اخر الاخبار:
العراق يعلن تحرير قضاء عنه بالكامل - الخميس, 21 أيلول/سبتمبر 2017 17:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• كتاب: من أعماق السجون في العراق/الحلقة الثانية

الشهيد عبد الجبار وهبي

كتاب: من أعماق السجون في العراق* /الحلقة الثانية

الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)

1920 – 1963

قلب بغداد

قف!

فهذا هو الجدار الطويل ... الطويل، الذي يحجز خلفه مسرح الجريمة الشنعاء، مذبحة 18 حزيران 1953. هذا هو جدار السجن السياسي من سجن بغداد المركزي.

لستَ في صحراء أو غابة أيها القارئ. أنت في قلب بغداد. أنت في باب المعظم.

تلك هي المكتبة العامة الوحيدة في عاصمة الرشيد والمأمون، تقابلها عبر ساحة "باب المعظم" قاعة الملك فيصل، القاعة الارستقراطية الفخمة للتمثيل والمحاضرات، الوحيدة في عاصمة بلاد الحضارات القديمة والنفط والكبريت.

هنا، على الساحة أيضاً، مديرية مصلحة نقل الركاب في العاصمة، ذلك المشروع الانكليزي الذي تديره الحكومة العراقية لقاء عمولة معينة. وهناك، أبعد قليلا، وأنت تدخل شارع الرشيد تقع وزارة الدفاع ومن خلفها مجلس الأمة "البرلمان". وعلى دجلة ما بين وزارة الدفاع حتى شارع المتنبي، تحتشد معظم الوزارات والدوائر الحكومية والمحاكم في بنايات السراي العثماني، ومعظم دور الصحف والمطابع. يقابل هذا المحتشد، عبر شارع الرشيد، جامع الحيدرخانه المشهور الذي انطلقت منه أول مظاهرة في بغداد في ثورة "1920" ضد الاحتلال البريطاني، حيث سقط برصاص الانكليز عامل أخرس فشيعته وبكته بغداد برمتها.

هنا مقاهي بغداد –مقهى خليل، مقهى البرلمان، مقهى حسن عجمي، مقهى عارف آغا، مقهى الزهاوي. هنا انتظمت حلقات الفكر والأدب والسياسة في سنوات ما بعد ثورة 1920-.

وهنا أيضا سوق اعراض بغداد، المبغى العام "الكلجية" كما يسمونه، غير بعيد عن الوزارات والدوائر الحكومة ومديرية الشرطة العامة.

لنعد من حيث أتينا. ها هي ساحة باب المعظم حيث تتقاطع أربعة شوارع. ولنسر في شارع الامام الأعظم "أبي حنيفة". هذا هو الجدار الطويل، مرة أخرى، تتصل به مديرية السجون العامة. تقابلها المكتبة العامة –كما ذكرنا- تليها دكاكين، مقهى صغير، معمل نجارة، فمتحف التاريخ الطبيغي، فعيادة حماية الأطفال، فمستشفى حماية الأطفال، فوزارة الخارجية العراقية، فحدائق المعرض. وأبعد قليلاً تقع الثكنة التركية القديمة ومقر حامية بغداد. إلى الشرق كلية الهندسة. إلى الشمال كلية الحقوق فالوزيرية، حيث تحتشد كل السفارات والمفوضيات الأجنبية عدا السفارة البريطانية "في الكرخ" والسفارة الامريكية في الطرف الأقصى من الكرادة الشرقية، بعيدا عن الناس، بعيدا عن الحركة ....

ومن جانب آخر من جوانب ساحة المعظم يتفرع شارع مزدحم بالسيارات والكراجات، حيث تقع كلية العلوم والآداب وثكنة شرطة الخيالة، تقابلها كلية الملكة عالية للبنات، وأبعد قليلاً إلى الشرق يبدأ شارع غازي وتبدأ معه منافذ بغداد الكادحة –الفضل، بني سعيد، قنبر علي، أبو سيفين، أبو شبل، باب الشيخ ... -.

وخلف السجن من جهة الغرب حتى دجلة يقع مستشفى "المجيدية"، إحدى مآثر السلطان عبد المجيد، بحدائقها الفسيحة ومبانيها القديمة والحديثة. وفي الجهة الملاصقة للسجن من المجيدية، تمتد مباني الكلية الطبية الملكية وكليتي الصيدلية والكيمياء.

هذا مكان السجن المركزي من قلب بغداد.

هنا نقف نحن، وسط شارع الإمام الأعظم وعلى بعد خطوات تمتد ساحة باب المعظم. على يميننا الجدار الطويل ... وإلى يسارنا وزارة الخارجية العراقية.

