اخر الاخبار:
العراق يعلن تحرير قضاء عنه بالكامل - الخميس, 21 أيلول/سبتمبر 2017 17:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

هاملت القسم الأول الرواية الجديدة لأفنان القاسم

هاملت القسم الأول الرواية الجديدة لأفنان القاسم

 

هاملت الرواية غير هاملت المسرحية وإلا لِمَ كل هذا الجهد والعناء؟ بينهما تتقاطع التراجيديا وتتفارق عندما نعلم أن البطل الشكسبيري لدى أفنان القاسم شخصية من شخصيات الويسترن، وأن كل همه تقديمه للقارئ على طريقته الخاصة به، دون أن يُفقده سحره أو خصوصيته، فكان الرهان كبيرًا: الارتقاء إلى المستوى الجمالي لشكسبير، تجاوز المؤلف لنفسه، تجاوز ما كُتب حول الموضوع، وما استُوحي منه.

 

فهل نجح الكاتب؟

يتوقف الجواب على حنكة القارئ وطموحه إلى قراءة عمل فلسفي دلالاته عميقة لا عويصة، أبعاده كونية لا إقليمية، أساليبه مبتكرة لا مستنفدة، قوته في رؤيته، في شعريته، في لغته، في تصوره التخيلي، في عرضه المريء، في كتابته الطريئة، عمل يشاد بين جنبي ثقافة وحضارة وحداثة تتجاوز هوية المؤلف، وتجعل منه سؤال الإنسان عن الإنسان.

 

لكتابة نص كهذا، على إنسانية الكاتب أن تُسحق، ومثل بروميثيوس، على ريشته أن تُقَدّ من نار.

 

إلى الهنود الحمر

عند ملتقى ساكرامنتو والأَمِرِيكان ريفر، كانت الأعلام والأشرطة في كل مكان من مربى ماشية العائلة كييركغارد، وكان المدعوون في أبهى حللهم، ورعاة البقر هنا وهناك، بذقونهم الحليقة وجَزْماتهم النظيفة وقبعاتهم الجديدة، وكأنهم جزء من الطبيعة الوديعة، فتغريد العصافير كان طليًا طلاوة الكلام، وانسياب الأمواج كان رقيقًا رِقة أصابع الأطفال، ومداعبة الأنسام كانت لطيفة لطف الشِّعر بالشعور، وأعراف الخيل كانت تتهدل تهدل الشعر الطويل للبنات، وألوان الربيع كانت تصرخ صراخ المعذب بالجمال، والأشعة الشقراء كانت تتسلل من بين أغصان الشجر غير عابئة بما يمكن أن يقع في الكون من مأساة، لأن من طبيعتها عدم الاكتراث، بينما الاكتراث كله يخيم على البناء الدانمركي الأبيض القائم في الوراء بأعمدته وطوابقه وأجنحته وحجراته وممراته وملحقاته لإنجاح الحفلة. كانت الحركة من الداخل إلى الخارج كبيرة وكثيرة، وكأنها تسعى من وراء السعادة دون أن تدري كيف تسعى من ورائها، ودون أن تدرك أن التعاسة ليست نفيها، وإنما ضلعها المتشاكل في مثلثين غير متشابهين، كالحب والكره، الفرح والكرب، الحماس والإحباط، اليقين والشك، الثقة والمَظِنَّة، الفراغ والانشغال، الإخلاص والخداع، خداع الحواس، خداع البصر، خداع النفس، الرياء، الاحتيال، الكيد، الغِش، الغدر، الخسة، المكر، الدجل، المخاتلة. وكان الخدم السود يقومون على إعداد كل شيء: المِنَصة وحَلْبة الرقص والموائد والمشاوي والمشروبات والمقبِّلات والمأكولات وأكاليل الزهر وأهاليل النهار ونجوم الليل في عِزّ الظهيرة، فيتركون لمسات أياديهم على كل شيء كالقدر الأبيض. أحمق هو القدر الأبيض، لكنه يعرف الطريق إلى الأشياء، ليقلل من اختلاقها. والسماء كانت زرقاء، قبة العقائد كانت، وكانت منصفة، زنبقة متعددة الأشكال كانت. كانت بعيدة عن أمواج النهرين، وقريبة من أحلام العائلة كييركغارد، أحلام المستوطنين، أحلام البريّ من الخنازير، وأماني قطعان البَيْسون، وخيبات الهنود الحمر، لأن قطعان البَيْسون كانت إحدى أمانيهم، كالماء والرمال والرياش والسهام والنار والرماد والعناكب الذئبية والضفادع الذهبية وجذوع الأشجار الضاربة إلى الحمرة. جاء نفر منهم على خيولهم، كانوا هم أيضًا في أبهى حللهم: الرياش على رؤوسهم والقلائد حول أعناقهم والفؤوس بأياديهم وظلالهم الأبدية تتبعهم. كان رئيسهم الشيخ، قدم الجبل، يجر جوادًا أسود كالليلِ في دَمْسِهِ، والموتِ في أناقته. وعلى مقربة منه، كان برق السماء، الشاب النبيل الطلعة كالجواد، يعبس، وفي عبوسه كل الجمال. عَجَّل رينالدو، رئيس رعاة البقر، الدخول في البيت الكبير ما أن لمحهم، وما لبث أن خرج بصحبة العظيم هانس كييركغارد وأخيه كلوديوس وبولونيوس، اليد اليمنى لكلوديوس، وعدد من الرجال المهمين الذين اصطفوا كلهم بانتظار وصول وفد الهنود الحمر. ومن الشرفة الواسعة، أطلت صاحبة المقام الرفيع جيرترود، ربة البيت، في ثوب الدانتيل الأحمر، وهي ترعد وتبرق، وأطلت الصديقات في أثواب الدانتيل الأبيض.

نزل أبناء الطبيعة عن مطاياهم، وتقدم قدم الجبل بالزين، وابتسامة تخلب العقل على شفتي مقيم الحفلة تجذبه إلى لآلئها، بينما يزداد برق السماء عبوسًا في الوقت الذي يزداد فيه جمال وجهه لدرجة أن الناظر يرى في الجمال ابنًا للتجهم، كالقمر ابنًا للدجى. انحنى رئيس "الميوُك" بين يدي العظيم هانس كييركغارد، وقال:

-    جئناكم بهذا الجواد كما لو كنا نجيئكم بفِلذة كبدنا وفاء بعهدنا.

وما أن سمع الشاب الحَرُون هذه الكلمات حتى قفز على حصانه، وغادر المكان على عجل. التفت كلوديوس إلى يده اليمنى بولونيوس، فأشار بولونيوس إلى رينالدو باللحاق به. امتطى رينالدو واثنان آخران من رعاة البقر أحصنتهم، وجروا على إثره، والشيخ الحكيم يقول:

-    برق السماء ولدُنا لم يلده نهر ساكرامنتو بعدُ كما ولدنا، لهذا طبعه لم يلن، ووميضه لا بد له من أن يحرقه ذات يوم، فالوميض يحرق كل من لا يخرج من الماء، وكل من لا يقرأ الكلام المكتوب على الموج، وكل من لا يدرك أن على النهر السير إلى المصب الذي كان بمشيئة الروح الكبرى.

مد الحبل الرابط به الحيوان الحَرِك إلى صاحب مربى الماشية، فشكره هذا، وهو يدمدم: "لك صداقتنا، يا قدم الجبل!". انحنى رئيس القبيلة بإجلال، بينما قاد رعاة البقر خيول الهنود الحمر إلى أرض مسورة مع غيرها من الخيول والجواد الأسود إلى المَرْبَط مع لا جواد غيره من جواد. صعد السَّنيّ هانس كييركغارد ومن معه على المِنَصة، جلسوا كلهم من وراء طاولة إلاه، وراح يخطب بالمدعوين المجتمعين المتجمعين من أمامه:

-    نحن نجتمع اليوم، وقد حلت بهجة العيون محل مَكْرُهَة النفس، فمن منا ينسى كمستوطنين ما قاسيناه من آلام حتى الآلام عجزت عن احتمالها، ومن منا ينسى ما واجهناه من أوهام حتى الأوهام انطلت عليها خداعها، ومن منا ينسى ما قدمناه من تضحيات بالنفس والولد والمال حتى التضحيات غدت غيرها، غدت أُضحيات البشر أنفسهم في قربان العالم. ونحن في كاليفورنيا على عكس غيرنا، على الأقل في المناطق التي تحت إمرتنا، تعاملنا مع الأهليين بكل أخلاقية وكل عدالة وكل إنسانية، لم نقتلهم، ولم نحرقهم، ولم نبعدهم، تركناهم يعيشون كما عاشوا دومًا على طبيعتهم، ففهمونا وفهمناهم، وبدورهم تركونا نسعى في هذه الأرض التي لا حد لها، ومكثوا في الحدود التي لأنفسهم حددوها، هذا هو العهد الذي كان ما بين أفلاذ الأرض وما بيننا ولم يزل، وهذا هو المعدن الذي نشتق منه أقوالنا وأفعالنا. أما إذا كان الذهبُ الشيطانَ لبعضهم، فنحن نقول لهذا البعض الذهب من بطن الأرض جاء، هذه الأرض التي كان الطمي أديمها والماء دمها، وما الشيطان سوى الإنسان. ونحن هنا، في ساكرامنتو، سنحارب الشيطان المحارب للشيطان في الشرق بقطار ينقل السلام من الغرب، وعلى دويّ المدافع سنؤسس لعصر جديد من التقدم ينقلنا من الزمن الزراعي إلى الزمن الصناعي، الحرية أمه، والمساواة ابنته، والأخوّة شقيقته اللَّح من أمه وأبيه.

صفق الجميع لسحر الكلام تصفيقًا حارًا، فتركهم يفعلون حتى صمتوا، وبعد ذلك قال:

-    أَدَعُ الكلام للسيد لاوسون، مبعوث الحكومة الفيدرالية.

وجلس دون أن يتحرك السيد لاوسون القاعد إلى يساره ببذلته القاتمة الفضفاضة، وشعره الأسود الغزير المفروق من الوسط، وحاجبيه الكثين. فتح محفظة ضخمة، وراح يبحث فيها، والكل ينظر إليه، وينتظر. رسم كلوديوس كييركغارد، القاعد إلى يمين أخيه، على شفتيه ابتسامة هازئة، إلى أن أخرج مبعوث الحكومة الفيدرالية في الأخير ملفًا ضخمًا، وهو ينفخ. فتح الملف، وراح يقلب الأوراق التي يحتوي عليها، ثم، وكأنه تذكر، أخرج عدسته المربوطة بِعُرْوَةِ سِترته من الجيب الخارجي، ووضعها على عينه اليمنى، ثم على عينه اليسرى، فتضاعف حجمها، وانشغل بالقراءة، والكل ينظر إليه دومًا، وينتظر. وعلى حين غِرة، خلع العدسة تاركًا إياها تتدلى على صدره، وهتف:

-    اليونيون باسيفيك ريلرود، سكة الحديد هذه ستوجد على الورق حالما يوقع صاحب المقام الرفيع هانس كييركغارد على العَقد الذي بين أصابعي وأنا، بوصفي ممثلاً للحكومة الفيدرالية.

