي غير عادي دال على الاحتدامية المتعاظمة عراقيا، والبالغة الخطر والخصوصية، ما بين ضرورات التعرف على الذاتيه المغفله والغائبة على مدى عشرات القرون وخلال دورتين تاريخيتين: السومرية البابلية الابراهيمية الاولى، والعباسية القرمطية الانتظارية الثانيه، وصولا الى الحالية التي بدات مع القرن السادس عشر من ارض سومر مرة اخرى مع ظهور "اتحاد قبائل المنتفك" عام 1530 بظل وعلى الضد من البرانيه التتابعية في العاصمة الامبراطورية المنهارة، وصولا الى البرانيه الراهنه الاليه الغربيه بظل استمرار انعدام النطقية الذاتيه، اللاارضوية الثانيه، العليةّ السببيه، ما بعد النبوية الاولى الحدسية الابراهيميه، وقد تحولت الى ضرورة كونيه تتعدى ارض مابين النهرين الى العالم الذي  انتهت مرويته وتجربته التوهمية الاليه الغربية، في وقت صارت التبلورات الشاملة على مستوى العالم متطابقة لزوما مع اللارضوية وانبثاقها التحولي الذي سينقل الجنس البشري من الارضوية الجسدية الى العقلية، اتفاقا مع القانون الكوني المضمر المقرر للكائن البشري وللمجتمعات البشرية، انطلاقا من موقع البؤرة الازدواجية المجتمعية.

 

 اما الادراكية الذاتيه المؤجله تاريخا لتعديها الطاقة العقلية المتاحة على الادراك، او الفنائية، تلك هي اللحظة التي تخيم اليوم على ارض مابين النهرين، ارض البدئية الاولى العظمى، وارض المنظور الوطن كوني الابراهيمي الاول ما قبل التحققي، لانتفاء الوسيله في حينه، تلك التي صارت حاضرة من هنا فصاعدا بصيغة "التكنولوجيا العليا العقلية"، ومثل هذا التحدي الاكبر والاعظم على مر التاريخ البشري، ليس مما يمكن ان يقاربه على الزيدي  ومن هم حوله من الاميين والجهلة، والمنعدمي الرؤية على كل الصعد، واولها العراق بعظمته وما يستوجبه ويستحقه كمنجز كوني من عبقرية شامله وانقلابيه كبرى، ولايجب طبعا ان ننسى موت ما يعرف بالمنظورات الحداثية المستعارة التي تنظر للذات بعين الاخر، بعد خروجها الكلي من التاريخ.