على يميننا مسرح جريمة شنعاء مخجلة، وإلى يسارنا مكان يتحدث فيه أصحابه إلى ضيوفهم بلغة ناعمة مؤدبة ويحفظ فيه موظفون أمناء وثيقة حقوق الإنسان وشريعة الأمم المتحدة، إلى جانب النسخة الاصلية من معاهدة 1930 العراقية البريطانية الملغاة ومعاهدة التحالف التركي – العراقي- البريطاني (الامريكي بالطبع)، التي حلت محلها.

وبإمكاننا حيث نقف أيها القارئ، أن نشارك السجناء السياسيين مرتين في اليوم سماع صافرات الشرطة وهي تنذر الناس والباصات وسيارات التاكسي بان تتوقف عن السير ريثما يمر الموكب الملكي ذاهبا إلى البلاط من هذا الطريق بالذات وعائد منه. وان نشارك الضيوف الأجانب انطباعاتهم عن بناية وزارة الخارجية ذات الجمال المتزن الهادئ، بأقواسها وفسيفسائها الملون التي تذكر بثلاثة عشر قرنا من الحضارة العربية الإسلامية التي أمرت بان (لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)، ويزعم الحكام العراقيون الرجعيون انهم ورثتها وحماتها. وان نشارك في دهشتهم من "شجاعة" الحكام العراقيين الذين نصبوا في هذا المكان من قلب بغداد ، ربايا للرشاشات وأطلقوا النار على 150 إنسان أعزل، تحيط بهم أربعة جدران. بإمكاننا أيها المواطن أن نتحسس حيث نقف، نبض الحياة في هذا البلد، وصراع كل المتناقضات فيه. وبإمكاننا، ونحن في هذا الجزء من بغداد حيث تنشط الإنسانية والرحمة في المستشفيات، والفكر والأدب والعلم والسياسة في المدارس والكليات والمكتبات ودور الصحف والمطابع، والعمل والحركة والضجيج في الكراجات والباصات ودوائر الحكومة والمقاهي، بإمكاننا بطلقة واحدة من مسدس نطلقها في الفضاء، أن نهز أعصاب بغداد كلها وان نترك العيون والآذان والشفاه تتطلع وتتسمع وتستفهم:

شكو ، داد؟؟ شكو باب المعظم؟

عفوا أيها القارئ! فاتني أن أخبرك أن الشارع المزدحم بالباصات والكراجات وثكنة الخيالة وكلية العلوم، الموصل ما بين باب المعظم وشارع غازي، هذا الشارع قد أُطلق عليه أسم "نوري السعيد" . وفي التسمية اعتراف بفضل نوري السعيد على أرصفة هذه الأماكن المشهورة من بغداد وعلى أجوائها وخرائبها ومبانيها. ذلك أن باب المعظم عرفت أكثر من مرة، بفضل الحكام الرجعيين وعلى رأسهم نوري السعيد، مذاق الدم ورائحة البارود وغاز الدموع. واحتفظت على الجدران والشرفات بأوسمة الرصاص وآثار الكر والفر. فمن تلك الساحة أنطلقت شرارة وثية كانون الثاني 1948 التي طوحت بمعاهدة "بورتسموث " اتفاقية جبر – بيفن ، ومنها في سنة 1952 تدفقت أولى مظاهرات تشرين الثاني التي أحبطت مقترحات الدول الأربع: امريكا، انكلترا، فرنسا، تركيا، للدفاع المشترك، والقت على المستعمرين وأذنابهم درساً آخر من دروس الوطنية الثائرة.

أما في هذا اليوم الثامن عشر من حزيران 1953، بعد الظهر، فلابد أن يكون لنوري السعيد، وزير الدفاع والرئيس الفعلي لوزارة جميل المدفعي القائمة حينذاك، لابد أن يكون لديه فضل جديد يضيفه إلى أفضاله السابقة. فثمة أمور غريبة تجري في باب المعظم!

الأحكام العرفية مازالت معلنة منذ وثبة تشرين الثاني 1952 وبغداد هادئة ساكنة إلا من الهمس، والغضب المطل من العيون. وعرائض الاحتجاج الشعبي، تنتقل من يد إلى يد بسرعة وحذر. والنظام والأمن سائدان مستقران! فما معنى تلك الفصائل من الشرطة، بخوذها الفولاذية وسياراتها (الجيب) المسلحة ورشاشاتها وحقائب قنابل غاز الدموع! ما معنى أن تتجمهر الشرطة في ظل الحائط الطويل ثم تذهب فصائل هنا وهناك وكأنها تحتاط وتستعد لأمر ما!؟