وانهمك في البحث بين أوراق الملف إلى أن وجد ما يريد. قدم إحدى الأوراق للعظيم كييركغارد، لكنه جذب يده، وأدلى:

-    أريد فقط أن أعلق على كلمة صاحب المقام الرفيع هانس كييركغارد قائلاً إن القطار الذي سينقل السلام من عندكم أو الحرب من عندنا، هذا لا يهم، هذا القطار، المهم أن يأتي بمزيد من المستوطنين إلى هذا الفردوس، وذلك من أجل أن يرفعوا على قممه الشماء علم المعرفة والرخاء.

عاد يقدم الورقة الرئيسية إلى السَّنيّ هانس كييركغارد، فعلق هذا على التعليق:

-    شرطَ اقتسام كل شيء مع الأهليين.

حملق مبعوث الحكومة الفيدرالية غير راض، ثم أشار بكلتا يديه إلى الخدم السود، وهو يردد بحنق: ريشة ومداد، ريشة ومداد... وبسرعة، اختفى هؤلاء من وراء الأعمدة.

* * *

وبرق السماء يعدو بحصانه، كان الجمال على وجهه يبدو مرعبًا، كانت للجمال خاصية الرعب، ومن العادة أن يرعب ما هو مرتعب، ولم تكن متعة الرعب كمتعة الجمال، على الرغم من كون الواحد ملمحًا للآخر. كانت متعة الرعب تستند إلى إحساس بعدم الاطمئنان، عدم الرضاء، عدم العودة إلى الوراء بحثًا عن لحظاتِ الفرحِ، في زمن يحبو المرء فيه على الأربع، وكلِّ زمنٍ الرعبُ فيه لا مكان له، والهلع، والترح، والقلق، والانتظار، والارتعاش، واللهاث، وكل ما يقيد الحرية من صنوف عدم الحرية. كانت الحرية هي الجمال، من الخارج هي الجمال، ومن الداخل هي الجمال. وبرق السماء يعدو بحصانه، كان جماله عدم حريته، لهذا كانت تقاطيع وجهه الأسيلة ترتعد من الرعب. وهو عندما نظر إلى الوراء، رآهم، وهم يجيئون في إثره، رعاة البقر الثلاثة، لهذا كانت خوالج نفسه الشديدة تدق جدران صدره من اليأس، فصرخ ليسمع صوت جماله، وليرفع فأس حريته. كان من الواجب عليه أن يقاتل بفأس حريته، ليسترد فِتنته، ويرفع منزلته، لكنهم بمسدساتهم أردوه قتيلاً. دار اثنان منهم بجثته الجاثية على الأرض كجثة شجرة اقتلعت من جذورها، الجدارة حُلْيَتُهَا، العطاء قلم حُمْرَتِها، الموهبة قمرها الماسيّ، فلبرق السماء كانت طريقته في توكيد ملكاته، وبالتالي توكيد أنه جميل، وبما أنه جميل، أنه حي، حتى وهو ميت، وأنه موجود، حتى وهو غير موجود، فكل قضية هي موجبة أو موجبة وليست موجبة أو سالبة. أما الثالث، رينالدو، فطارد الحصان إلى أن جذبه بحبل ذي عقدة لفّ بها عنقه، وعاد به، ليُلقوا برق السماء على ظهره، ويشدوه برباط، ويتركوا الحصان يعدو في الطريق التي يعرف خط خطوطها كما تعرف الطريق حفر حوافره.

* * *

لم يكن هناك مكان واحد لقدم في حَلْبة الرقص، فالنساء والرجال يرقصون "الدانس كنتري" على إيقاع الأكورديون والناي ليحمدوا الله على نَعْمائه، فبفضله سيزرعون سكة الحديد الأطول في التاريخ، وفي خيالهم كان إنجازها قد تم على الرغم من أن العمل بها لم يبدأ، كانت هذه هي روحهم، روح رواد المستحيل المطوعين للعاصيات من الرياح، المحطمين للوعرات من الجبال، المنتصرين على جحافل الصحراء. كان حبورهم قبل خلقهم، هكذا هم كانوا، روادًا في كل شيء، الحياة لديهم مشروع سينجز، والوجود واقع سيتحقق. كل شيء كان من أمامهم، الجحيم كالنعيم كان من أمامهم، كل شيء كان ابنًا للمستقبل، يكفي أن تعدهم هذه الأرض الخيمرية بوعد مجنون حتى يرقوا بأنفسهم إلى مستواه. كان في حبورهم الشك واليقين شيئًا واحدًا، الحب والكره، الجرأة والجبن، الرفعة والنذالة، الحكمة والمخاتلة، الصدق والافتراء، الرغبة والاشتهاء، اللذة والإضناء، إضناء الجسد، وإضناء الظل، وإضناء الطبيعة، إضناء الطبيعي، إضناء المادي، إضناء المعنوي، كان الإضناء لديهم متعة الخلق.

رقص السنيّ هانس كييركغارد مع زوجه صاحبة المقام الرفيع جيرترود، وكأن الموسيقى كانت لهما وحدهما دون أحد آخر سواهما، وكأنها صُنعت لتمايل جسديهما، وكأنها عُزفت لإلهين أرضيين، وكل الباقين ملائكة أو شياطين، كانوا من اللهو بحيث نسوا من كانوا، ولماذا هم يرقصون، بينما كل تاريخ فتح الغرب كان يتمايل مع الجسدين الملكيين. وكانت الأرض التي تسحقها أقدامهما ترتعش من فرط الحبور، والطيور تسقسق من فرط السرور، والأمواج تبقبق من فرط التهلل، وهنا وهناك بعض المدعوين الذين ما زالوا يشربون ويأكلون.

خرج العظيم هانس بزوجته من حَلْبة الرقص، وأخذها بين ذراعيه.

-    جيرترود، قال الزوج السعيد، لماذا لم يخلق الله سوى جيرترود واحدة على وجه الأرض؟

-    لكي تكون فقط لك، يا سيدي، قالت الزوجة السعيدة.

-    أحقًا لكي تكون جيرترود فقط لي ولا تكون لأحد غيري؟

-    وهل يشك سيدي في هيئته؟

-    جيرترود، يا حبيبتي، أنت يقيني.

-    هانس، يا حبيبي، أنت يقيني.

-    لما يعجز العبد عن معرفة معبوده، لما يعجز المعبود عن معرفة عبده، سأقول لهما ها هي جيرترود.

-    وأنا سأقول لهما ها هو هانس.

-    عندما أسمع هذه الكلمات، كلماتك التي أسمع، لو كنت أعمى لرأيت، ولو كنت سقيمًا لبرئت، أنا أعمى الفؤاد بحبك وسقيم النفس.

اعترضهما كلوديوس، فقال أخوه الكبير له:

-    لماذا تعترض على النهر اجتيازه، يا كلوديوس، وعلى البحر اندفاقه، وعلى الرمل قصته مع الريح؟

-    أنا لا أعترض، يا سيدي، أجاب الأخ الصغير بأدب جم، أنا زورق في النهر، وشراع في البحر، ومجذاف في الرمل.

وبعد قليل:

-    هل تسمح لي بالرقص مع صاحبة المقام الرفيع جيرترود؟

-    هل تسمح لك صاحبة المقام الرفيع جيرترود بالرقص معها؟

ولم يدعها تنطق من الكلام قليله.

-    ها أنا أعهد إليك بإنجيلي، يا كلوديوس، قرر السنيّ هانس، فاحرص عليه حرص يهوذا على قبلته، ولا تطل كثيرًا.

فضحك الأخ الصغير، وقال:

-    بعد اثنين وثلاثين زمنًا موسيقيًا، كما تريد الرقصة، أعيدها إليك، صاحبة المقام الرفيع جيرترود.

-    سأقول لك ما أفكر فيه، يا سيدي، قالت سيدة القلوب والنفوس.

-    يا للحظ أن أسمع ما تفكرين فيه، صاح صاحب المقام الرفيع هانس إعجابًا، مجرد سماع ما تفكرين فيه أنت تغدقين عليّ من الكرم ما لم يغدقه أحد.

-    مع هانس أو كلوديوس الرقصة هي الرقصة، همهمت جيرترود بمكر.

-    تعجبني هذه الفكرة، يا حبيبتي! ألقى السنيّ هانس. أنا كلي شكر لك، كلانا كله شكر لك، ها أنت تكرميننا نحن الاثنين، أنا وأخي! يا لحظنا نحن الاثنان، أليس كذلك، يا كلوديوس؟

-    هو كذلك، يا سيدي، وأنا شاكر لفضلك.

-    اشكر فضل صاحبة المقام الرفيع.

-    أنا شاكر لفضل صاحبة المقام الرفيع، لفضلها وفضلك.

-    ستجدينني هناك، يا حبيبتي، همهم السنيّ هانس، مع السيد لاوسون، إنه لا يتوقف عن الشرب.

راح كلوديوس يراقص زوجة أخيه كما لم يرقص أحد في الشرق أو الغرب، في الشمال أو الجنوب، لم يكن يرقص على الأنغام، كانت الأنغام تجاري رقصه، والراقصون يجارون رقصه، والأشجار تجاري رقصه، والأحجار، والأتبار، والمناخل، والجماجم، والجلود، والمهاميز، والحوافر، كل شيء كان يجاري رقصه. ضحكت الرائعة جيرترود، وهي تخرج من حَلْبة الرقص، وقالت لاهثة:

-    كلوديوس، حقًا أنت ترقص كما لا يرقص أحد شرقًا أو غربًا، شمالاً أو جنوبًا.

-    ليس أنا، أجاب أخو زوجها.

-    لا تكن متواضعًا إلى هذه الدرجة كأخيك.

-    ليس أنا، ولكن أنتِ.

-    أنا! أنا التي لا تعرف كيف تمشي وهي تفتح واسعًا عينيها!

-    أنتِ، أنتِ، معك أصبح أنتِ.

-    أنتَ بفضلي إذن راقص ماهر؟

-    جيرترود، أنا بفضلك كل شيء.

