للذهاب الى صفحة الكاتب   

زمن إنتهى.. لا دولة بعد اليوم!!/ 1

عبد الامير الركابي

 

 

 الدولة اليوم هي بداهة واعتياد تكراري مكرس على مديات زمنيه طويله تكاد تقارب بدايات التبلور الاجتماعي بصيغته  اليدوية والامر لهذه الجهه يمكن ان يظل قائما ويستمر يتارجح كما هو  لفترات قد تطول لان الاسباب الموجبه للانتقال العقلي البشري خارج اطار هذه الظاهرة الموصوله بالوجود بقوة، ماتزال غير متاحه، ولم يظهر مايلفت النظر الى ماهو حاصل  وان يكن مايزال ضمنيا كدلاله على انتهاء صلاحيتها.

  ليس هذا فحسب  فالانقلابيه المشار اليها بعد كل القرون الماضية تقتضي نوعا من الانقلابيه في الوعي ليس ممكنا او يمكن تصور حصوله بيسراو بمجرد صدور بعض الاشارات الداعية الى ماصار واجبا مما لم تعد الدلائل على حضوره العملي والملموس حاضره مع مانعرفه عن الكائن البشري بصيغته الارضية اليدوية من ركون الى المعتاد والقائم وقلة ميل الى اجتراح سبل التغيير والانقلابيه المكلفة على كافة الصعد غالبا.

 

 وقبل كل شيء هل يمكن على سبيل المثال القول بان "الدولة" ليست ظاهرة عضوية في الوجود المجتمعي، فضلا عن كونها دالة على القصورية التكوينيه البشرية يضطر الكائن البشري لقبوله من دون وعي تامينا للاشتراطات التي هو محكوم بها حاجاتيا جسديا ضمن الطور الانتاجي اليدوي الغذائي، بالاخص حين تكون الاشتراطات الانتاجية ملائمه، وهذه ليست دائما على هذه الشاكله فالمجتمعات تبلورت كما معروف ابتداء وتاريخيا في الشرق المتوسطي في مجتمعين نهريين احدهما احادي النهر والاخر ثنائي، الاول احادي المجتمعية والثاني ازدواجيها، فمصر تطبعها حالة المجتمع المتشكل في دولة الفرعون فيها هو الاله ومصدر الخير، بينما الحال في ارض مابين النهرين مزدوج جنوبه السومري لاارضوي والانصبابات النازله اليه من خلال حدوده المفتوحة شرقا وغربا وشمالا، ارضوية مما يكرس الازدواج الاصطراعي كديناميه تاريخيه.

 

 وحال مابين النهرين هو "شذوذ" مجتمعي تاريخي فالمجتمعات البشرية وقت تبلورت هذه الظاهرة وجدت على مستوى وسيلة الانتاج الممكنه "يدوية" جسدية حاجاتيه العمل فيها " انتاج غذاء" كان قبلها يصطاد او يلتقط من الطبيعه، بما يعني ان المجتمعات البشرية وجدت بالعموم ارضوية جسدية  بحسب الاشتراطات الاساسية التي انتظمت وجودها بالاخص حين تكون الاسباب الطبيعية  ملائمه كالحال المصري حيث النيل بخدمة المنتجين يفيض مع الدورة الزراعيه فيولد حالا من التالف واللحمه بين المنتجين واهم عناصر الانتاج بلا اصطراعية قد يولدها التناقض كما كان عليه الحال في ارض السواد في مابين النهرين حيث النهرين العاتيين المدمرين الذين يفيضان عكس الدورة الزراعية مولدان حاله من الاستنفار القصوى هي اقرب الى حالة الاحتراب الانتاجي مع الطبيعه ومن ثم الى التناقض ذهابا الى صياغة البنية المجتمعية بحسب اقصى اشكال اليقظة التي لا تتوقف ليلا نهارا ويجعل العقل بناء عليه ومنجزه تصارعيا محكوما للتناقض مع "الطبيعة" ساعيا للخروج على حكمها بحثا عن اية وسائل او سبل اخرى ان وجدت تولد باسم حاله "العيش على حافة الفناء" لتنتهي الى التبلور لاارضويا سماويا تظل في حالة تفاعل وتشكل الى ان تبلغ اعلى درجات الكمال المنظوري الدال على نمطية مجتمعية اخرى غير تلك الارضوية التي تقبل الفرعون الها بينما المنظور اللاارضوي ينقل القدرة والسلطة خارج الارض الى قوة عليا عظمى الحاكم فيها هو وكيل للالهه العظمى.

 

  ولا يقف عالم التشكل اللاارضوي عند الجانب البنيوي الابتداء فارض مابين النهرين بعكس مصر ليست محمية على الاطلاق بالصحاري والبحر بل هي مفتوحة شرقا وغربا وشمالا للسلالات تهبط عليها نحو ارض الخصب الجنوبيه معتقده انها قادرة على اخضاعها لنوعها ونمطيتها المجتمعية العادية الارضوية مايولد حاله لاتوقف ولاحصيلة لها من الاصطراع يضاف جنوبا الى الاصطراعية مع البيئة  لتزداد اسباب ا لتناقض مع اجمالي الوجود فداحة وتستمر على ماهي عليه خاصية ونمطية ازدواج مجتمعي ينتهي اخيرا باضطرار القوى الهابطة الى اقامه عالمها في مدن محصنه اعلى تحصين على حواف ارض اللاارضوية العليا تمارس منها محاولات حلب الريع الزراعي بالغزو الداخلي المكلف والمفروض، لتعود الى مدنها خلف اسوارها وتظل على ماهي معزوله عن المجتمع اللاارضوي الذي هو نمطية غير كيانيه، لايستقل الابصفته الكونية وتعبيريته العظمى كما تتجلى اخيرا في صيغتها الاولى النبوية الحدسية الابراهيمه، هكذا كانت "بابل" ومن هنا ولدت " بغداد" التي هي نتاج هروب العباسيين من الكوفة وانتفاضاتها التي لاتنقطع مستغلة الانفتاح الذي وفره كمدى هائل الفتح الجزيري الى الصين والهند ليتكرر الحضور "المديني الامبراطوري" كصيغة اصطراعية مقابله للاارضوية وكونيتها حيث الدورات الازدواجية وحالات الصعود والانقطاعات بلا محلية او كيانيه وطنيه، فلا "دولة" في العراق وتاريخه عبر دوراته الكبرى، السومرية البابلية الابراهيمه الاولى، والعباسية القرمطية الانتظارية الثانيه.

 

هذا لايعني الا توهما، بان اللاارضوية تظل غير متحققه، فان كانت كذلك فبحسب الاشتراطات الارضية الكيانيه الجغرافية، لاوفق خاصيتها وطبيعتها الكونية المتعدية للمكان كما الحال مع الابراهيميه العامة لغالبية الكوكب الارضي، والمحالة لابل المطرودة الى عالم "الدين" واللاملموس تعديا، ومن نوع التجبر الصنفي الالغائي للاخر تكريسا للذات، عدا فعل القصورية العقلية الادراكية التي تلازم الوجود البشري عند بدايات الانبثاق العقلي غير المكتمل، علما بان اللاارضوية وتعبيريتها الاولى تظل حية حاضرة تؤكد الازدواج المجتمعي مخترقه البنية الارضية بغض النظر عن سطوة وهيمنه المنظور والرؤية والسلوكية الارضية  واحاديتها الطاغية على مدى القرون.

 ـ يتبع ـ