للذهاب الى صفحة الكاتب   

"الحركة الوطنيه اللاعراقية" والفشل التاريخي الفاضح/ 4

عبد الامير الركابي

 

 

 ارض مابين النهرين هي كيانيه كونية لا تتجلى "وطنيا" ولا "قوميا"، وهي موضع فيه تنطوي الحقيقة المجتمعية البشرية الوجودية اغراضا ومقاصد ومنتهيات باعتبارها عملية انتقال الى اللاارضوية  العقلية بدل الجسدية الراهنه، بعد طور اليدوية الارضوية الذي يتغلب نمطا ونموذجا ابتداء، مرت  بدورتين كبريين وتعبيريتين، الاولى الابراهيمه النبوية الحدسية وثانيه لم تخرج من نطاق الاولى واشارت الى قادم مازال لم يحن اوانه بعد هي "المهدوية الانتظارية"، وهما دورتان تواكبان الانتاجية اليدوية الارضوية الجسدية الاحادية، بينما انبثقت الانبعاثية الثالثة الراهنه ضمن شروط  انتهاء الطور اليدوي وبدات مع القرن السادس عشر اشارة سابقه مبكرة على الانقلابيه الكبرى القادمة على المنقلب الاوربي من المتوسط، بعد ان كانت ارض مابين النهرين ودورتها الازدواجية اللارضوية الامبراطورية الكونية قد هيات اسبابها اقتصاديا تجاريا، محفزة بعد القرن العاشر الديناميه الاصطراعية في الموضع الازدواجي الارضوي الاكثر ديناميات ضمن صنفه، موضع الازدواج الطبقي الاوربي حيث ستنبثق التحولية اللاارضوية بصيغتها المادية الالية كابتداء ضروري، ومفتتح لازم على طريق تحور وسيلة الانقلاب، من المصنعية مرورا بالتكنولوجا الانتاجية الراهنه، وصولا الى "التكنولوجيا العليا/ العقليه" اللاارضوية التي هي الهدف والمقصد من العملية التحورية الانتقالية مابعد اليدوية، التي تعود بداياتها الى الدورة الازدواجية المجتمعية الثانيه في ارض مابين النهرين.

 

 وبمقابل الحاصل الانقلابي على المنقلب الاوربي بعد انبثاق الاله، سارت عملية التشكل اللاارضوية الرافيدينه من القبلية الى الانتظارية النجفية الحديثة في حقبتين وجدتا ضمن اشتراطات خاصة  من غير نوع التشكلات التي كانت تحصل في الدورتين الاولى والثانيه، فانهيار عاصمة الامبراطورية في الدورة الثانيه لم ينته كما حصل مع بابل الى اندثار وفراغ على مستوى المحيط، بل ظلت بغداد المنهارة قائمه اسما وكرمز، في حين سادت حالة من البرانيه اليدوية تعاقبت عليها الدول واشباه الامبراطوريات الشرقية، من هولاكو  وصولا الى مابعد العثمانيه، ماقد حور نوع الازدواج المجتمعي واصطرعيته، خصوصا بعد ظهور "اتحاد قبائل المنتفك" فالاصطراعية الراهنه  صارت موكوله على مستوى الاعلى الى دول لها مقوماتها وركائز خارج المكان، تكتسب صفاتها منه لامما تفرضة الاصطراعية الثنائية يوم كان الافق خاليا من ثقل الدول شمالا ايام سرجون الاكدي وبابل، او في الدورة الثانيه مع الافق الذي اتاحه الفتح الجزيري شرقا وصولا الى الصين، وهكذا تبدل مغزى ومنطوى الاصطراعية  ضمن حلول اشتراطات مابعد اليدوية وصولا الى البرانيه الاليه الاوربيه المختلفة نوعا، تفكرا ونموذجا واقعا، مالم تكن الدول السابقه تتوفر عليه، ماابقاها فعليا خارج السيطرة  حكم براني بالاسم لاتتعدى سلطته حدود بغداد المنهارة، بينما انتقل الغرب عند حضوره الى صيغة الافناء النموذجي بما توفرت له من اسباب الهيمنه على مستوى المعمورة على الصعد كافة، فكان مفهوم وواقع "الدولة" الحديثة، والمنظور التاريخي المجتمعي الاحادي المواكب، وشموليته المهياة بظل استمرار القصورية التاريخيه المجتمعية لابناء البلاد ممن بادروا لتبني منظور الغرب وقبلوا النظر لذواتهم به، وان من موقع مناهضته بصيغة السيطرة والاحتلال المباشر التي اعتمدها في طوره الكولنيالي وهي خاصيته الاساس.

