اخر الاخبار:
الحشد الشعبي ينسحب من مركز سنجار - الأحد, 19 تشرين2/نوفمبر 2017 10:45
قطعات من الحشد الشعبي تنسحب من زمار وربيعة - الأحد, 19 تشرين2/نوفمبر 2017 10:09
تقرير : احذروا.. داعش سيعود بطرق اخرى - الجمعة, 17 تشرين2/نوفمبر 2017 18:10
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مبدعون وابطال الحرية

نينوى البصرة (شهيد وشهادة)// عبدالمطلب عبدالواحد

الشهيد وليم شمعون شعيا

 

نينوى البصرة (شهيد وشهادة)

عبدالمطلب عبدالواحد*

 

لم يكن الشهيد وليم شمعون شعيا المولود في مدينة نينوى اقصى شمال الوطن عام 1949 في نظر اقرانه وزملائه من الطلبة والشباب في عاصمة الجنوب، مدينة البصرة أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي، إلا شخصاً يثير الاعجاب، بهدوئه وبحسن معشره ووعيه المتجذر وطنياً وأممياً، مختزناً في اعماقه معاناة كادحي وطنه وتوقهم الى الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية... وحين يستجد الجد، يتقدم وليم الصفوف دفاعاً عن مبادئه والمثل الانسانية التي تجري في عروقه بحرارة، غير هياب للمخاطر.

 

ومنذ شبابه المبكر، تعرّض للملاحقة والفصل من الدراسة والتوقيف، وحتى محاولات التهديد بالسلاح الناري عندما كان طالباً في ثانوية العشار. كان من الناشطين البارزين في المجال الطلابي وقيادياً في اتحاد الطلبة العام، المنظمة الديمقراطية التي كانت تدار من قبل الشيوعيين واصدقائهم.

وكان الابن الاكبر لعائلة تمترست بأصالتها الوطنية العراقية، وتماهت بها بإمتياز، وذادت عنها، ودفعت جراء ذلك من أرواح ابنائها، اضافة الى الخسائر المادية والمعنوية الاخرى. وما تزال في ذاكرة البصريين من زملاء الشهيد وليم في المدرسة والعمل، ورفاقه واصدقائه (والدته) تلك الأم الحنون التي فتحت قلبها وبيتها لهم ، وغمرتهم بحنانها ومحبتها وكرم ضيافتها. وقد جسّدت تلك العائلة المتكونة من الام والاب واخت واحدة والاخوة الثلاث، في العلاقات الاجتماعية والتطلعات السياسية، عيّنة نموذجية من تيار شعبي جماهيري ، يطمح ويعمل مخلصاً من اجل ازدهار الحياة في البلد والمجتمع، لاضفاء قيم التقدم والخير والجمال والانسانية والمساواة على كافة افراده.

استشهد الرفيق وليم شمعون في 31/05/ 1983، حيث تم اعدامه وفقاً لقرارات محكمة الثورة السيئة الصيت، بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي العراقي، ومن المعروف ان سلطة البعث في صيف وخريف 1983 ارتكبت سلسلة من الاعدامات الوحشية الجماعية لخيرة ابناء وبنات شعبنا من المناضلين الشيوعيين، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تم اعدام 21 شيوعياً دفعة واحدة في ايلول 1983، كان من بينهم الشهيد محمد جواد طعمة (ابو زيتون) العضو المرشح للجنة المركزية، والشهيدة فريال احمد الاسدي، والشخصية النقابية الشهيرة، الشهيد هندال جابر، والشهيد هاشم حاتم (ابو وسام) عضو اللجنة العمالية، الرفيق والصديق الشخصي للشهيد وليم، والجميع كانوا من محافظة البصرة.

في الذكرى الثانية والعشرين لتأسيس اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية (تأسس في 14 نيسان 1948) التي تزامنت مع الذكرى المئوية لميلاد لينين في 22 نيسان 1970، اتخذت اللجنة القيادية لفرع منظمة الاتحاد العام للطلبة في ثانوية العشار ، واحتفالاً بالمناسبتين في آن واحد، قراراً بتوزيع الشكولاتا (الجكليت) على الطلبة والمدرسين. وفي مثل هذه الاجواء الاحتفالية تجري العادة على وضع شعارات سياسية داخل كل مغلف من قطع الشكولاتا الصغيرة التي توزع على الجمهور. وفعلاً تم تنفيذ المهمة بجدارة، واضطلع بمهمة التوزيع على الادارة وغرفة المدرسين الطالبان الجسوران وليم شمعون وقاسم الحلفي، فيما قام آخرون بالتوزيع على الطلبة في ساحة المدرسة.

 وقد ارعبت هذه الاحتفالية المتواضعة الطلبة الموالين للبعث وادارة المدرسة بشكل جنوني، باعتبارها تحدياً صارخاً لهيبتهم المدعومة ببطش السلطة، ولذا عمدوا الى افتعال قضية للايقاع بالطالبين. فقررت الادارة حينها تفتيش غرف الصفوف، تحرك مدير المدرسة بصحبة طلبة الاتحاد الوطني (الطلبة البعثيين) نحو الطابق الثاني من البناية للاشراف على افراغ الصفوف من الطلبة ، واثناء وجوده في الباحة المؤدية الى السلم وقعت عينه مباشرة على الرفيق وليم النازل على العتبة الاولى من السلم، الى جانبه الرفيق قاسم. استشاط المدير غضباً وطلب النزول بلهجة آمرة، ولكن الرفيق وليم تجاهل الطلب وحافظ على هدوءه واقفاً حيث كان.