عاد رينالدو ورفيقاه، فنزل رئيس رعاة البقر عن جواده، وذهب يهمس في أذن بولونيوس، ومبعوث الحكومة الفيدرالية يضرب على حقيبته بيد ثقيلة، ويقول للسنيّ كييركغارد:

-    ما هي سوى بضعة أسابيع، أكون قد سلمت العَقد لأولي الأمر لتبدأ أشغالك، يا صاحب المقام الرفيع، أشغالك الجبارة، ولو كان قطارك ها هنا اليوم، لما احتاجني الأمر إلى أكثر من بضعة أيام، بضع ساعات. من هنا إلى هناك، اتركنا ننهي قنينة الويسكي هذه التي لم يزل مليئًا نصفها، وسآخذ الدِليجنس. على أي حال، الشمس لم تزل في سمتها. شمس كاليفورنيا هي هكذا، وكأنها لا تتحرك.

-    خذ حذرك من شمسنا، يا سيد لاوسون، فهي تخدع وتخون كمن يخدع ويخون زوجته، قال العظيم هانس كييركغارد، وهو يبتسم.

رفع السيد لاوسون رأسه، وهو يغمض عينًا، ويفتح أخرى، وهو يضع عدسته على هذه العين، وعلى هذه العين، وهو يهمهم: "في الشرق نحن لا نعرف شمسًا كهذه!"، وجرع كأسه التي ما لبث أن ملأها.

استأذن بولونيوسُ سيدَ المكان، وذهب مع مأموره، ومأموره يقول:

-    لقد تم كل شيء كما أمرتم، يا سيدي، لحقنا برق السماء، وأرديناه قتيلاً، ثم بعثنا بجيفته على ظهر جواده إلى قبيلته.

-    ليس كل شيء، يا وتر المثلث القائم! عارض بولونيوس، فما هذه سوى الخطوة الأولى من سلسلة خطوات تتتالى الواحدة بعد الأخرى.

-    تعرف أنا طوع أمركم في كل شيء، يا سيدي.

-    أعرف، وإلا كانت نهايتك على يدي، يا وتر المثلث القائم!

-    وما هي الخطوة الثانية، يا سيدي؟

-    انتظرني ريثما أكلم السيد كلوديوس.

-    سأنتظرك، يا سيدي.

-    يا وتر المثلث القائم!

-    هذه الكُنية...

-    كِناية.

أول ما لمح كلوديوس يده اليمنى يقترب، خرج بجيرترود من حَلْبة الرقص، وطلب إليها أن تنتظره قليلاً ريثما يرى ما يريده بولونيوس.

-    سألتحق بهانس، قالت السيدة الجليلة.

-    هناك شيء أود تقديمه لكِ، سارع كلوديوس إلى القول.

-    هناك شيء...

-    أود تقديمه لكِ.

وبينما احتدم الرقص من ورائها، رأته على بعد عدة أمتار، وهو يقطب عبوسًا، ويتكلم بفم متوتر، مرة يمد هذه الذراع نحو الشرق، ومرة تلك الذراع نحو الغرب، وبولونيوس لا يفعل سوى تحريك رأسه سمعًا وطاعة. وفي الأخير، ذهب مهرولاً بأمر من كلوديوس الذي ما لبث أن عاد، وهو يخبئ عبوسَهُ تحتَ قناعِ ابتسامِهِ، وذهب بجيرترود إلى زاوية بعيدة عن الأنظار، والحيرة غمام يطفو على محياها.

-    الغالية جيرترود، همس أخو الزوج، سأضع حدًا لحيرتك في الحال.

ومن جيبه أخرج عِقدًا من الذهب ذا عدة صفوف، وهو يضيف:

-    أتمنى ألا يكون كل هذا الذهب ثقيلاً على عنقك.

-    الذهب حتى ولو كان ثقيلاً هو خفيف عند الحمل، همهمت جيرترود، وفي عينيها تلمع آيات الشكر.

-    الحق أني لم أفكر في هذا.

-    وفيم كنت تفكر؟

-    في عنقك الرقيق.

-    هانس، أخوك، لم يفكر في هذا أبدًا، والهدايا لديه طقس من الطقوس الهندية.

-    هذا لأنه يحبك، من يحب تغفل عنه مثل هذه الأمور، أريد القول لا يبحث عن تبرير لحبه، خاصة إذا ما لم يعد الحب جديدًا، ينبع من قلب مفتوح العينين دون أن يرى، ومن عقل ممدود اليدين دون أن يلمس.

-    إنه بالفعل لا يبحث عن أي تبرير لديّ.

-    وأنتِ؟

-    أظن وأنا.

-    يا له من محظوظ!

-    هلا ساعدتني على وضعه؟

-    حالاً.

أحاط العنقَ العاجيَّ بالذهب، وكان لا بد من أن يدفع ذلك الوضع الغير العادي إلى تصرف غير عادي، ليس التصرف الاستثنائي الذي يحصل في الزمن الاستثنائي، تصرف غير عادي، فقط، يبرره الشرط، فطبعت جيرترود قبلة على وجنة كلوديوس. اغتنم أخو الزوج الفرصة، واغتصبها من ثغرها قبلة، قاومتها في البداية، وَقَبِلَتها في النهاية.

* * *

كان الجواد الذي تركبه الجميلة أوفيليا، ابنة بولونيوس، يخب في الجنة التي كانتها ساكرامنتو، وكان هاملت، ابن هانس كييركغارد، يتبع على حصانه من ورائها. لم يكن يريد الذهاب إلى حيث يرغب هو بل إلى حيث ترغب هي الذهاب، فترك نفسه نقطةَ التقاءِ مستقيمٍ مع مُسْتَوٍ. ما كان يشغلها الحزين هاملت، وهي بعدوها من أمامه، كانت تفكر في إبعاده عن حزنه. دارت بحصانها فوق رابية، وتوقفت، ففعل مثلها، ونزل الاثنان عن مطيتيهما.

-    سنجلس على الكلأ الأخضر، اقترحت أوفيليا، وسننظر إلى الأفق الأزرق.

جلس هاملت إلى جانبها، وسرّح نظره إلى الأزرق.

-    هل هذا هو لون الرّياء؟ تساءل هاملت، لأن الأزرق لو كان لون الرِّياء، فالرّياء معبدي.

-    الأزرق لون الفرح، همهمت أوفيليا.

-    الأزرق لون الحزن، همهم هاملت.

-    ننظر إلى الشيء الواحد، ونؤوله على طريقتنا.

-    نحاول الهرب من الأشياء، فنتبع غيرنا، لكن الأشياء تتبعنا.

-    أردت إبعادك عن حزنك، بينما الحزن في عينيك، خلافًا لما فكرت فيه.

-    أنا الأفق إذن، الطبيعة اللامعقولة.

-    لماذا، يا هاملت؟

-    لما يزرق الأفق يغدو حزينًا كهاملت.

-    لماذا أنت حزين وأنت معي؟

-    آه! ما أبشع هاملت.

-    لماذا أنت كئيب؟ لماذا أنت كاسف، مغموم، مكتئب؟ لماذا أنت هاملت، يا هاملت؟

-    أسئلة، أسئلة، ليس ذنب الأسئلة!

-    لماذا أنا أوفيليا؟ لماذا نحن هاملت وأوفيليا؟ لماذا نحن نحن؟

-    كل هذا لأني حزين.

-    أنت حزين، لماذا لا تبكي؟

-    عندما أكون حزينًا، أنا كالخيول لا أبكي. آه! يا ليتني كنت تمساحًا.

-    آه! يا ليتني كنت حزنك.

وراحت أوفيليا تبكي.

-    أنت تبكين، همهم هاملت.

-    ليس هذا لأنني حزينة.

-    إذن لماذا؟

-    لأنك أنت حزين.

-    أعطيني إذن دمعي، يا أوفيليا.

-    ماذا ستفعل به، يا هاملت، وأنت لا تبكي؟

-    كيلا تبكي أنتِ، كيلا تبكي لأجل حزني. لم أختر أن أكون حزينًا، هكذا، كمالك الحزين. الحزن حياتي، الحياة، الوجود دون ابتسام، فالابتسام هو القناع الذي نختبئ من ورائه، لهذا كان الابتسام أبشع ما في الإنسان، لهذا يبتسم الضباع، لهذا تحزن البَيْسونات، ولا تستطيع البكاء، ورعاة البقر، الذين هم نحن، يسوقونها إلى المذبح. أنا بَيْسون حزين، يا عزيزتي، من جلدي يصنع الهنود خيامهم وألبستهم، ومن عظمي يسحق الرجال البيض ما يسمدون به الحقول والنفوس. هذه هي أسبابي.

-    أنا لا أحتاج إلى أسباب، حبي لك لا يحتاج إلى أسباب، كعبادتي التي لا تحتاج إلى "لماذا"، ولا إلى تبريرات، أحتاج فقط إلى الفهم، فهم حزنك، كي أحبك وحزنك، كي أبكي لحبك لا لحزنك، كي يدغدغني حبك حتى الحزن، وحزنك حتى إراقة كل ما في عينيّ من دمع.

-    من بصاق.

-    الفم يبصق لا العين.

-    العين تبصق كالفم على من هم مثلي.

-    عين المهرج ربما، لكني أنا، لا أملك عين المهرج.

-    لأنني المهرج الذي تبصق عليه الكلمات من عيونها عندما أنطق بها لتوجد.

-    انطق بي، هاملت، لأوجد.

-    لكنكِ لن تبصقي عليّ.

-    سأذرف الدمع عليك، كما هو عهدي، وأترك للمهرج بصاق الكلمات، وعسل النحلات، و...

-    لماذا لا تقولين خراءها؟

-    وزيت البلسم.

-    لا تقلقي من أجلي، فكل هذا جنون.

-    سأقلق من أجلك، لأن كل هذا جنون.

-    في مرآة جنوني، أنعق كي أشنف الآذان، وأنبح كي أنذر اللصوص، وأحمحم كي أنقذ القُواعات البرية. في مرآة جنوني، الغراب غير نذير شؤم، والكلب غير وفي النفس، والحصان غير قاسي الحافر. في مرآة جنوني، كل شيء جميل لما يكون النقيض للجمال، لهذا الجنون أبشع شيء في الوجود. في مرآة جنوني، كل شيء دميم لما يكون المعارض للدمامة، لهذا الجنون أحلى شيء في الوجود. هل للجنون مظهر في مرآة الجنون؟ ستقولين لي الحزن جنونك، الحزن وجودك. في مرآة جنوني، الأفق الأزرق أسود أو أصفر أو أخضر أو أحمر أو أخرأ أو أشخخ، وكل كاليفورنيا جذع شجرة باسقة، جذورها الميتافيزيقية الكون. انظري إليّ في مرآة جنوني كيف أموت من ضَحِكٍ يستغلب عليّ إلى حد أن يبكي الضحك كما تبكين، يا حبيبتي.

