اخر الاخبار:
العراق يغلق أكثر من 600 موقع اباحي - الأربعاء, 18 أيلول/سبتمبر 2019 10:46
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

إغتيال أثمن نملة في العالم// د. هاشم عبود الموسوي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. هاشم عبود الموسوي

 

عرض صفحة الكاتب

إغتيال أثمن نملة في العالم

د. هاشم عبود الموسوي

 

كان أقسى ما يشعر به "صابر" حد البكاء بعدما، أودع في زنزانته الإنفرادية، وهو بريئا.. بإدانته بجريمة قتل لم يرتكبها. وقد إظلمت بعينيه الدنيا، بعدما إنتفت اسباب متابعة ملفات قضيته وإنقطع التحقيق.. لقد حكم عليه بالسجن لمدة عشرين عام.. متسائلا بينه وبين نفسه، كيف سيقضيها؟ بعد أيام من الهذيان والتوجع.. بدأت ذكرياته القريبة والبعيدة التي كانت تقيم في رأسه تطارده، وتسافر ليل نهار في شراينه.. وكأنه يرى كل وجوه أحبته ويحاول أن يشم عطرها، لكن الهواء المحتبس في هذه الزنزانة كان يقف حائلا دون ذلك.. كثيرا من الليالي كان يقف منتصبا ملتصقا بحسده الى الجدار تماما وهو منفرج الشفتين وكأنه ينتظر بأن شيئا ما سيحدث.. لا شئ يأتي من قريب أو بعيد، غير خطوات الحراس في الممرات.. كان يحلم بأن يمتلك ورقة وقلم ليسجل عليها لحظات جنونه.. متسائلا عن أخطائه التي ربما كان قد إرتكبها ورغباته الصغيرة والكبيرة..

 

حَلِمَ مرة أن عشيقته التي لم يعترف لها يوما بحبه لها، أنها إبتسمت بوجهه إبتسامة عريضة وإتسعت عيناها.. وأخرجت لسانها ليداعب شفتها العليا، ثم إستدارت نحوه غاضبة.. وسألته ماذا عملت.. ماذا عملت؟.. فإنثال شعرها البني.. يلاحق حركة جسدها.. رفع حاجبيه متسائلا والرعشة تدب في أعماقه: هل أنتِ تقصديني أنا.. ثم وجدها فجأة قد إختفت... وشاهد مرة أخرى في حلمه أسوارا عالية تفصل بينها حواجز.. وكأن نهر الكلمات قد جف في رأسه وضاعت الجمل بين تلك الأبواب والحواجز الموصدة.. حاول أن يتذكر الممرات التي أجتازها حتى وصل الى هذه الزنزانة النتئة، لكن دون جدوى.. ومرات كان يحلم بأنه كتب رسائلا لها، ولم يقبل الحراس بأن يستلموها منه.. وحلم أيضا في ليالٍ أخرى بأنه كتب رسائلا وعاد فمزقها.. وصار أحيانا عندما يسود الوجوم في الليل.. يحس كأن نصل سكين يدور في أحشائه.. ثم يغرق في ذهول ويغالبه النعاس مستنجدا بالأحلام التي تزوره كل ليلة.

 

ويأتي ضحى ذلك اليوم المشمس، وقد دخلت بعض زغابات من أشعة الشمس متسللة الى داخل الزنزانة.. كان صابر مستلقيا عل ظهره.. فيرى نملة تمشي بهدوء وطمأنينة بالقرب منه.. لم ينتظر كثيرا، فأخرج فتاتا من الخبز الأسمر الذي كان يضعه تحت وسادته ليأكله عندما يجوع ليلا.. وكأن النملة عرفت ما دار برأسه.. متعجبا بأن النملة وقفت لبرهة وكأنها تريد أن تشكره ..ولعلها كانت تريد منه أن يفكر بها.. ثم أخذت ما إستطاعت أن تحمله معها وإنصرفت دون خوف.. شعر صاحبنا بأن نظرات الرعب قد إختفت من عينيه، وحلت محلها نظرات إستعطاف وتودد لهذا المخلوق الصغير.

