
زمن إنتهى.. لا دولة بعد اليوم!!/ 2
عبد الامير الركابي
حين تكون المجتمعات احادية واحدة فان كل الظواهر المتصلة بها تكون مرتهنة لها ومحكومه لاعتباراتها، وهو كمثال تقريبي جزئي ماكان حاصلا في مجتمعات الازدواج الطبقي الاوربية قبل القرن التاسع عشر، قبل ان تكتشف الطبقات والصراع الطبقي بما افضى لانقلاب حل على المنظور البشري ازاء التاريخ وحركته ودينامياته والعناصر الرئيسيه الفاعلة فيه، وهنا ولد عنصر اساس من الغلبه والحضور الاحادي كما هو حال المجتمعية الارضوية بمقابل المجتمعية الاسبق تبلورا، مجتمعية اللاارضوية وبنية اللادولة التي توافق طبيعتها السومرية الاولى السابقة على "دول المدن" البابلية البغدادية الامبراطورية، وغلبتها الكاسحة اليدوية الجسدية من نوع تلك التي قامت كنموذج مجتمع دولة تاسيسي اصلا متزامنه في ارض النيل.
وليست مجتمعات اللادولة فريدة في بابها او انها استثنائية، فقد وجدت من دون اشتراطات تعبيرية في امريكا اللاتينيه في المايا والازتك، وفي القارة الامريكيه قبل الغزو الابادي الالي الاوربي، وفي استراليا وبعض افريقيا واسيا باشكال مقاربه، الاان هذه لم تكن لتاخذ موقع النموذجية والبداهة النوعيه بمقابل اشكال تشكلات الدول والامبراطوريات الكبرى شرقا وغربا بما كان لها من حضور وفعالية متعدية لحدودها، لدرجه تاخر حتى مايعرف ب "علم الاجتماع" و "الانثروبولوحيا" نفسها الى ما بعد قرن على اكتشاف ماعرف بالطبقات والمجتمعات، الى ان صار هنالك من ينظر في الدولة اللادولة ومجتمعاتها، وهي واحده من جملة ظواهر القصورية الغربيه التي رافقت حداثيتها المعروفة بتوهمياتها(1).
ويقترن اكتشاف الطبقات وظهور "اخر العلوم" بالاله والانتقال اليها ضمن اشتراطات البنية الاوربية الازدواجية الطبقية الاعلى ديناميات ضمن صنفها الارضوي اليدوي، والتي ظلت محكومه بالسقف الارضوي من حيث المنجز المتولد عن التسارعية الاليه التي سببتها الانقلابيه الالية، فلم تتمكن ادراكا من اختراق الحدود الارضية الاحادية، لتظل غاطسة خارج التعيين الضروري للانقلابيه الكونيه الاليه ما بعد اليدوية، وعجزت عن ان تذهب بعد او مع المعروف ب "علم الاجتماع" او "الطبقات واصطراعها"، الى الظاهرة الكبرى الازدواجية المجتمعية الاصطراعية المنطوية على الحقيقة العظمى المجتمعية.
وبرغم ضخامة المدلول الاخذ الى الظاهرة المجتمعية الاخرى اللاارضوية المتوطنه بين تضاعيف المجتمعية الارضية على مستوى المعمورة، فلقد عجز الغرب الحديث عن ان يعيد النظر في المنظور والمروية القصورية الاحادية الارضية التاريخيه عن التعبيرية اللاارضوية المحالة الى مايعرف الى اليوم ب "الدين" كضرورة ذاتيه بغض النظر عن جمعيتها/ مجتمعيتها، في حين جرى تكريس ماعرف على انه "علمانيه" و "عقلانيه"، ليظل الانقلاب الالي بطورة الارضوي الاحادي خارج الحقيقة التحولية الانقلابية، غير الممكن الاقتراب منها وعيا من دون الوثبة الثالثة الاعظم في الوعي البشري فوق الطبقي أوماخص "علم الاجتماع" وبداياتهما المتاخرة، فلقد ظلت القضية الاخطر والحاسما الانقلابيه النوعية الاهم بما لايقاس، والتي اليها تؤول الانقلابيه المجتمعية الراهنه، خارج البحث، لابل وجرى اقصاؤها كما لم يحدث من قبل على مر التاريخ.