ما معنى تلك الحركة الغامضة المريبة؟

شهدت باب المعظم في السنوات العشر الماضية كثيراً من مثل هذه الحركات. كانت الشرطة تصطف وتتنكب السلاح وتتفرق جماعات إلى رؤوس الطرق والمنعطفات وتختبئ في المقاهي وتتحصن على السطوح وخلف الحيطان. ولا تلبث طويلا، حتى كنت تسمع من جهة ما، همهمة بعيدة. ويتوتر الجو وتتراكض الشرطة وتطقطق ترابيس البنادق وتجنح السيارات إلى الأرصفة. وتبرز فجأة لافتات وأعلام فوق موجة حالكة مضطربة عارمة، من الرؤوس والسواعد والصدور، تتقدم باندفاع نحو باب المعظم. ويدوي الرصاص، وتدوي الحناجر. وتتمزق اللافتات وتتلطخ بالدم وترتفع على الأعواد مزق حمراء طرية من قميص أو جاكيت. ويعلو الهتاف: يسقط الاستعمار، يسقط الجلادون، تسقط المشاريع الحربية، تسقط معاهدة 1930، يعش السلم، تعيش الجبهة الوطنية. وتقع الضحايا ويفشل الرصاص. وتتقدم الجماهير، وتطير كأسراب الجراد الجائع، قطع الحجارة والطابوق"الآجر" من كل صوب. وتقترب الوجوه المعفرة الثائرة تعلوها صفرة الغضب. ثم تشهد باب المعظم عجائز حافيات الأقدام وعمال بناء وطلاب وطالبات وماسحي أحذية صغار ومحرري صحف وحمالين عرب وأكراد وكتاب وشعراء شباب. وتخلو باب المعظم من أيما أثر للشرطة سوى خوذة مهشمة وسيارة جيب تأكلها النار، وروائح خانقة. وتحتل الجماهير شوارع بغداد فتسقط الوزارات ويطير الوزراء إلى حيث لا يعلم إلا السفير البريطاني.

شهدت باب المعظم الكر والفر والتطويق ومناوشات شرطة الخيالة المتحصنة فوق سطوح الاصطبلات. وألفت صفير سيارات الاسعاف ورأت أقداماً ميتة، حافية أو في الجوارب والحذاء اللامع، تتدلى فوق الأعناق أو من نقالات الاسعاف، رأت رؤوسا معصوبة، وبقع دم، وهراوات وخناجر. وتعلمت فلم يعد يفزعها شيء، لا دماغ بشري تنثره رصاصة ولا ضابط شرطة يموت تحت الأقدام. رأت مشنقة وشهيد يصيح من فوقها فجر 15 شباط 1949:

(لي الشرف أن أشتق في هذا المكان الذي نطلق منه مظاهرات أبناء الشعب)(1)

ورأت إمرأة فوق كلية العلوم والآداب، تلف العباءة السوداء على خصرها، في 17 كانون الثاني 1952، وتهلهل وسط الرصاص وقنابل الغاز المتطايرة في الفضاء (2).

ورأت أيام تشرين المجيدة من سنة 1952 وخاتمتها على يد الجيش الذي استعانوا به بعد هزيمة الشرطة، ورأت سيارات الجيش وأكياس الرمل ونظرات حادة تصوبها الجماهير من عيون حاقدة قلقة: انهم يعفرون شرف الجيش بالتراب!

عرفت باب المعظم عدوها جيداً في كل صوره وحركاته وبكل قسوته وبربريته. لكنها تقف حائرة هذا اليوم، الثامن عشر من حزيران 1953، بعد الظهر، لا تدري من أمرها شيئاً. فالعدو يفاجئها بأسلوب جديد وبحركات غريبة لا تفسير لها. كانت الشرطة تطوق السجن وتسد المنافذ إليه من كل الجهات. وقد حولت طريق الباصات والسيارات الذاهبة إلى الاعظمية والعائدة منها، إلى شارع آخر وأمرت الناس فيما حول السجن بالنزول من على السطوح والشرفات. وكانت الامدادات من الشرطة تتوالى وكلها بملابس الميدان. ثم ظهرت أعداد كبيرة من الشرطة فوق سطوح السجن وأبراج المراقبة. ومن بعيد صار الناس يراقبون تلك الحركة النشيطة، والشرطة تطاردهم وتلاحقهم إلى شارع نوري السعيد والرشيد وباتجاه الاعظمية وكلية الهندسة وشوارع العيواضية. ومن بعيد، حمل الهواء صياحا وتهديداً وشتائم، وارتفعت دمدمات قنابل الغاز، وحظرت سيارات الإطفاء التي صبت مياه خراطيمها من فوق السطوح، في بطن السجن، مع سيل الشتائم والأحجار والرصاص الذي أخذ يثور ويلعلع ويشتد.