 

لم يمر بمثل هذه الحالة منذ أن أودع في السجن.. كأن ما شعر به اليوم.. هو حالة مشاعر مشتركة بين شخصين متفاهمين

 

ومرت الأيام وهو يشاهد النملة تعود يوما بعد آخر وبنفس التوقيت.. كانت تريد منه أن يفكر بها.. فهي تقف ساكنة تماما على غير عادة النمل، حتى تلتقط ما يعطيها بيديه

 

مرت الأيام والأسابيع وإستطاع أن يدربها على الإستجابة لبعض الإيعازات، كأن يريدها أن تمشي بإتجاه محدد... ثم يغير موقع كفه فتستدير وتذهب نحوه..

 

صار هذا اللهو اليومي، قد غير كل مزاجه الذي عانى منه قبل أن تدخل النملة الى حياته اليومية الجديدة في داخل هذه الزنزانة التي كان يشعر بأنها موحشة ومؤلمة حد البكاء.

 

تمر الأيام و النملة صارت تمتثل لسماع أي صوت يخرج منه إليها.. حتى تحول صوته كأنه يمثل حبا ولوعة بإنتظارها.. شعر بأن زنزانته قد إمتلأت بالفرح وبالزهور.. وصوته يتدفق وهو يحاور جليسته.. يدللها ويشعر بيده تتوسد جسدها الواهي النحيل الذي كان يستكين بهدوء بين أصابعه.

 

تدرب الأثنان وإتفقا على إيعازات يؤديانها بشكل منسق، وكأنهما عاشا بروحانية حُب لم يعرفه النمل ولا البشر من قبل.

 

حتى تطور الأمر فصار يوعز لصديقته أن تقف منتصبة على أرجلها الخلفية.. الى أن أصبح بمقدوره أن يصدر ألحانا ونغمات محددة والنملة تستمر بالدوران والتوقف في مكان واحد متابعة في رقصها إستماع الإيقاع الذي ربما كانت تطرب عليه.

 

أيامٌ بعد أيام ونملته الحبيبة تزوره كل يوم وفي نفس التوقيت الذي كان ينتظره بكل شوق.. ولكن ما عكر صفوه.. ذلك الخبر المؤلم.. الذي نقله إليه حراس السجن، هو أن عليه أن ينتقل الى زنزانة أخرى، مدعين أنها أنظف وصحية أكثر.. تعكر مزاجه.. وحاول أن يقنعهم بأنه راضٍ عن مكانه الحالي وقد تعوّد عليه.. وليس من داعٍ لإبداله.. حاول وحاول دون جدوى.. لم يستطع إقناعهم بما يريد.. وحين سمع بالخبر السعيد والمفاجئ أيضا.. بدأ القلق الشديد يعكر مزاجه.. قالوا له بأنه قد تمت تبرأته من عقوبة القتل.. وسوف يصدر أمرا بإطلاق سراحه.. وأن تبديل الزنزانة ليس سوى إجراء روتيني من أجل التحضير لخروجه من السجن.. وقع هذا الخبر السعيد عليه كالزلزال.. كيف سيترك هذه المخلوقة الصغيرة التي تعود عليها وتعودت عليه.. وكيف تأتي الى الزنزانة ولا تراه.. إنشلت أعضاء جسمه، عندما جلس على الأرض منتظرا حبيبته النملة وهويفكر كيف سيودعها.. لكن الأمر لم يطل كثيرا، عندما قرر أن يحملها معه في إحدى علب السجائر وليكن ما يكن.. .. مسرعا حضر ما يلزم من أجواء لها في داخل تلك العلبة، كي تبقى على قيد الحياة..

 

لم يطول الأمر كثيرا، فبعد عدة أيام تم إطلاق سراحه.. وأهم ما كان محاولا أن يحافظ عليه هو تلك العلبة الغالية على قلبه..