 عنيفاً وسريعاً كان رد فعل مدير الثانوية آنذاك (غازي الديراوي) وهو من الوجوه القيادية للبعثيين في المحافظة، سحب مسدسه، ووجهه نحو الرفيق وليم، ولكن مدرساً في الثانوية يُدعى (ابراهيم الزند) كان يقف وراء المدير مباشرة وهو من الاساتذة الجيدين والمحبوبين من قبل الطلبة وكان ايضاً أحد الوجوه الديمقراطية في الثانوية، تدخل على الفور وامسك بالمدير، عندها نزل وليم وزميله قاسم الى الطابق الارضي نحو ساحة المدرسة، واتخذا مكاناً قريباً من الحانوت، وهو موقع يمكنهما من خلاله الدفاع عن نفسيهما فيما لو تعرضا لاي اعتداء.

وفي الوقت الذي لم يسأل أحد مدير المدرسة عن فعلته المشينة في الحرم المدرسي، تم في نفس اليوم عقد اجتماع لمجلس المدرسين (مجلس إنضباط)، بطلب من المدير لبحث القضية والمطالبة بفصل الطالبين من المدرسة كلياً، ولكن وبتأثير الموقف الشجاع للاساتذة الديمقراطيين تم الاكتفاء بمعاقبة الطالبين وليم شمعون وقاسم الحلفي بالفصل من الدوام في المدرسة لمدة 14 يوماً فقط. وقد اثارت الحادثة تعاطفاً واسعاً مع الطلبة الشيوعيين، خصوصاً وان عام 1970 تميّز بحملة اعتقالات واسعة تعرض فيها عدد كبير من الرفاق الى حملة تعذيب وحشي، استشهد فيها عدد من كوادر ورفاق الحزب وتم تصفية منظمات بأكملها، وكانت صلابة وبسالة الجيل الجديد من الشيوعيين عاملاً في لملمة واعادة بناء منظمات الحزب من جديد.

لم يستطع الرفيق وليم استكمال تحصيله الدراسي بفعل الملاحقات الامنية من جهة، وانشغالاته السياسية وكثرة المهمات الحزبية التي كان ينهض بها من جهة اخرى، ولذا عمل مع والده الذي افتتح محلاً لخياطة القمصان الرجالية في سوق حنا الشيخ الجديد في العشار، مركز مدينة البصرة.  وقد وفرت له هذه التجربة الاحتكاك بالعمال العاملين في المهنة، وكذلك بقطاعات متنوعة من مختلف الاوساط الاجتماعية. واستطاع بمهارته التنظيمية وكفاءته الفكرية والسياسية ان يتقدم الى اللجنة العمالية في محافظة البصرة وهي اعلى لجنة قيادية بمستوى اللجنة المحلية في سبعينات القرن الماضي، في حقبة التحالف مع البعث.

عندما تصاعدت الحملة الارهابية لسلطة البعث الصدامي ضد الشيوعيين وكافة القوى والشخصيات الوطنية والديمقراطية، كان وليم مستهدفاً بشكل مباشر من قبل ضابط امن السعودية (سامي المياح)، وكان مشغل الخياطة الذي يعمل فيه مراقباً طوال الوقت من شرطة الامن بثياب مدنية، وقد استدعي للتحقيق وتعرض للتعذيب مراراً.

ومن المواقف التاريخية المشهودة، ان الشهيد وليم وحسن الملاك والشهيد ابو وسام ورفيق آخر صمدوا لايام طويلة في بناية مقر اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي الواقع في الحكيمية قريباً من معمل السينالكو آنذاك ، والذي حوصر من قبل القوات الامنية ابان الحملة ومنعوا الدخول اليه، او ايصال الحاجات الشخصية بما في ذلك الغذاء والدواء. وتمكن المحاصرون من تدبير أمورهم بمساعدة الجيران والمعارف والصلات التنظيمية عبر سطوح المنازل، وحالوا دون اقتحام القوات الامنية للمقر، وقد استطاعوا التسلل منه ليلا بعد تنفيذ المهام المكلفين بانجازها.

لقد اختار الشهيد وليم طريق الشيوعية سبيلاً لتحقيق تطلعاته الانسانية، متسلحاً بحب وطنه، وبقدراته الشخصية، وايمانه العميق بحقه المشروع في خياره الفكري والسياسي. واضعاً نفسه وفكره وعمله في اطار من الجهد الجماعي لتحقيق آماله بمستقبل مشرق له ولشعبه وللانسانية، غير ان اعداء الحياة تغلبوا عليه جسداً، ولكن وجوده وامثولته وذكراه تظل تنير الطريق للسائرين على هداه، وسيظل وهجه، شخصاً وفكراً ملهماً لنا وللاجيال القادمة المتطلعة للديمقراطية والحياة الحرة الكريمة. كما سيبقى نخيل البصرة يهمس بأسمه مع كل نسمة هواء تلامس جدائلها المتعالية، بالفخر والاعتزاز.

- المادة حصيلة حوار مع الرفيق قاسم الحلفي (ملازم قصي)

* لأبداء الملاحظات على المادة، الكتابة على الايميل التالي:

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.