هناك شيء من الأعماق، من الضمائر، شيء غير الحق والغضب، يولد في قلوب الناس الذين شاهدوا من بعيد تلك الحركات الغريبة وسمعوا الرصاص وفهموا ما أقدمت عليه الحكومة وراء الجدار الطويل. انه الاشمئزاز!

كانت باب المعظم، حتى الحيدرخانة في شارع الرشيد وحتى مقاهي الفضل في شارع غازي، تتساءل بذهول عن الرصاص الذي انطلق في مساء ذلك اليوم.

صعب على قلب بغداد الأبي الشجاع ان يفهم وان يسلم بصدق الخبر الذي انتشر في المقاهي والبيوت والحوانيت والشوارع، خبر المذبحة في السجن السياسي. مستحيل! هذا مستحيل! وباتت بغداد، تلك الليلة، في قلق شديد فهي تخشى أن يكون المستحيل قد وقع فعلا.

في صباح اليوم التالي أصدرت مديرية الدعاية العامة نيابة عن الحكومة، هذا البيان ننقله إلى القارئ نصاً:-

{كانت الحكومة قد نظرت بعين العطف إلى طلبات ذوي السجناء الموجودين في سجن نقرة السلمان فنقلت أكثرهم إلى سجن بغداد المركزي وكان بضمنهم اثنان وعشرون يهودياً شيوعياً. وقامت بكل الوسائل الممكنة للترفيه عنهم وعن المحكومين الاخرين بنفس التهم. وعلى الرغم من ذلك فانهم دأبوا على الاتصال بأعوانهم في خارج السجن عن طريق المراسلات وغيرها وإحداث الشغب والتمرد في داخل السجن مخالفين بذلك نظام السجون بصورة مستمرة مما حمل الحكومة على تقرير نقلهم إلى سجن بعقوبة للحد من نشاطهم. وقد بُلغوا بأمر النقل قبل موعده بيوم واحد. وفي يوم 18-6-1953 تمردوا ضد القائمين بتنفيذ أمر النقل وقاموا بمظاهرة داخل السجن استعملوا فيها عبارات القذف ضد المقامات العليا وضد الحكومة. وحضر كل من متصرف لواء بغداد ومدير السجون العام إلى مركز السجن وابلغوهم بلزوم الانصياع للأمر ونصحوهم بتجنب احداث الشغب والتوقف عن التمرد إلا انهم قابلوا هذه النصائح بالعنف وباشروا برمي رجال الأمن بالحجارة والقناني والقضبان الحديدية واستعملوا مختلف الالات الجارحة في تمردهم هذا مما أدى الى جرح ثلاث وسبعون شرطياً بضمنهم 16 معاون ومفوض. فاضطرت الشرطة الى مقابلتهم بالمثل لردعهم. فأطلقت بعض العيارات النارية حدثت بسببها إصابات أدت إلى موت سبعة من المساجين وجرح 22 منهم نقلوا الى المستشفى. وقد نقل السجناء الباقون وعددهم 120 سجينا الى سجن بعقوبة.

والحكومة جادة في التحقيق حول حادث اطلاق النار والمسببين للتمرد والشغب}

اعتاد الحكام الرجعيون ان يصدروا البيانات الرسمية بمناسبة وغير مناسبة واعتاد الناس كذلك ان يقرؤها في الصحف، ان يقرأوا سطورها وما بين سطورها.

في كانون الثاني 1948 كانت الجماهير تهتف بسقوط صالح جبر وتطالب بإعدامه وإعدام نائبه جمال بابان وإعدام نوري السعيد عضو وفد المفاوضة في بورتسموث، حين كان جمال بابان وأعضاء الوزارة قابعين في قصورهم المحروسة جيداً، يتخابرون فيما بينهم بالتلفونات. في ذلك الحين أصدرت الحكومة بلاغات تقول: كل شيء هادئ في شارع الرشيد! وتقول أحياناً: اليهود في بغداد يتظاهرون لعرقلة جهود صالح جبر ونوري السعيد لإنقاذ فلسطين.

ففي صباح 19 حزيران، اطلع الناس على بيان حادث السجن، وفي رؤوسهم ذكريات مخجلة عن بيانات الحكومة العراقية، وقرأوا ما فيه وما ليس فيه. كانت الوجوه تتجهم وتعبس، والشفاه تكشر عن اشمئزاز واحتقار.

مذبحة، مجزرة، لطخة عار، جريمة لم يشهد التاريخ لها مثيلا ....