 

  تبدا المجتمعميه بالتبلور في ارض مابين النهرين في سومر فوق محلية لاارضوية، خارجة عن اشتراطات اليدوية، "لا كيانيه وطنيه" ولا " قومية"، وبلا دوله وتمايزات سلطوية وعلى مستوى التملك، يقف بوجهها الانتكاس الارضوي اليدوي المحلوي الكياني الجسدي الحاجاتي التملكي والسلطوي، مايعني بعكس ماقد كرسته الاحادية على مر التاريخ، ان المجتمعات تعبيران، ارضوي هو الشائع الغالب والذي هو انتكاس بمقابل نوع التجلي والتعبيرية اللاارضوية الكونية المنطوية على الهدف من المجتمعية، والتي لن تلبث ان تتجلى تعبيريا في الابراهيمه النوع المجتمعي الاخر بلا قوميات ولا جغرافية، تنحو الى اختراق المجتمعات الاحادية جاعله منها مزدوجه برغم ظروف عدم توفر الاسباب الضرورية لتحققها، وهو ماقد اقترب منذ ان انبثقت الاله، وان حصل ذلك ابتداء في غير الموضع اللاارضوي التاريخي حيث ممكنات تحقق اللاارضوية ماتزال غير جاهزة بعد، بانتظار مسيرة التحورية الاليه بالاصطراعية الاليه المجتمعية، من الاليه الاولى الافتتاح المصنعية، الى التكنولوجية الاولى الانتاجية، وصولا للعقلية العليا.

 

  خلال هذا الجزء من تاريخ الاله الانتقالي تكون اللاارضوية المنبعثة اليوم مع القرن السادس عشر حاضرة بما هي وبحسب كينونتها وطبيعتها فوق المحلوية، ومع العشرات من الانتفاضات المسلحة، وكل مايمكن ان يكرس الكيانيه العادية، لاتظهر اية ميول من هذا النوع في هذا الجزء من المنطقة،  ومع ان المنتفك هي التي حررت البصرة من الصفويين وطردتهم من دون اي تدخل عثماني، وقامت بمايزيد على 150 انتفاضة وصدام مسلح خلال اربع سنوات من الوجود العثماني، منها الثورة المعروفة بالثلاثية  عام 1787 والتي حررت المجال الاسفل من بغداد الى الفاو، الا ان نوعا استقلاليا كيانيا لم يعرف هنا من نوع " الامارات" كمثال، وحين مال ثويني العبدلله  قائد الثورة وشيخ مشايخ المنتفك للمطالبه بولايه بغداد باعتباره "الاسد الذي يحميها من العجم ويؤمن الطرق" كما ورد نصا في المذكره المرفوعة للباب العالي من البصرة حيث تجمع الثوار واهالي البصرة، تسارع الميل الذاتي الى نزع السلطة القبلية  السارية لصالح المركز النجفي القيادة الجديدة، ودولة  اللادولة بلا سلاح والتي تحرم انتظاريا/ تاريخيا لاارضويا من متبقيات الدورة الثانيه، اي اتباع للحاكم في زمن الغيبه، وهو ماصار السائد اليوم في ارض السواد من القرن الثامن عشر وبسرعه ملفته (3) كمرحله تشكليه ثانيه.

 

 لو كان العقل "العراقي" حاضرا في العشرينات من القرن المنصرم لكانت موضوعته الرئيسيه في نظره الى ذاته والاخر المحتل بالاخص بعد الثورة اللااارضوية الاولى عام 1920 هي "لا للعراق الويرلندي"، وبالطبع لمرويته عن العراق وكيف تشكل من الولايات التركيه الثلاث وارتبط بالنظام العالمي (علما بانه موجود تشكلا قبله باكثر من قرنين) وصولا لاقامه "سوق وطنيه" ومن ثم " اقامة الدولة" عام 1921، وهي مروية جاهزة مفروضه بلا اي دليل،  سمتها الاساس، الوقاحة، في موضع كل الدلائل تنفيها، عدا عن اللوحة التشكلية واعلانها الاخير الراهن  الذي انفجر عام 1920 بوجه المحتلين ذاتيا  بلا "حركة وطنيه" وبلا "قيادة" محدده، دالا على الخصوصية المخالفه جملة وتفصيلا لما كان ويرلند يحمله من مفاهيم عن المجتمع والدولة وكيفيات فبركتها لاجل الاخضاع.

 

   لا وجود في التاريخ ل"عراق" من نوع انكلترا او فرنسا ومجمل دول اوربا، وهو موضع كوني موجود في تضاعيف هذه الدول ومجتمعاتها "ابراهيما"، يخترقها كعنصر كينونه وحين قام  مع بدء تاريخه الاطول بين التواريخ ككيان ازدواجي ابتداء، كان امبراطوره يقول وقد احتل عيلام شرقا والاناضول والشام، وعبر البحر الى جزيرة كريت: "انا حاكم زوايا الدنيا الاربع" كما صرح  سرجون الاكدي 2371 / 2316 قبل الميلاد، وعاد  خليفتة من الدورة الثانيه وخاطب الغيوم مجيزا لها ان تمطر حيث تشاء لانها في ارضه، وكل هذا ابان الزمن اليدوي بلا قوة ديناميات الالة، يوم لم يكن لبريطانيا وجود يذكر، والاهم في كل هذا هو المعنى والدلالة المضمرة في وجود هذا المكان وتاريخه، مما لايجيز ولايمكن ان يسمح باية مقاربه جاهزه من نوع تلك التي لجأ لها الاحتلال الانكليزي من دون ان تكون من قبيل الخطل والقصورية العقلية والجهاله المطلقة بابسط حقائق التاريخ الترقوي ممتدة الى الحاضر بقوة التوهميه الناجمه عن الالة في ساعتها الاولى، علما بانها اصلا وبداية ليست منتوجا اوربيا ذاتيا، بل نتاج فعالية الامبراطورية الكونيه الازدواجية في دورتها الثانيه ونظامها الاقتصادي العالمي، وعاصمته بغداد.

    ـ يتبع ـ