اخر الاخبار:
اختفاء 50 عراقيا في ألمانيا - الثلاثاء, 19 أيلول/سبتمبر 2017 10:25
"الحياة الطبيعية" تعود إلى كركوك - الثلاثاء, 19 أيلول/سبتمبر 2017 09:05
انطلاق عملية تحرير عنة من ثلاث محاور - الثلاثاء, 19 أيلول/سبتمبر 2017 08:58
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مبدعون وابطال الحرية

وفاءاً للشهيد عادل كامل الربيعي// كمال يلدو

 

وفاءاً للشهيد عادل كامل الربيعي

كمال يلدو

 

مَن سيتمكن يوما من حساب الجرائم التي اقترفها حزب البعث وصدام حسين بحق العراق والعراقيين....مَن؟ فكيف يُعقل أن يكون ثمن حمل فكر سياسي مخالف لفكر (الحزب القائد) القتل، أو التغييب، او الغربة او الحرمان والدمار؟ وأية احزاب تبرر لنفسها هذه الاعمال والجرائم الشنيعة بحق معارضيها؟ ألم يحن الوقت لنعي، ويعي العراقيين بأن وطنهم لن يتقدم ويتطور مالم تكون القاعدة فيه المساواة والعدالة والقانون، مالم  يضع الحاكم قضية الشعب امامه قبل كل شئ، مالم يجري فصل الدين عن الدولة ويكون الشعب هو الحارس على التبادل السلمي للسلطة. نعم، أربعين عاماً من الغربة عن وطني الذي أحببته وضحينا من أجله، اربعين عاما وأولادي لم ينعموا بذلك الفضاء تحت هذه السماء الزرقاء ، العراق!

جراح بعمق الالم وطول الليالي وحزن الاطفال، عسى أن تكون بذوراً لوطن الحالمين والعشاق والمحبين،وطن الموسيقى والمياه والشمس المشرقة، والقمر ساعة الغروب، وطن يجمعنا  بين ذراعيه!

**

ولد الشهيد عادل كامل الربيعي في مدينة الحلة في كانون الأول ١٩٤٨، رغم إن عائلته تنحدر أصلاً من مدينة الكوت، لكن طبيعة عمل والده ( موظف في القائمقامية ) كانت سبباً في تنقلات العائلة.بعد أن انهى دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية، دخل كلية التربية وتخرج من قسم البايولوجي عام ١٩٧٠. عمل بعدها في سلك التدريس في الرمادي والحلة. حصل على زمالة دراسية للاتحاد السوفيتي عام ١٩٧٥ونال شهادة الدكتوراه عام ١٩٨١، فيما ترجمت اطروحته الموسومة ـ تطبيع الخلايا السرطانية ـ الى اللغتين الانكليزية والالمانية في حينها، وعندما منحته الجامعة السوفيتية (هدية مالية لبحثه هذا) عاد وتبرع بها للجامعة عرفاناً على ما تسديه من خدمات له وللطلبة الاجانب. اقترن بالسيدة إنعام المهداوي عام ١٩٧٦ في الاتحاد السوفيتي، وأنجبت له بنتان (سلام عادل، ونداء عادل) وولد واحد (علي عادل) ولو قدر له الحياة الآن لكان قد شهد (٦) احفاد. بعد انتهاء دراسته  وبسبب تصاعد موجة الارهاب في العراق، قصد سوريا عام ١٩٨٢ حيث زاوج  بين العمل الوظيفي والعمل الوطني ، ومات غدرا وهو على مشارف دمشق في طريق عودته من اللاذقية  فجريوم ١٦ تشرين الأول عام ١٩٨٧.

تروي زوجته، السيدة إنعام المهداوي فصولا كثيرة من سيرة الشهيد أبو سلام بالقول: نشأ في بيت وطني، فقد كان والده  من محبي الزعيم قاسم (قاسمي) ، أما عمّه السيد محسن الربيعي، فقد كان من ضمن المقاومين لانقلاب ٨ شباط في الكاظمية مع الشهيد حسن متروك، لكن الحادثة الابرز كانت في بداية الثورة وكان عمره (١٠ سنوات) حينما أرسل والده بيده رسالة وطلب منه تسليمها للزعيم، فذهب عادل ووقف امام باب وزارة الدفاع، وعندما جاءت سيارة (الزعيم) توجه للشباك وسلمها بيده. مع مرور السنين ازداد عنده الوعي الوطني فانخرط في العمل بإتحاد الطلبة العام واتحاد الشبيبة الديمقراطي، ولاحقا عمل مع المثقفين.