هذا ما فهمه الناس من بيان الحكومة العراقية.

الاحكام العرفية ما تزال معلنة منذ تشرين الثاني 1952 –كما قلنا- وقد بلغت كامل مداها من الانتقام والتنكيل بالشيوعيين والديمقراطيين والمواطنين وأنصار السلم من عمال وطلاب وكتبة وفلاحين ومثقفين وشباب ونساء. والسجون غاصة حتى ابوابها. والمجلس العرفي العسكري مأخوذ بحمى هستيرية شديدة، تلك الحمى التي طغت على أعماله بعد مظاهرة الطلاب في 14 آذار، وعلى الاخص بعد القاء القبض في نيسان على أربعة من المناضلين الذين أراد نوري السعيد إعدامهم ولكن احبط مسعاه تحت ضغط الرأي العام العراقي والعربي والعالمي، فحكم المجلس على ثلاثة منهم بالسجن المؤبد وعلى الرابع بالسجن 15 سنة.

كانت الوجوه تتجهم وتعبس والأحكام العرفية تمنع كل تعبير عن الاحتجاج والرأي. وآباء ضحايا المذبحة وأمهاتهم وإخوانهم عبثا يحاولون عمن يدلهم على جثث قتلاهم. فالحكومة تعلم جيداً ان بغداد ستخرج عن بكرة أبيها لتشييع الضحايا، كما شيعت نعمان محمد صالح في كانون الاول 1951 الذي استشهد في سجن بغداد السياسي، بعد إضراب طويل عن الطعام. وانتهى بهجوم الشرطة على المشيعين في المقبرة، وبالدماء والاعتقالات، وبأوامر رسمية نشرتها الصحف، في اليوم التالي، تلزم الموتى باستحصال رخصة من شرطة المرور للذهاب الى المقبرة!. وكان مئات الآباء والأمهات والأخوان والأخوات والأصدقاء يتساءلون عبثا عن مصير الجرحى عمن مات أو سيموت؟ فاتجهت الانظار الى مستشفى الكرخ(3). حيث خصصت الحكومة غرفة منه للسجناء السياسيين لمعالجة المرضى منهم الذين يؤتى بهم الى بغداد من السجون البعيدة كنقرة السلمان والكوت وبعقوبة.

في صباح ذلك اليوم، 19 حزيران 1953 كانت سرية مسلحة من الشرطة بخوذها الفولاذية ورشاشاتها وبنادقها تطوق المستشفى وتحرس الغرفة المغلقة بقفل كبير على من فيها من جرحى وأسرار غامضة.

كان القلق يمزق أفكار الناس وعواطفهم. ماذا يكون المصير؟ كيف سيأمن الناس على حياتهم بعد اليوم؟ وهل سيقف المجرمون عند حد؟

وقبيل الظهيرة استطاعت ورقة صغيرة ان تشق طريقها الى الخارج، تنبئ ان واحدا من الجرحى قد مات وان الجرحى لم يتلقوا اي علاج او اسعاف حتى ضمن ذلك النهار وانهم سيموتون جميعا لا محالة.

فاندفع كثير من شرفاء الناس يعالجون الامر مع المراجع الرسمية، وخرجت مظاهرة خاطفة، وتكهربت شوارع بغداد. وفي نحو الساعة الثالثة بعد الظهر، دخل أول طبيب الى غرفة الجرحى في مستشفى الكرخ، ليأمر بإخراج الجثة، وليرى أجساداً محطمة غارقة، على الأسرة، ببرك من الوحل والدم. هكذا بدأ وجه الجريمة التي روعت بغداد يسفر شيئا فشيئا وخيوط المؤامرة الدنيئة تبين في وضح النهار.

محمد راشد

(الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)

بغداد –حزيران 1955

------------------------------

*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم الناشر مجهولا إلى أن نشرت طريق الشغب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب كاملا دون تغيير أو إضافة أو حذف/ الناشر: محمد علي الشبيبي

(1)- الشهيد حسين محمد الشبيبي "صارم" الذي أعدمه الاستعمار مع رفيقيه يوسف سلمان "فهد" وزكي بسيم "حازم".

(2)- كان ذلك في الذكرى الرابعة لوثبة كانون حينما أضربت الكليات وخرج الطلاب والجماهير في مظاهرة من باب المعظم. وبعد مهاجمة الشرطة لها، اعتصم بعض المتظاهرين في بناية كلية العلوم وجرت معركة حصار دامت بضع ساعات.

(3)- يقع هذا المستشفى على مقربة من السجن في جانب الرصافة وليس كما تدل عليه التسمية.

يتبـع

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.