"الازدواج الاصطراعي المجتمعي" هذا هو الجانب المضمر غير الممكن ولا المتاح للعقل البشري على مر التاريخ مقاربته اكثر من الطبقية واصطراعها، والمجتمعية كظاهرة ومعطى قابل للمعالجة والنظر، وهي الانعطافة الاعظم قبل ان يتعرف الكائن البشري على منطويات وجوده، وعلى نتائج مقاصد ومنتهيات الانقلاب الالي، والى اين مقرر له ان يذهب، وبايه صيغة تحوليه عظمى، قبل ذلك يكون العقل قاصرا غير قادر على ادراك تاريخه، ناهيك عن وجهة التحولات الحالة عليه، كما كان اجمالا وعلى مر التاريخ البشري اليدوي بما خص المسالة المجتمعية ومقاربتها، الامر البديهي والتحولي العقلي العضوي.
الظاهرة المجتمعية ازدواجية نوعيه لاارضوية/ ارضوية، تتبلور ابتداء "لاارضوية" وتكتمل تشكلا ذاتيا قبل ان تحضر الارضوية هابطة من الاعلى او من الشرق والغرب والشمال باتجاه ارض سومر، لتبدا ديناميات الاصطراعية التي تتحول الى ديناميات بنيوية لاحل لها (امبراطورية ارضوية/ تقابلها تعبيرية لاارضوية تبدا ابراهيمه كونية شامله تكرس الازدواج في البنى المجتمعية الارضية) وهو طور الانتظار الطويل والدورات الاصطراعية الكبرى، تمر بها ارض مابين النهرين منذ ان تبدا اللاارضوية في الدورة الاولى السومرية البابلية الابراهيميه، تنحو الى التحقق نوعا وطبيعة بتجاوز الارضوية الجسدية الحاجاتيه، فيحول دون ذلك ويمنعه نقص الوسائل المادية، وعدم توفر "وسيلة الانتاج العقلية" في حينه، ناهيك عن الادراكية العليا الضرورة، مايمنح الارضوية بفعل وقوة حضور اليدوية الجسدية، الاسباب للغلبه المطلقة والطويلة، وهو مايستمر حتى بعد الدورة الثانيه التي تمر على ارض الازدواج بصيغتها العباسية القرمطية الانتظاريه، وبعد ان تفلح في ايقاظ اسباب الانقلابيه الاليه التكنولوجية العقلية بتحريك البرجوازية التجارية الاوربيه بقوة فعل حركة الاقتصاد العالمي التجاري الريعي ومركزه العالمي بغداد، تعود لتظهر مرة اخرى ذات القصورية المانعه للانقلابيه التحولية الكبرى فوق الجسدية، وليظهر في حينه اعلان "المهدوية" مابعد التعبيرية النبوية كاشاره الى قادم لزوم مقبل حتما، يعود للانبعاث مع القرن السادس عشر، حين تبدا الدورة الثالثة الراهنه "الناطقة" من ارض سومر تكرارا في وقت استهلالي قبيل الانبثاق الالي بصيغته المصنعية الاستهلاليه الابتداء على المنقلب الاخر الاوربي الازدواجي الطبقي الاعلى ديناميات ضمن صنفه.
تلك هي الساعه المنتظرة، ساعة توفر الوسيلة المادية اللازمه والتي لاتحولية من دونها، في حين يدخل العالم حالة استثناء غير مالوفة، وتسارع استثنائي في الديناميات المجتمعية ومنها العقلية، ويصير النطق الاعظم المؤجل هو الاخر على الابواب بامل كسر طوق القصورية العقلية، بعد كل تاريخ المجتمعات البشرية السابقة، والراهنه الاحتدامية تحت طائلة الانقلابيه الاليه ومايرافقها ابتداء من التوهميه الاحادية، عندما يقترب العقل البشري من اللحظة العظمى المؤجله، ويصير امام بوابة الازدواج المجتمعي والتحولية الكبرى، من الجسدية الى العقلية.
ـ يتبع ـ