انفجرت الجميلة أوفيليا ضاحكة تحت نظرة هاملت المستنكرة، أخذته بين ذراعيها، وهي تداوم على الضحك. كانت تردد: "آه! ما أيقن الشك. آه! ما أيقن الشك!" وراحت أَصْرُحُ المذاهب تنهار في خيالها. كانت في تلك اللحظة سلوكها الفريد. ليكن ما يكون. رمته فوقها، وجعلته يدخل في مرآة جنونها.

* * *

على ألحان الطنطن، كانت حلقة الدمار والبناء أشبه بإحدى حلقات زحل، وهي تضم كل شباب الهنود الحمر بوجوههم المصبوغة بلوني الحرب: الأحمر والأسود، وقبضات رماحهم المحفورة بالملاحم، وأكفال خيولهم الصاهلة من الذعر غير بعيد هناك، مدفوعة بحضور كائن خفيّ محبو بقوى فَوْطبيعية. وكان جثمان برق السماء مرفوعًا على الحطب في وسطها، وهم يطلقون صرخات الثأر، يحركون أجسادهم حركة الأمواج، ويخفقون أذرعهم خفق الأجنحة، وينحنون انحناء الأشجار مع الرياح. كانوا الطبيعة المتوحشة، الطبيعة الحرة، أحرارًا كانوا في أرض الآباء، مسالمين لا يفكرون في الأذى، ولا يسعون إلى حلب نملة. وبشكل متناقض، كانوا يلحقون الأذى بمن يلحق الأذى بهم، يغدون عدوانيين، ويختلط الأمر عليهم، بدافع آخر غير حريتهم يختلط الأمر عليهم، فيكون كل البيض ضحاياهم، حتى أولئك الذين لم يكونوا طبيعيًا ضدهم. أشعلوا النار، وراحوا يذبحون الديوك الرومية، ويلقونها في المجمرة، وكأنهم يريدون بذلك أن يذبحوا ويحرقوا المستوطنين كلهم دون تمييز. اعتلى هندي مصبوغ الوجه صباغةً حادةً صهوةَ حصانِهِ، وهو يُعلي بندقيته إعلاءً مبالغًا فيه، وسار شيوخ القبيلة إلى جانبه مشيعينه بمظاهر التكريم كما لو كان ذاهبًا إلى حتفه، فتتبعه الأشجار، والشيوخ ينادونها، يرجونها، يدعون الروح الكبرى لتحفظها، يشكرونها، حتى انطلق، كالسهم انطلق، وغاب عن الأنظار. في الوقت الذي كانت فيه أوفيليا تنحني برأسها، وتنظر إلى أعناق الكلأ المحطمة، وتقول:

-    لم أكن يومًا سعيدة هذه السعادة.

لكن هاملت كان يذهب من ورائها ولا يلبث أن يأتي، ويقول:

-    كيف أكون سعيدًا وأنا أجهل كل شيء عن السعادة.

-    السعادة هي هذا، أن تجهل كل شيء عنها.

-    السعادة ربما كان لها اسم آخر، وربما هي عكس كل ما نعرف عنها، ربما هي حادث طارئ، احتمال من الاحتمالات، وتبعًا للحال التي نحن فيها، لديكِ انطباع، وأنتِ تدعسين هذه الأرض، بأنك تمشين على أثداء النساء.

-    لم أكن أعلم أن السعادة على مرمى حجر.

-    والثمن الكبير الذي دفعتِهِ؟

-    هذا ليس مهمًا.

-    هذا ليس مهمًا؟

-    هاملت، لا تكرهني.

-    لواحدة مثلك حبٌ هو الكره.

-    هاملت، لا تكرهني، لا تكرهني. أنا لست أمك، فلا تكرهني. أنا لست أختك، فلا تكرهني. أنا لست ابنتك، فلا تكرهني. أنا لست زوجتك، فلا تكرهني. لا تكرهني لتدوم سعادتي، ولئلا تكون سعادتي غير ما هي عليه في هذه اللحظة التي تغيرت فيها كل حياتي، عند المتعة الأولى والآلام الأولى والولادة الثانية. لا تحبني، ولكن لا تكرهني. كعاهرة. نعم، كعاهرة. هل يحب أحد العاهرة التي ينام معها؟ هل يكره أحد العاهرة التي تترك لأظافره جسدها؟ كعاهرة لا تكرهني. كنحلة تفتح فخذيها للريح. كسنبلة خائنة بطبعها. كوردة دون أثداء. اكرهني لو شئت فيما بعد، أما الآن، فلا تكرهني، لتدوم سعادتي، فالسعادة لا تدوم.

تحت، في السهل، مضى المحارب الأحمر على حصانه: كان لا يبالي بشيء، لا الصخور كانت تعيقه ولا الأشجار، ولا الأرواح، حتى ولا البروق أو الرعود، حتى ولا الفيضانات أو العواصف، حتى ولا الهيجانات أو الزلازل. كان يمضي كالريح التي تعرف إلى أي اتجاه تؤم، وكان الاتجاه مملكة الدانمرك.

-    أنا عاهرتك، يا كييركغارد، منذ الساعة، ألقت أوفيليا، وهي تنهض بوجه اربدت تقاطيعه.

لم يهتم هاملت بها، وبما تقول، كان يحاول الطيران عن حافة الرابية، والريح تدفعه، وكان يقول:

-    أحس بأني أطير، كالكوندور أطير!

-    أنا عاهرتك، ألحت أوفيليا.

-    أنا والريح جسد واحد.

-    مثلنا منذ قليل.

-    أنا والريح.

-    أنا والنهر.

-    النهر لا يغذي أحلامي.

-    بلى.

-    لا يحقق أحلامي.

-    هذا ما لا يدركه غيرُ جسدٍ ذي شرخ.

-    لا يجعل منها كوابيس الحياة.

-    جسدٌ ذو شرخ، يا دين الرب!

-    الريح أن تقتربي من العالم الوحشيّ وأن تعيشي بحدة.

-    جسدٌ ذو شرخ لأولئك الذين يستثمرون أنفسهم من أجل السعادة على أرض بكر لا تعرف الرياح، هنا تكمن العُقدة. تمامًا كما يجري على المسرح، فالمسرح هو الجسد المفتوح على العالم، ونحن لسنا بحاجة إلى ممثلين يُفْهِمُوننا حقائقنا، أريد القول فظائعنا.

-    وإذا ما أردنا أن نلعب لعبة المحتمل واللامحتمل لنوسخ أرواحنا أو ننظفها، فماذا سنفعل؟

-    سنترك ذلك للعواصف، العواصف أقدر منا على الانتقام لنا.

-    أين العواصف؟ بنات القحبة أينها؟ أين الأعاصير؟ أين الزوابع؟ أين الأنواء؟ أين مقتلعو الأشجار؟ أين مفجرو البراكين؟ أين مبدعو الحريات من عدم؟

-    لن يجد الجواب لديه كبيرًا كما لم يجده صغيرًا، لن يجده لديّ، لن يجده لدى أخي لائِرتس، لن يجد الجواب لدى أحد. لماذا لم نلعب اليوم كما كنا نلعب البارحة؟ لماذا بدلنا لعبتنا؟ هل كبرنا حقًا؟ هل هذا هو السؤال الذي يشمل كل الأسئلة؟ سؤال يبقى دون جواب؟

-    لماذا لم تقولي لي إننا سنكبر، يا أوفيليا؟

-    لتطرح السؤال.

-    يا أوفيليا، لِمَ كل هذا الخداع؟

-    بعد كل ما فعل، ها هو يلجأ إلى صدر مامي! مامي، قولي له ما يريد أن يسمعه، غني له ما يُطْرِب أذنه، اصنعي له فطائرك التي يحبها. هاملت، اترك مامي، وتعال، لم نلعب كل لعبتنا، العواصف لعبتنا، عليك أن تأتي بها. اترك مامي، قلت لك اترك مامي! إذا لم تتركها ذهبت! لا تريد أن تتركها؟ اترك مامي، اترك مامي!

-    يا أوفيليا، لِمَ كل هذا الإلحاح؟

-    اترك مامي! مامي، لا تقولي له ما يريد أن يسمعه، لا تغني له ما يُطْرِب أذنه، لا تصنعي له فطائرك التي يحبها، عاقبيه بما يرغب! هاملت يحبك. عاقبيه بحبه! هاملت يطيعك. عاقبيه بطاعته! هاملت يدافع عنك. عاقبيه بدفاعه! وأنا أيضًا أحبك، وأطيعك، وأدافع عنك، لهذا أنا أكذب، فأنا لا أحتمل عقابك. هل تسمعني، يا هاملت؟ مامي لن تعاقبك، ستعاقبك بحبها مامي، هذا كل ما تقدر عليه. بحبها. مثلي أنا. بحبها لا بخداعها. هل تسمعني، يا هاملت؟ أنت لا تسمعني. وأنت مع مامي، أنت لا تسمع أحدًا. أنت لا تسمع لأحد. تسمع مامي. تسمع لمامي. اترك مامي قلت لك. لا تريد أن تترك مامي؟ طيب، ابق! سأتركُكَ، أنا. أنا ذاهبة.

امتطت أوفيليا حصانها، وتركته يصيح من ورائها:

-    أوفيليا!

فلم تجبه.

-    أنا الكلمة الحمقاء، يا أوفيليا!

امتطى بدوره حصانه، وعجل اللحاق بها، وما لبث أن تجاوزها.

* * *

قال العظيم هانس كييركغارد لزعيم الهنود الحمر:

-    سأجد القاتل، فأعاقبه، هذا عهد أقطعه على نفسي.

-    وفيت بعهدك ونكثت عهدك، جمجم قدم الجبل، وراح يبكي من شدة الحزن.

-    القاتل أمري.

-    ستنطق الحجارة التي ارتوت بدم ولدي لتقول لك من القاتل.

-    الحجارة لا تنطق، ولكنها ستنطق.

-    قلوبكم الحجارة، والقيّوطات أحن على أبنائها منكم.

-    أنت لست قيّوط البراري والشِّعاب، يا قدم الجبل.

-    يا ليتني كنته.

-    وحياتك التي خاطرت بها من أجل إنقاذي في يوم مضى؟

-    يا ليتني لم أخاطر بها.