اما اول تعارفي به (تكمل السيدة إنعام) : فقد كان في العام ١٩٧٣ في عملنا الوطني، ثم توج ذلك بالزواج عام ١٩٧٦ في موسكو، ولعل من الصدف أن يكون ٢٤ آذار من هذا العام ذكرى مرور (٤٠) سنة على ذاك اليوم. اما قضية السفر فلها حكاية أخرى، حيث بدأت مضايقات البعثيين له في سلك التدريس عام ٧٥، وما كان من منفذ سوى اخراجه للخارج، وحدث ذلك دونما تخطيط مسبق، وأمام دهشة عائلتي التي كانت تفضل أن أتزوج وأكون بالقرب منهم، لكن للضرورة أحكام كما يقولون، فقررت السفر أنا أيضا، ومن حسن حظي أن أحصل على بعثة دراسية معه انجزتها بحصولي على شهادة الدكتوراه بالأدب الروسي عام ١٩٨٢، أي بعد تخرجه بسنة واحدة.

لقدكان شوقه كبير للعمل الوطني، وكان يريد الالتحاق بحركة الانصار التي بدأت في شمال العراق لمحاربة الدكتاتورية، لكن لسوء حظه، فقد وقف وضعه الصحي حائلاً دون ذلك، لكن عوّض  عطشه ذاك بعمله في مساعدة العوائل العراقية في الشاموالملتحقين الجدد بالأنصار وفي اللجنة التنفيذيةلاتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي.في العام ١٩٨٧ شارك في  (مؤتمر الشبيبة ونضالها من اجل السلام) الذي عقد في عاصمة المانيا الديمقراطية برلين، ووقتها  (تكمل السيدة إنعام) كنتُ حاملاً بإبني ـ علي عادل ـ وبعيد النشاط إتصل بي وقال انه سيبقى هنك  ثلاث أو اربعة أيام اضافية لمشاهدة معالم برلين الديمقراطية، لكنه  وعلى غير عادته عاد في اليوم التالي الى الشام، وأحسست إن  أمراً ما قد حدث! ورغم إنه قليل الكلام ولم يكن ليشغلني بهذه الامور، لكني علمتُ بأن جهات رسمية عراقية قد فاتحته بالعودة للعراق، وهددته أيضا! هذا الامر وصل للسلطات الالمانية التي سارعت الى اخراجه من هناك حفاظاً على سلامته.

لم تمض حياتنا بشكلها الديناميكي الجميل كما كانت، فقد أصبح (عادل) أكثر قلقاً علينا، وصار يتفحص الوضع خارج البيت كثيرا، ويحتاط حذرا عند خروجه او عند خروجنا، أما أنا فقد كنت اشجعه واحاول أن لا (اُزيد الطين بلّة) كما يقولون، ومرت عدة أشهر وهو يشعر بأن عيونا ما تترصده، وهذا لم يكن مستبعداً من نظام تمكن من شراء الكثير من الذمم وبأبخس الاثمان بغية الانتقام من خصومه أو معارضيه.

في يوم ١٤ تشرين أول ١٩٨٧ كان قد لبى دعوة وجهتها له جهات رسمية بدعوة من الرئيس السوري (حافظ الأسد) لتشكيل لجنة تضم ( أطباء في الامرلااضالنسائية، وأمراض الأطفال وباحثين من قسم البايولوجي) الى مدينة اللاذقية، وكانت هذه مناسبة له للالتقاء بزملائه هناك ايضا ومعرفة احتياجاتهم ونقل بعض اوراقهم الى الشام، وغادرها عائداً فجر السادس عشر من تشرين أول ١٩٨٧ قاصدا دمشق، حيث حدث ما حدث على مشارف دمشق بينما كان هو في سيارة النقل، وقيل في حينها انه (حادث قضاء وقدر) بينما ذكرت لي الراحلة د.نزيهة الدليمي التي شاهدت جثته بأن :( الثقب الموجود في جسمه ناتج عن كاتم صوت) وليس شيئاً آخراً. هذه كانت تلك الساعات التي مازالت تعيش معي ومع ابنائي لليوم. وبعد أن أبلغتني الجهات الرسمية بالحادث حوالي الساعة السابعة مساءاً، جرت مراسم التشييع والدفن في اليوم التاليابتدأ من مستشفى تشرين العسكري حتى مثواه الاخير، وكان حقاً تشييعاً مهيباً  يليق حقاً بإنسان مناضل ومبدئي مثل عادل (أبو سلام).