 

وقد سمع أهل الزقاق الذي يسكن فيه بخبر براءته وموعد خروجه من السجن حتى تجمعوا بإنتظار قدومه وكانت زغاريد النسوة وضجيج الأطفال وصوت إصطفاف الصنوج تختلط مع بعضها وهو يطل عليهم بوجهه الملتحي محييا إياهم.. حتى زفوه الى بيته.. ليستقر في تلك الغرفة العلوية المفردة من الدار.. ولينفرد بنملته.. معتذرا إليها عن الإنتقالات التي لم يحسب لها حساب.. أطلقها في أرضية غرفته وأحس بفتورها وتعكر مزاجها.. وصار يداعبها بالصفير وأنين الألحان المواسية.. وأخرج لها بعض حبات من الرز، كان قد أبقاها من عشاء الليلة الماضية.. ثم تركها وتمدد على فراشه الوثير الذي كان قد إفتقده منذ زمن طويل.. وقبل أن يغالبه النعاس بدأت ذكريات صباه وشبابه تمر عليه كشريط سينمائي

 

.. تذكر كثير من أصدقائه، وحتى بدأ يتذكر أصدقاء طفولته.. وبعها حضرت الى ذاكرته عنواين ومحتويات بعض الكتب والمجلات، التي سبق وأن قرأها.. وصل الآن الى الحالة التي لم يعد فيها يسيطر على أجفانه التعبى.. فأستسلم الى نوم عميق.. ولم يفق من غفوته فزعا إلا في صباح اليوم الثاني.. حيث غطت عينيه سحابة ثقيلة من الحزن ، حين لم يجد النملة في غرفته.. وأصبح يلوم نفسه، ( يا الله كيف نمت ولم أضعها في العلبة المخصصة لها.. تعسا لي على ما فعلت ) ..حتى شعر بأن هذه الغرفة الوثيرة التي يسكنها هي أكثر قساوة عليه من زنزانته التي ودعها يوم أمس.. بدأت الدموع تتساقط من عينيه.. بدأ يُلهي نفسه بتصفيف ملابسه في رفوف الخزانة التي لم يكن قد إستعملها منذ زمن طويل..

 

فتح باب غرفته كي تدخلها الشمس.. آنذاك إنثالت عليه مشاعر فرح طفولية، عندما شاهد عشيقته تدب بكل غنج لتدخل الى أرضية غرفته.. لم يستطع أن يتمالك مشاعره، فبدأ بالتصفيق والغناء والنملة تُجاريه وتشاركه فرحه وهي تتحرك بحركة دائرية.. أدرك الآن أنهما إرتبطا بمصير واحد

 

لا إنفصال لهما بعده.. فكر ألا يُطلع عائلته بشأن النملة، لأنهم ربما ينعتوه بالمريض نفسيا وأنه متعقد من صدماته التي قد تركت شروخا في شخصيته.. وهكذا إعتادت النملة تغيب عنه وتأتيه بنفس الموعد يوميا.. حتى جاءته دعوة من صديقيه يدعوانه الى حضور وليمة عشاء في أرقى مطعم في المدينة وذلك للإحتفاء به بعدما أطلق سراحه من تهمة عمياء.

 

فكر جليا ما الذي سيتحدث به مع صديقيه ، بعد غيابه عنهما لمدة أربع سنوات ونصف.. وهما من إستطاعا في فترة مكوثه في السجن من تحسين أحولهما المادية والإجتماعية، وقد تزوجا وأنجبا أطفالا وسكنا في بيوت فارهة.. وسافرا عدة مرات مع أسرتيهما الى بلدان أخرى من أجل الإستجمام والسياحة..

 

هنا قفزت الى ذهنه فكرة أن يعرض عليهما معجزته التي إستطاع في فترة غيابه عنهما، أن يشتغل عليها، ليريهما قدرته على توجيه الإيعازات لمخلوقة صغيرة لم يعرها البشر أيّ إهتمام، حتى إستطاع أن يجعلها قادرة على الإمتثال والإستجابة لبعض الإيعازات بشكل عجيب.. نعم هذا هو ما سيفعله ليفاجئهم به.