-    هذا ما لم أنتظر سماعه من فمك.

-    ما تسمعه ليس من فمي، ما تسمعه من فم ولدي الذي قضى نحبه.

-    الأموات لا تتكلم، يا قدم الجبل!

-    الأموات هم نحن الأحياء الذين ينتظرون على حواف قبورهم، الإناث لئلا يلدن، والصغار لئلا يكبروا.

-    لم أقتل في يوم مضى امرأةً منكم أو طفلاً.

-    في بلد لا يعرف سوى منافحة الحرب، كل شيء يكون بعد أن كان، اليوم ولدي برق السماء، وغدًا البرق والرعد، فلا يكون في السماء ضوء، ولا على الأرض ماء. في بلد لا يعرف سوى ترويض الخيل، كل شيء يساق بعد أن سُوقَ، اليوم النفوس، وغدًا الوطاويط والسناجب، فلا يكون في الشجر ليل، ولا على الروابي نهار. في بلد لا يعرف سوى طعم المال، كل شيء يباع بعد أن بِيعَ، اليوم نهر ساكرامنتو، وغدًا الأنهار والبحار، فلا يكون في المياه أسماك، ولا على الشواطئ رمال.

-    ما تعني بهذه الكلمات؟

-    هذا أمر مفهوم.

-    أنت لا تدرك ما تقول.

-    أنت ترى في الأمر خبثًا.

وأخذ ينوح كما تنوح القيّوطات، هذه الذئاب الصغيرة، وكل من كان معه، فسالت دمعة من عيني صاحبة المقام الرفيع جيرترود، وسارعت بالدخول إلى البيت الكبير، تحت نظرة أخي زوجها الساخطة.

-    اخرس، يا قدم الجبل، فقد أفزعت بنواحك روحنا الحساسة، نبر كلوديوس.

علّى الشيخ المنكوب صوته وكل من كان معه، كان صوت الحزن والاستغاثة.

-    يا أيها البرق ابرق، قال، وهو يرفع رأسه إلى السماء، فلتحرق الأزرق وما فيه بنار النجوم! يا أيها الرعد أرعد، فلتُغرق الأرض ومن هم عليها بدمع المُغَيِّر! يا أيها البرق، يا أيها الرعد!

-    يا أيها البرق، يا أيها الرعد! استجار كل من كان معه.

انتشرت الغيوم هنا وهناك، فتسلل الرعب إلى قلوب البعض، لكن كلوديوس لم يبق في قوس صبره مِنْزَع:

-    قلت لك اخرس، يا قدم الجبل، واذهب عنا بعيدًا أنت وخزعبلاتك!

أخذ يدفعه، ومن كان معه، وكلهم يردد: "يا أيها البرق، يا أيها الرعد!". امتطوا أحصنتهم، وغادروا مربى الماشية، في نفس الوقت الذي اخترقه هاملت وأوفيليا، وسماء الربيع ترعد وتبرق.

* * *

شقت الدِّليجنس طريقها بأقصى سرعة، فالخيول الستة التي كانت تجرها في عنفوان شبابها، وهي بعد أن حصلت على ما تحتاجه من الراحة، بدت الرحلة كما لو كانت أولى رحلاتها. وضع السيد لاوسون عدسته على عينه ليتأمل المسافرين، فابتسمت له العجوز المتصابية الجالسة أمامه ببلاهة، وبسرعة نزع العدسة، وتركها تتدلى على صدره. ألقى نظرة على الشاب الجالس إلى جانب المرأة، كان ذا عشرين ربيعًا، وكان يبتسم هو الآخر ببلاهة، وعلى الرجل الجالس إلى جانبه، كان في مثل عمره، وهو يغط في سبات عميق. ولكي يهرب من ابتسامتي الشمطاء والفتى، جمع محفظته في حضنه، وأغمض عينيه، وما لبث أن ذهب في سبات عميق، قطعته فجأة طلقة رصاص، ثم عدة طلقات، أرسلها من بنادقهم رينالدو وصاحباه المختبئون خلف الصخور. سقط السائقان صريعين، وصهلت الخيول صهيل الذعر والفزع، فأخرج السيد لاوسون رأسه من النافذة، وهو يحاول وضع عدسته على عينه دون أن ينجح. دفعته المرأة، وأخرجت رأسها لتفجره رصاصة. صرخ الرجال الثلاثة، والجثة تسقط كالقدر في أحضانهم، بينما عجلات الدِّليجنس تدور دورات عجلات عربات الشياطين في جهنم بأقصى ما يكون. لم تكن النهاية، فرعاة البقر الثلاثة تمكنوا من اللحاق بالخيول المجنونة فزعًا وذعرًا، وعملوا على تهدئتها، فإيقافها. فتح رينالدو باب العربة، ورأس المرأة منه يتدلى، وبمسدسه أردى الرجلين قتيلين. كان السيد لاوسون قد خرج من الباب الآخر، وراح يركض، كالممسوس راح يركض، وهو يدري ألا فائدة هناك، وأن النهاية ستكون بين لحظة وأخرى، لكنه سيقول للشياطين في جهنم إنه حاول إنقاذ روحه لما سقط فجأة إثر طلقة أصابته في ظهره. قَلَبَهُ رينالدو بقدمه، وخلصه المحفظة التي بقي يشد عليها بذراعيه. فتحها بحثًا عن الملف الخاص باليونيون باسيفيك ريلرود، وهو يقذف بباقي الملفات، إلى أن وجده. ألقى المحفظة أرضًا، وأعطى جثة مبعوث الحكومة الفيدرالية ظهره، لكنه ما لبث أن عاد، قطف من صَبّار عملاق زهره الأصفر، ونثره على صدر القتيل، ووضع العدسة على العين الناظرة من قلب الموت إلى سماء غائمة بدأت تمطر.

* * *

لم يعرف هوراتيو، الصديق الأسود، كيف يعبر عن مشاعره، وهو يرى الغضب يغزو جسد وروح هاملت، وكأنه الغضبُ قد غدا، وربما شيئًا آخر أعظم وأقوى وأعتى تعجز اللغة عن دعوته غضبا، فها هي كل عضلة من عضلاته تختلج، وتقاوم الأوتار دون أن يفعل فيها شيء، وكل نَسَمة من نَسَماته تئن، وتنادي الأحياء دون أن يؤثر فيها صوت. كان كل وجهه يصرخ من لسع النار بسوطها، وكانت النار تعوي بفيهِ كلبٍ، وهي تلتهم له الكِيان، وكان كِيانه ينهار في جوفها، وكل كِيانه يقهقه، فراح هاملت يقهقه، كالمعتوه راح يقهقه. لم يكن يدري ما يفعل، ولِمَ يفعل. كانت النار تدغدغه، وهو كالقبرات، كالقبراتِ لا يفعلُ سوى الضحِكِ مَعَ القبرات.

-    اللعنة على النار التي تلتهمك وتدغدغك في آن! قال هاملت، وهو يضغط قبضتيه كمن يريد أن يعتقل اللهب فيهما. اللعنة على السعير، اللعنة على الضرام، اللعنة على جهنم، جهنم الروح، جهنم الأماني، جهنم العجز، العجز العاجز، المهاب، الهياب، ابن المومس! اللعنة على هاملت، هاملت الذي ها هو الآن يسعى إلى التنصل من مسئوليته بأي ثمن، ولا يرى كيف ينقذ روحه! اللعنة على روح هاملت التي لا تعرف كيف ترفض لتعرف كيف تثير! اللعنة على إثارة النفوس التي نفس هاملت تظل غريبة عنها، فلا يبقى له سوى أن يرفع الصليب المقدس على كتفيه!

-    سيدي وصديقي، ارأف بنفسٍ هي في ريِّق العمر، رجا هوراتيو.

-    انظر إليهم كيف يستعدون للحرب بِحَمْو العاشق وحَمِيّة المعشوق وكأنهم مذ جاءوا إلى الوجود ما انتظروا إياها، نبر هاملت، وهو يفتح النافذة ضاربًا دفتيها. انظر إليهم، تابع، وهو يجذب هوراتيو، ويدفع رأسه خارج النافذة، انظر إلى بنادقهم، انظر إلى مهاميزهم، انظر إلى ظلالهم، ظلالهم العملاقة، ظلالهم البيضاء، ظلالهم الطائعة طوع ظلال الكلاب، انظر إلى عيونهم التي تتقصى دومًا ناحية واحدة تجيء منها الطبيعة المتوحشة، ناحية واحدة، ناحية واحدة ولو كانت عدة نواحٍ، عيونهم التي تنتظر دومًا انبثاق الحوافر من الغبار، فيسقط العالم في الغبار، وتغيب عن العين ملامحه. يجب على العين ألا تميز شيئًا، هكذا تسهل مهمة البنادق، وترتاح الضمائر.

-    سيدي وصديقي، أنا أحتمل حزنك ولا أحتمل غضبك، غضب نفس يفوق أضعاف ما لك من عمر، همهم هوراتيو.

-    احتمل غضبي ولا تحتمل حزني، هوراتيو، ليكون غضبي قويًا، همهم هاملت، أقوى ما يكون، لتكون ثورتي عظيمة، أعظم ما تكون، ولئلا أنفي عني طبيعتي المتوحشة.

-    هاملت، ابن سيدي صاحب المقام الرفيع، طبيعته متوحشة!

-    هاملت، ابن سيدك صاحب المقام الرفيع، كما تقول، هو كل أولئك الهنود، كل تلك الغابات، كل تلك المستنقعات، كل تلك الوديان، كل تلك الأنهار، كل تلك البراري، كل تلك الصحاري، كل تلك الضواري، كل تلك الوحوش غير الآدمية، التي لم تعرف الحضارة أبدًا، لأن الحضارة تبقى عنها غريبة، وهي ابنتها، كالمومس في الصالون. هذا هو هاملت، ابن سيدك صاحب المقام الرفيع، مومس في صالون!

-    لقد عمل سيدي صاحب المقام الرفيع والدكم كل ما في وسعه ليحول دون الحرب، لكن النجاح لم يكافئ جهده.

-    حالة القوة القاهرة، أليس كذلك؟ بالتأكيد! على الحرب أن تتربع، يا صديقي، على الدم أن يتعفن، على الجسد أن يتفسخ، على الكوندور أن يتشمع، على الذهب أن يتهرأ، على الحرب أن تتربع كل يوم ولأدنى سبب، وإن لم يكن هناك سبب اخترعناه. هكذا نقول حربنا، كما نقول أرضنا، وأحصنتنا، وقطعان ثيراننا، كما نقول نساءنا، وأبناءنا، وزنوجنا.