لم يبخل علينا رفاق الشهيد بمحبتهم ، حيث ساعدونا لمدة عام كامل بعيدرحليه، ولعلي هنا اُثبت شكري وتقديري الى الاستاذ (زياد الشطي) وزير الصحة السوري آنذاك، الذي ساعد في تعيني استاذة  في كلية الآداب بجامعة دمشق منذ ١ أيلول ١٩٨٨حتى موعد مغادرتنا الشام لاجئين الى هولندا عام ١٩٩٦.

لم تكن مهمة تنشأة بنتان وولد في الغربة بالأمر الهين والسهل عليّ ، لكنني تحملتها بكل شرف وإفتخار، لشخصي أنا، ولرفيق حياتي  (ابو سلام) ولأبنائي وللأفكار السامية التي جمعتنا!  نعم ، عملتُ وشقيتُ حتى أوفر لهم حنانا مركبا بالأب والأم وآمل ان أكون قد وفقتُ معهم في مسيرتي ومسيرتهم. ولعلي هنا أقول، بأن بذور محبة الوطن والمبادئ السامية لي ولوالدهم لم تسقط على أرض جرداء (رغم المنغصات وعوادي الزمن وحال العراق الصعب) لكنهم نشأوا على محبتها والاعتزاز بها، وهذا مبعث فخر اضافي لي.

لقد خسر العراق طاقة خلاقة ومبدعة في حقل كان يمكن أن يفيد البشرية كلها، فالذين عرفوا "أبو سلام" عرفوا به انساناً ذكيا محبا للعلم ومواضباً عليه، ولعلي هنا اشير بكل فخر وأعتزاز لمستوى ابنائي العلمي والوطني ، حيث إن "إبنتي الكبرى سلام عادل"حصلت على درجة الدكتوراه وهي مدرسة جامعية، و"أبنتي الوسطى نداء عادل"ربة بيت ومواضبة في عطاءها، و"أبني الرائع علي عادل"حصل على شهادة في ميكانيك السيارات، وكم أنا سعيدة بهم، وبأبنائهم (أحفادي) ، وأتمنى لهم اجمل الاعوام وأحلى مستقبل.

وتنهي السيدة إنعام المهداوي كلامها بالقول: رغم كل انشغالات العائلة والابناء والاحفاد، فإني لا اتلكأ في تأدية واجبي الوطني والانساني، العراقي والهولندي، حيث أحضر واساهم في نشاطات رابطة المرأة العراقية، واشارك في ما متوفر من مناسبات وطنية واممية للدفاععن حقوق المرأة، او بالعمل متطوعة لمساعدة اللاجئين الجدد بالترجمة على الأقل، وكذلك في  فعاليات مجلس البلدية المحلي.

أما لوطني الغالي، للعراق الذي احببناه وبذلنا شبابنا له، فلا أظن ان امراً سيغيره قبل أن تقوم انتفاضة شعبية عارمة تكنس كل هؤلاء العنصريين والطائفين والحقودين، اعداء الانسان والانسانية، ولن تستقيم الحياة قبل أن تقوم على انقاضهم الدولة المدنية الديمقراطية العادلة، ويتحقق شعارنا العتيد، شعاري وشعار الشهيد زوجي وأبنائي سلام ونداء وعلي عادل في : وطن حر وشعب سعيد!

 

**الذكر الطيب والدائم للشهيد الراحل عادل كامل الربيعي

**مواساتنا لزوجته الغالية إنعام المهداوي وبناته سلام عادل و نداء عادل وإبنه علي عادل

**العار لنظام القتلة البعثي والمأجورين العاملين معه بأمل تقديمهم للعدالة يوما

 

كمال يلدو

آذار ٢٠١٦

 

 

 

 

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.