 

إختار أن يرتدي بدلته التي لم يكن قد إرتداها سوى مرة واحدة، قبل دخوله السجن.. وحاول أن يتأنق بمل تسمح له قدراته المتواضعة.. وإستقل سيارة أجرة لتضعه أمام ذلك المبنى الضخم المزينة واجهته بالأنوار الملونة... تعثرت قدماه قليلا حينما أرتقى درجات السلم المكسو بالسجاد والمؤدي الى صالة المطعم، والذي شاهده وهو ممتلئا بعوائل ميسورة مبتهجة وأناس يبدو عليهم الفرح جالسين يستمعون الى عزف البيانو.. تجول ببصره ليري أين يجلس صديقاه.. ماهي إلا لحظات وقد جاء إليه أحدهما ليعانقه ويحييه ويقوده الى الطاولة الكبيرة التي إختاراها لإحتفاليتهما به.. قام صديقه الثاني يقبله ويعانقه ويسمعه عبارات الحفاوة والمشاعر الحارة.. كانت الطاولة ممتلئة بالأقداح وقناني العصائر والمشروبات الغازية والمكسرات وأنواع من المقبلات التي تقدم عادة قبل وجبة العشاء.. كان مسرورا أيما سرور لكل ما يراه ويحس به ويستمع إليهما وهما يذكرانه بالذكريات القديمة التي عاشوها سوية.. ثم بدأى الإثنان يسردون عليه ما إستطاعا أن يوفرانه رفاهية لهما ولأسرتيهما.. كان يصغي لذلك بقليل من الإهتمام منتظرا الفرصة المناسبة ليطلعهما على المفاجأة الكبرى التي أعدها لهما.

 

بإبتسامة عريضة من وجهه المنشرح.. طلب من صديقيه أن يفرغا له وسط الطاولة، قائلا أنني أريد أن أطلعكم على ما إستفدت منه في فترة إحتجازي الظالمة في زنزانتي المفردة.. مبتسما يذكر لهما بأن تلك الفترة لم تكن بدون فؤاد أو إيجابيات.. إستمعا إليه بذهول وصمت وترقب.. وقاما بإبعاد محتويات وسط الطاولة، ليضعاها على جوانبها.. ما فتيئ إلا وأن أخرج العلبة التي تحتوي على أعز شئ عنده.. قائلا لهما: ( إنتظرا المفاجأة .. سترون ما لم تكونا قد عرفتموه أو إطلعتما عليه..)

 

أخرج النملة " التي أصبحت شريكة حياته الأبدية " ووضعها في مركز الطاولة.. وقبل أن يبدأ بإيعازاته السحرية لتلك النملة العجيبة.. قدم النادل المكلف بخدمة هذه الطاولة وهوينوي أن يسألهم فيما إذا حان وقت جلب صحون العشاء.. تفاجأ حينما شاهدهم منشغلين ينظرون الى وسط الطاولة، فرأى مندهشا نملة تتحرك فوق غطاء الطاولة الأبيض.. ولم يكن يدري بأنها هي محور أحداث تلك الليلة، وقبل أن يُقدم إعتذاره لزبائنه عن وجود نملة لم يعهد وجودها من قبل، قام بالضغط عليها بإبهام يده اليمنى ليقتلها. وهنا نزلت الصاعقة.. وفجأة تحول الكرنفال الإحتفائي الى فاجعة كبرى.. سمعه الناس وهو يصرخ بأعلى صوته وسط دهشة الزبائن وأوقف عازف البيانو عزفه.. سمعه الجميع وهو يلعن أقداره ومآسيه المتتالية، مخترقا الجموع وهوفي طريقه للخروج من القاعة الكبيرة بدون أن يودع صديقيه.. ويردد عبارة لم يفهمها زبائن المطعم: ( صرت ليس لدي أي شئ .. يا ربي لم يعد لدي أي شئ .. لقد أعطيتها كل ما لدي .. ..!)

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

 

هكذا تم، وبدون قصد إغتيال أغلى نملة في العالم 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.