وأخذ هاملت من النافذة يصرخ:

-    أنا كل ما ليس لكم!

-    هاملت، لا تثرهم، أرجوك، توسل هوراتيو، لا تحل دون ما سيفعلون، لا تغضب، لا تأخذ مكان الله، فالغضب لله وحده، كما كانت تقول لنا سيدتي صاحبة المقام الرفيع والدتكم، كي ترشدنا وتعلمنا، واترك كل شيء للعواصف، العواصف هي غضب الله، ونحن أمام غضب الله لا نستطيع أن نفعل شيئًا. هل يستطيع الدوريّ أن يفعل شيئًا أمام هدم العواصف لعشه؟ كل هؤلاء طيور لن تقدر على شيء مهما قويت أمام غضب الله.

-    تقول هذا لأنك لم تزل موسومًا كالأشجار بعبوديتك لا تجرؤ على فعل أي شيء، وتنسى مبدأ الوجود: كيف تَصْنَعْ أَصْنَعْ.

-    سيدي صاحب المقام الرفيع والدكم، يا من طعامه العدل ولباسه، عندما أعطانا الحرية خفنا منها، لأننا نحن الزنوج بين الهيمنة والتعالي كنا عبيدًا كأي طبيعة محتقرة، ولن نكون يومًا أحرارًا.

-    الحرية! أينك أيتها الحرية؟ لو كانت الحرية امرأة لاغتصبتها!

-    الحرية ليست الغضب.

-    هل تكون الروع؟

-    الحرية ليست الطبيعة المتوحشة.

-    هل تكون الطبيعة المتحضرة؟

-    الحرية أن تكون سيدي وصديقي في آن.

-    يا لك من مأفون، يا هوراتيو! للمومس أيضًا يمكن أن أكون سيدًا وصديقًا. ضاق أفق تفكيرك، فعانت الحرية عبئًا على عبء. أتعرف ما الحرية كما أراها؟ خليط من رائحة التبغ وشوربة الكرنب، هذه هي حريتنا. لهذا لم نكن يومًا أحرارًا إلا في صنع الحرب كما نصنع شوربة الكرنب وندخن التبغ. لهذا تجدني غاضبًا، منهم ومني، فأنا لا أفعل ما يجب علي فعله بهذا الغضب الخراء، أتركني في جوفه، وأغلق عليّ.

-    هذه اليد، كما كان دأبها دومًا، ستحميك، ستدافع عنك، ستموت من أجلك، فتعال إليها. هذا الليل سيلفك بذراعيه، سيحن عليك، سيُدْفئك، فثق به. هذا الصدر سيرفعك، سيعلو بك، سيجعل منه لك جناحًا، فارْقَ إلى قمم الكون.

* * *

كانت الحركة كبيرة داخل الصالون وخارجه، ومما كان يثير الانتباه في الخارج ترامي الهنود المُغَرَّبين على قدمي الكسل هنا وهناك، لا حول لهم ولا حيلة، وهم يدخنون الأعشاب، ويحتسون ماء الحياة، أو ينامون ملء أجفانهم. في الداخل، كان الرواد من كل صنف: رعاة بقر ولاعبو ورق ولاعبو بليار وشاربو ويسكي ومعاشرو مومسات. ومن بين الرواد كان رينالدو ورفيقاه، رينالدو يلعب البوكر، ورفيقاه يداعبان مومسًا لا تتوقف عن الثغاء. كان العازف على البيانو يعزف ويدخن السيجار في نفس الوقت، وكانت ثلاث راقصات يقمن على الخشبة بالرقص خطًا، وثلاث أخريات يدرن به، وهن يتمايلن، ويدندنّ، ويغنجن، لما فجأة حضر أحدهم، وصاح: "لقد وصلوا!"، فتدافع الكل إلى باب الخروج.

رأى الناس غيمة الغبار التي تثيرها عشر عربات تجرها الخيول عند بداية الشارع الرئيسي، فتقدمهم رينالدو وراعيا البقر الآخران مع الشريف مارسيلوس ومعاونيه، بينما ظل الهنود المُغَرَّبون يترامون على قدمي الكسل هنا وهناك، خشبًا نَخِرًا، صخرًا خَرِبًا، سمكًا جَوَ ًا. بعد الضجة التي أعقبت وصول الركب، هجم المستقبلون ليخرجوا الجرحى أو ليسألوهم عن ذويهم ممن يشاركون في الحرب الأهلية. حاول رينالدو إبعاد الذين سقطوا على لائِرتس، ابن بولونيوس، ذي الكتف الملفوفة بضماد ملوث، باللين، دون أن ينفع شيء معهم، ولائِرتس يبتسم على شكل مرؤوس أبيه المترنحِ بين الحَنَقِ وضبط النفس، وبالشدة، عندما أصابه اليأس.

-    كل هذا من أجل رصاصة لم تخترق الكتف تمامًا، علق لائِرتس ضاحكًا.

-    لم تخترق الكتف تمامًا، يا سيدي، أعاد رينالدو.

-    أو الذراع، أو الفخذ، أو القفا، أضاف لائِرتس دون أن يتوقف عن الضحك.

-    لتحركا القفا، أيها الماخور! صاح رينالدو برفيقيه اللذين يتعاونان على حمل الجريح.

ثم لابن سيده:

-    كلاهما يخريني! إنهما لا ينفعان لشيء آخر غير الضغط على الزناد، هذان الخرعان!

-    حذار! طلب لائِرتس من راعيي البقر، جرحي لم يزل طريًا.

-    العربة ليست بعيدة، يا سيدي، قال الأول.

-    الفاصوليا البيضاء خير ألف مرة من الفاصوليا الحمراء، يا سيدي، قال الثاني.

-    عن أي فاصوليا يتكلم؟ سأل لائِرتس رينالدو، وهو يبتسم، على الجبهة لم نأكل غيرها.

-    لا تنتبه إليه، يا سيدي، أجاب رئيس رعاة البقر، فما هذا سوى استطراد لا غير.

-    استطراد، وهو لم يفه بكلمة واحدة منذ وصولي!

-    إنه يواصل حواره الدائم.

-    عن الفاصوليا؟

-    البيضاء، الفاصوليا البيضاء، يا سيدي، عاد الثاني إلى القول، وعلى عكس الرأي الذي لصاحبي، هي خير ألف مرة من الفاصوليا الحمراء.

-    بل الفاصوليا الحمراء، أكد الأول. هل تعرف لماذا، يا سيدي؟ لأن ضراطها أقوى وأسوغ رائحة! عندما يفقع، كل الجنوب يفقع معه، وعندما تنتشر رائحته، يشمها من هم في المكسيك.

-    كل هذا هراء، يا سيدي، نفى الثاني. هل تعرف لماذا الشماليون هم صامدون إلى اليوم، يا سيدي، بفضل الفاصوليا البيضاء.

-    حقًا! أكلنا منها حتى القيء، أكد لائِرتس.

-    الفاصوليا البيضاء كانت مدافعكم الثقيلة، يا سيدي، ورائحة ضراطها العفن أكثر سوغًا من رائحة ضراط الفاصوليا الحمراء أو السوداء أو الشقراء أو غيرها، إنها كرائحة النساء بعد المضاجعة.

-    لهذا السبب يصمد الشماليون في رأيك؟ تهكم الأول، لأنهم يحاربون وهم يظنون أنفسهم يضاجعون.

-    سأزرع الفاصوليا البيضاء، يا سيدي، قال الثاني، وسأعمل منها ثروتي طالما بقيت الحرب.

-    لن تبقى الحرب إلى الأبد، همهم لائِرتس.

-    ستبقى الحرب إلى الأبد.

-    لكي تبيع فاصولياك البيضاء؟

-    سأعمل على أن تبقى الحرب إلى الأبد.

-    ستعمل كيف، تهكم الكاوبوي الأول، بضراطك؟

-    أي نعم، بضراطي، أكد الكاوبوي الثاني، وسترى ما تفعله رياحي الصابيات.

حيا لائِرتس هذا الجريح أو ذاك، وهو يسمع من يردد: "أكرمتهم الحرب! أكرمتهم الحرب!"

-    اعتن بنفسك جيدًا، صاح لائِرتس بأحدهم.

-    لا بد، أجاب الآخر، وإلى أقصى مدى.

-    نعم، إلى أقصى مدى، همهم ابن بولونيوس، وقد اربد وجهه.

-    هل كانت الحرب مريعة إلى هذه الدرجة؟ سأل رينالدو.

-    تقول مريعة؟

سكت رينالدو دون أن يعلق حتى العربة التي يجرها حصان.

-    ها هي، قال راعيا البقر.

ومدداه عليها.

ربط رينالدو حصانه بالعربة، وصعد ليقودها، بينما امتطى كل من الرجلين جواده. فكر لائِرتس في أخته أوفيليا، وابتسم. كيفها أوفيليا؟ رائحة شعرها، رائحة ثوبها، رائحة جسدها. لا تكبر أوفيليا. كم من مرة ضربها هاملت، وهم صغار، فتذرف دموعها على صدر لائرتس، ويشم رائحتها، شعرها، ثوبها، جسدها، ويجذبها إليه. لم يكن يحقد على هاملت، لولاه لما ضمها بين ذراعيه بكل هذه القوة، ولما تركت أوفيليا نفسها بكل هذا الاستسلام. لم يكن يحقد على هاملت، كان يخاف على أوفيليا، وكهاملت في لحظات هدوئه، كان يضغطها على صدره، ويشم رائحتها. رائحة الموت الطيبة رائحتها، هكذا كان يحدد رائحتها، كالكميات النسبية في الكيمياء. تقاطرت في خياله قبلات هاملت، وبان التأكل على وجهه تأكل التضاريس بفعل الرياح. لهذا السبب، قال لائِرتس لنفسه، لهذا السبب وقع في غرام هاملت، لقبلات هاملت، لسقوط الأزهار، لزمن السقوط.

وهما على أبواب مربى ماشية صاحب المقام الرفيع، وكل هذه الاستعدادات الحربية، التفت رينالدو إلى ابن سيده، وقال:

-    إنهم الهنود.

-    الحرب، همهم لائِرتس، الحرب أينما ذهبنا.

-    أما عن هذه، فهي ليست حربًا.

-    هي ماذا؟

-    نزهة صيد، نزهة صيد ليس إلا.

-    لجملتك حيوية أجدها هنا ولم أجدها هناك.

-    حيوية الاستخفاف، الاستخفاف المؤسِّس.

-    على التأكيد، الاستخفاف المؤسِّس.

* * *

تابع هاملت لهوراتيو:

-    اللعنة عليك، يا هوراتيو! أنا لا أريد يدك ولا ليلك ولا صدرك، أنا أريد يد الشيطان، وليل الملعونين، وصدر الساحرات في اليونان القديم، أنا أريد أن تصنعني المأساة.

-    ما أسهل أن تصنعك المأساة لو تشاء المأساة، همهم الرجل الأسود.

-    هم يصنعونها، كل هؤلاء هم يصنعونها، يتقنون صنعها، وهي لا تتقن صنعهم، فكلهم أبناء للوطاويط، كلهم ينهضون في الليل للبحث عن ضحاياهم. هل هذا هو ليلك، يا هوراتيو، الذي سيلفني بذراعيه؟ كلهم يخبئون صدورهم تحت أجنحتهم خوفًا من رمح أو سهم. هل هذا هو صدرك، يا هوراتيو، الذي سيرفعني؟ كلهم يضغطون بأصابعهم على أزندة مسدساتهم الواحد ضد الواحد والواحد ضد الكل والكل ضد الأرياش الملونة وأقواس قزح. هل هذه هي يدك، يا هوراتيو، التي ستحميني؟

-    سيدي وصديقي، ستحميك هذه اليد عندما تحمي نفسك، وسيلفك هذا الليل عندما لا يكفيك النهار غطاء، وسيرفعك هذا الصدر عندما يكثر أعداؤك، ولا تكفيك كنزة واحدة من الزرد لتقاوم أعداءك قبل القضاء على أعدائك، وارتقاء الفضاء.

-    خفف من غُلوائك، وإلا قتلتك!

-    والمأساة التي تريد أن تصنعك؟

-    ستكون طريقي إليها، يا هوراتيو، لن تكون ضحيتي كما تكون ضحاياهم، ربما ستكون ضحيتي الأولى، ولكن فقط لأتعلم، فالمأساة أن تتعلم كيف تصنع الموت لتصنعك المأساة.

-    أنا لم أصنع الموت الذي تريد، همهم هوراتيو، لم أصنع حتى نعلاً لهاديس، لم أتحرر من حياتي، دومًا ما كنت نعلاً لحياتي، فحياتي حذاء للآخرين الذين أنا مأساتهم، لكنى لست المأساة التي تبحث عنها، فجد لك واحدًا غيري، جد لك واحدًا أبيض كلائِرتس تحبه كما تحبني، هو، يمكنه أن يكون طريقك إلى الإغريق. الإغريق كلمة غالبًا ما تتكرر على لسان سيدتي صاحبة المقام الرفيع جيرترود، الكلمة التي أكثر ما يروق لها في قصص الأولين. كلما نطقتها، أنظر إلى عينيها، فأرى فيهما كوندورَ من كوندورات الميسيسيبي يصفق جناحيه بعنف، النار تهجم عليه من كل ناحية، وهو يصفق جناحيه كالمجنون، كالملعون، كالهارب من قدره، وكانت سيدتي صاحبة المقام الرفيع والدتكم تبتسم كما لو كانت لا ترى الطائر المسكين.

-    أنا هو هذا الطائر، همهم هاملت، أنا هو المأساة التي تَصْنَعُنِي في عيني أمي.

نشب صوت النادبات فجأة في كل مكان من مشرب الماشية، فأدرك مَسْمَعَ هاملت وهوراتيو، وصدى صوتِهِنَّ المُضْنَى.

* * *

بينما كان الطبيب يلف كتف لائِرتس بضماد أبيض، صب بولونيوس بعض الويسكي في قدح قدمه لولده، وقال، وهو ينظر إلى أوفيليا، ابنته:

-    ها هو لائِرتس يعود إليكِ، أيها القلب البكر الذي لم تهزه العواطف!

-    يعود إلينا، يا أبي، صححت أوفيليا.

-    يعود إليك أولاً، أكد الأب، لتقنعيه ألا يتجاوز الحد، فيخفُتُ الحماسُ الذي يملأ صدره. أخوك لائِرتس كان من بين أوائل المتطوعين لحرب أهلية لن تكون رابحة لأحد، فالكونغرس بالحرب أو بدون الحرب يعمل بصوتين للأغلبية في صالح إلغاء الاسترقاق، وكل هذا مضيعة للوقت ليس إلا.

-    كل هذه القتلى مضيعة للوقت ليس إلا، يا أبي، قالت أوفيليا ساخرة.

-    السياسة المسوِّفة هي هذا، مضيعة للوقت على الوقت، كل هذه القتلى، أوضح بولونيوس، والحمد لله أن أخاك قد عاد بكتف قتيل، هذا أفضل من جسد قتيل، إلى أبعد حد.

-    لو كنت مكاني، يا أبي، رد لائِرتس مربد الوجه، لفضلت العودة بكتف وصدر وبطن وفخذ وساق وقدم، بكلك قتيلا.

-    ما أسهل الأمر لو يرغب أخي، رمت أوفيليا ساخرة دومًا، وكل استعدادات الحرب عندنا، حربنا الصغيرة، لعبتنا المفضلة، نزهة صيدنا في أرض الوحوش الحمر. شكرًا على كل شيء، لقد حفظتم حياتنا، كل هذا سببه الغضب، ولكنكم جعلتمونا أمة، كل هذا لعنة الأجداد، ولكنكم أقمتم لنا حدودًا منيعة، شكرًا على كل شيء.

-    اسمع يا لائِرتس، طنَّ الأب، هذه ليست حربك، حربك كانت هناك، مع قوات الاتحاد، إياك أن تتحرك من مكانك، أنت مصاب في كتفك، تركوك تذهب لأنك مصاب في كتفك، ولأن الحرب بالنسبة لك انتهت، فلا تبدأها هنا من جديد. الهنود مسألتي، سأتغدى بهم قبل أن يتعشوا بي، هل تفهم؟ سنواجه البربرية بالبربرية، وهي على كل حال ليست المرة الأولى، أليس كذلك، يا عزيزتي أوفيليا؟

-    هو كذلك، يا أبي، هو كذلك، أكدت ابنة بولونيوس ساخرة دومًا وأبدًا.

صب اليد اليمنى لكلوديوس لنفسه بعض الويسكي في قدح، وجرعه قبل أن يضيف:

-    اعتدناهم واعتادونا! حربنا ليست كحربكم، حربنا ككل شيء يعتاد المرء عليه، كالأكل والشرب والنوم وقتل البَيْسون وتربية العجل وترويض الحصان ونقع المسدس وتلميع المهماز ونصب السياج وعما قريب مد السكة الحديدية، فلا تقلق من أجلنا، ولا تقحم نفسك في خرائنا، فالحرب أيًا كان شكلها خراء.

-    خراء جميل، يا أبي، قالت أوفيليا، وبسمة هازئة تزهر على ثغرها، ليس بقدر الخراء الهندي، ولكنه يظل جميلاً. سنتزين به، سنلبسه، سنطبخه. كفانا خراء كل يوم، يا مامي، نريد طبقًا آخر أسهل علينا لتنظيف أسناننا!

-    أوفيليا، ابنتي، لهث بولونيوس، ماذا دهاك؟ منذ متى كل هذا الويل؟ ومن هو ذاك الذي من ورائه؟ هل هو هاملت؟

-    هاملت، هاملت، هاملت!

-    لم أقصد بكلامي عن الحرب غير حمل الشيء على الشيء، لا أكثر.

-    مامي لا تفهم من الفلسفة لا قليلها ولا كثيرها، لائرتس ربما، أما مامي...

-    لن أترك نفسي تقع في شَرَكِكِ، يا أوفيليا، رد لائِرتس، أفضّل أن أشرب كأسي، كأس السُّم أكثر استساغة من اقتيات السَّوْفِ.

تركه أبوه يترع كأسه، فأخذها منه ليضعها جانبًا والكأس التي بيده، وأعاد:

-    نعم، اعتدناهم واعتادونا، هذا كل ما في الأمر.

أعطاهما ظهره، وخرج.

قالت الجميلة أوفيليا، وهي تمسك بيد أخيها، وتواصل ساخرة:

-    أولئك الجنوبيون كان من الواجب عليكم سحقهم عن بكرة أبيهم، هذا ما عناه والدنا باعتدناهم واعتادونا، والمثل المعروف يقول من شب على خُلْقٍ شابَ عليه.

-    الحمد لله أن الطلقة لم تحطم عظمك تمامًا، قال الطبيب.

وراح يجمع أدواته، ويرميها في حقيبته.

- هذا ما قاله طبيب الجبهة الذي استخرجها، أكد لائِرتس.

-    لكن يبدو أنك لم تعتد حرب الانشقاق، ولن تعتاد أية حرب، فأنت لم تدافع عن نفسك كما يجدر الدفاع عن النفس، أضافت أوفيليا.

-    إنها طبيعتي، برر لائِرتس.

-    ألا تدافع عن نفسك كما يوجب ذلك؟

-    كل واحد منا إنتاج طبيعته.

-    مع السلامة، هتف الطبيب.

-    مع السلامة، قال الجريح، أشكرك.

-    مع السلامة، قالت أوفيليا.

-    ثقتي بعدوي أكثر من ثقتي بسلاحي، أوضح لائِرتس.

-    ثقتك بعدوك؟ هل يثق أحد بعدوه؟

-    لا، ولكن أنا نعم، شيء كفعل أقبله طوعًا.

-    كفعل قدريّ.

-    كفعل كلي العقل.

-    حتى صاحب القلب المجنون لا يفهمك.

دخلت صاحبة المقام الرفيع جيرترود، في ثوب الدانتيل الأحمر، وعانقت الجريح:

-    أقلقتنا عليك، يا لائِرتس، قلقًا عظيمًا!

-    من أجل هذا القلق العظيم هذا الجرح الذي كنت أتمنى أن يكون أعمق وأعرض.

-    قلقي عليك سيظل قلقي عليك، قلقًا عظيمًا، صغيرًا كان جرحك أم كبيرًا.

-    شكرًا، سيدتي، همهم لائِرتس.

-    شكرًا، سيدتي، همهمت أوفيليا.

-    أوفيليا هنا وكأني أوفيليا، أثنت جيرترود.

-    شكرًا، سيدتي، أعادت الجميلة أوفيليا.

-    عندما كنتم صغارًا، عادت جيرترود بخيالها إلى الوراء، كان لائِرتس يأتيني شاكيًا "لقد ضرب هاملت أوفيليا!"، فتنفين، أو أنك تقولين إنه لم يضربك كثيرًا، قويًا، إنه لم يوجعك، وعلى العكس، لما كان هاملت ولائِرتس يمرضان، كنت تقضين الليل معي قرب سريرهما.

-    كان الأمر بالنسبة لي كمن ينتهز الفرصة السانحة، بررت ابنة بولونيوس.

-    كمن ينتهز الفرصة السانحة؟

-    كي أواصل اللعب معهما.

-    كان مرضهما نوعًا من اللعب.

-    كانت طريقتي، كي أبعد عنهما المرض، أو أجيء به، كي أُضحكهما، كي أُسليهما، كي أُغضبهما، كي آخذ منهما ما أشاء، كي أُعطيهما ما أشاء، هكذا كانت طريقتي، شيئًا من اللعب.

-    وكان يسعدنا ذلك، اعترف لائِرتس.

-    هذا ما أردت دومًا معرفته، قالت جيرترود لابن بولونيوس، وهي تبتسم.

حط الصمت، فسألت أم هاملت:

-    وهاملت، أينه؟

-    العالم قائم قاعد في الخارج، برر لائِرتس عدم حضور هاملت.

-    هذا العالم ليس عالمه.

-    لا بد أنه قادم.

-    إنه يسوق حياة عابثة، قالت جيرترود مشغولة البال.

-    هذا منطقه.

-    العبث؟!

-    العبث الممكن، كما يقول الشاعر.

-    على العكس، تدخلت أوفيليا، ليس هناك أي عبث، ليس هناك أي لامنطق، ليس هناك أي لاممكن في حياة هاملت، بما أنه وُلد هكذا.

-    إنه اللامعنى لحياة بأكملها، همهمت أم هاملت مهمومة قبل أن تذهب.

-    هاملت اقترف ذنبًا صغيرًا في لحظة غضب كبير، اعترفت أوفيليا لأخيها مترددة، بدافع غير العقل لديك، فاختلط الإقدام والانتقام لديه، وها هو الآن يعيش عاره.

-    ماذا فعل لك، أيها القلب البكر الذي لم تهزه العواطف؟ سألها أخوها قلقًا.

-    لم يفعل شيئًا كبيرًا.

-    وعاره الذي يعيشه الآن؟

-    لم يغوني، فاطمئن.

-    سأقطع تمتعه لو وقع كما أقطع التفاح والإجّاص.

-    اعتبره واحدًا من أعدائك.

-    ليس عندما يتعلق الأمر بأختي.

-    أعرف أنك لن تغضب غضبه، لن يكون بمقدورك أن تغضب غضبه، فغضب هاملت فوق كل غضب، يكفي أن تقول هذا غضب هاملت. أنت لن تساويه في غضبك لا بُعدًا ولا كمية!

-    تنسين أن لي من الصفاء ما يفوق غضب هاملت مرات، وأنني بصفائي أستطيع أن أهزم هاملت المدان.

-    ليس الوقت وقت الحديث عن الهزيمة والكل يستعد لقتال سيكون ضاريًا بين لحظة وأخرى، أضف إلى ذلك أنني لا أريدك أن تكون غير عادل مع هاملت، أن تسومه خَسْفًا، كما لو كان أبي من يقول.

-    لن أسومه خَسْفًا، الخسوف أهون عليّ.

-    عندما يتعلق الأمر بنا، أنا وهاملت، هذا لا يخصك، هذا لا يخص أحدًا سوانا، أنا وهاملت، هذا لا يخص أحدًا سوى هاملت وأوفيليا.

قبلته من خده، وطلبت قبل أن تذهب:

-    عليك أن ترتاح بين ذراعي خرائنا الجميل، يا لائرتس.

* * *

سقط الليل سميكًا على مربى الماشية، وكان رعاة البقر في حالة تأهب على الرغم من استبعادهم لهجوم الميوُك، والشمس في فراشهم تنام. قطعت حبل الصمت حوافر تقترب على الطريق الترابي، فسارعت الأصابع تبحث عن الأزندة، إلا أن صفيرًا خفف التوتر. بعد عدة لحظات، استطاع الكل أن يميز فريقًا من المقاتلين على رأسهم الشريف مارسيلوس. دخل رجل الأمن والنظام على التو مكتب السنيّ هانس كييركغارد المحاط بكلوديوس وبولونيوس وبعض جلسائه، وقال:

-    لم يكن بوسعنا سوى المشاركة في الدفاع عنكم، يا صاحب المقام الرفيع، فهل نقف مكتوفي الأيدي وسلامتكم مهددة؟ مَنْ حَذِرَ سَلِمَ، كما يقال.

-    سلامتنا ليست مهددة إلى هذه الدرجة كما تتصور، شريف مارسيلوس، أجاب العظيم هانس، ومكانك هناك لا هنا، لحفظ الأمن والنظام.

-    الأمن والنظام لا شيء في هذه اللحظة الخطرة، أخي صاحب المقام الرفيع، تدخل كلوديوس، أم أنك تراهن دومًا على حل سلمي مع هؤلاء الوحوش؟

-    هؤلاء الوحوش، كما تقول، إذا لم يهاجمونا مع الفجر، وهم، حسب اعتقادي، لن يهاجمونا، ذهبت بنفسي هذه المرة لأتوصل إلى حل سلمي مع قدم الجبل، رئيسهم.

-    ولكن، يا سيدي، همهم بولونيوس، الليل طويل في مملكة الدانمرك، وهو دامس هذا المساء، كل شيء متوقع في مساء دامس، وخيرًا فعل الشريف مارسيلوس بمد يد العون، هذا هو عمله، إن لم يكن الأمن والنظام، فهو العون والمساندة.

-    حسنًا، ولكني أتمنى أن يخيب أملك.

-    لن يخيب أمل أحد سواك، أخي صاحب المقام الرفيع، نبر كلوديوس.

-    كلكم على يقين إذن بوقوع المجزرة.

-    إذا وقع مثل هذا فعل، فمن شرط الواقع، برر كلوديوس، لأن بناء المحطة لن يتم هنا.

-    هنا قلب ساكرامنتو، نبر العظيم كييركغارد، مربى الماشية هذا.

-    وبعد عشر سنين؟ اقترح بولونيوس بدهاء، عشرين سنة؟ ثلاثين؟ أربعين؟ قلب ساكرامنتو أين سيكون؟

-    لن آمر بإبادة النساء والأطفال، عاد العظيم هانس كييركغارد ينبر، هذا ليس عهدي، هذا ليس شرفي، هذه ليست مروءتي وطبيعتي وسلطتي.

-    هذه حقيقة لا مِرْيَة فيها، رد الأخ الصغير. كل ما هنالك أن مركز ساكرامنتو لن يكون هنا في مستقبل نحن بُناته ونحن رواده، وعلى المحطة التي سينطلق منها قطار اليونيون باسيفيك ريلرود أن تكون في مركز المدينة، في مركز جمهورية الدانمرك، جمهوريتنا عما قريب، عندما نعلم أن الجمهورية قحبة، أكثر من طاقتها!

-    قحبة الجمهورية؟ لفظ السنيّ هانس دهشةً، إذن لن تكون جمهوريتي!

-    ليست بالضبط هي، بل قدرها مع أصحابها. كل واحد منهم يريدها لنفسه، وهم من الكثرة بحيث يصعب عليها إرضاءهم جميعًا.

-    إذا كانت الجمهورية دين الغد، فسيكون هذا شعاري كما كان شعارًا لغيري ممن يعرف الطريق إلى القلوب: لكم دينكم ولي دين!

-    الجمهورية لن تكون غير ما تكون.

-    سيكون الليل طويلاً أكثر مما هو عليه كي نفكر في الأمر، وعند الصباح، يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى، رمى السنيّ كييركغارد قبل أن ينهض، ويغادر وكل الحاضرين ما عدا كلوديوس وبولونيوس.

عندما وجد الاثنان نفسيهما وحيدين، قال الأول للثاني:

-    لا بد من القيام بالخطوة الثالثة كما اتفقنا، وستكون الحاسمة. هكذا نحن، منهجنا يعتمد العقل فيما لا علاقة له بالعقل.

* * *

مع الساعات الأولى للنهار، شن الهنود الحمر هجومهم. كانوا كثيري العدد، ولم يكونوا كثيري العُدَّة. امتطوا أحصنة النار، ودببة النار، وخنازير النار، ورافقتهم قيّوطات النار، وكوندورات النار، وببغاوات النار. قاتلوا بشراسة، وقتلهم المتمترسون قتلاً لا هوادة فيه. استعملوا أحدث البنادق والمدافع، فتطايرت أجساد الخنازير والدببة والأحصنة مع ممتطيها، والتهمت الأرض الحمراء توت أبنائها. وفي لحظة من اللحظات، تلقى رعاة البقر أمرًا من رينالدو بترك الهنود الحمر يتسللون إلى قلب مربى الماشية، مما اضطر السنيّ هانس كييركغارد إلى القتال، وأخوه كلوديوس، واليد اليمنى لكلوديوس، بولونيوس، والد لائِرتس، ولائِرتس، وهوراتيو، والباقي من السود. أطلقوا الرصاص من نوافذ البيت الكبير أو من شرفاته وأسطحه، وتمكنوا بصعوبة من إطفاء نار نشبت في أحد أجنحته.

-    خسئت أيها الشيطان! نبر هاملت، وهو يخترق حجرة صديقه الأبيض، بغضب وألم. حتى أنت تقتل، يا لائِرتس!

-    أقاتل، رد لائِرتس، وهو يرشق الميوُك من وراء النافذة، اعتادت كتفي على القتال، كتفي لا نفسي.

-    كتفي تجهل القتال، ولن تعرفه أبدًا كي تعتاده.

-    الحرب ليست للأكتاف الناعمة.

-    ربما كانت لي كتف أوفيليا أختك.

-    أو جيرترود أمك.

-    والألم، هل تعتاده الأكتاف؟

-    تعتاده.

-    الألم يسري إلى رأسي.

-    الألم من الوجود ألمك.

-    لماذا تداوم على القتال طالما أنك تعرف فروض المسألة؟

-    أنا لا أعرف كل شيء.

-    ألم تقل لك أوفيليا؟

-    قالت لي إنك اقترفت ذنبًا صغيرًا في لحظة غضب كبير.

-    بل ذنبًا كبيرًا في لحظة غضب صغير.

-    لهذا.

-    لهذا ماذا؟

-    خوفك ليس كبيرًا.

-    أكبر من هذا الخوف؟ أكبر من هذه القوة؟ أكبر من هذه المشيئة؟ خوفي شجاع، وقوتي ضعف، ومشيئتي جبانة. ترفس قفاي، كلما رميتهم أنت بطلقة، ولا أفعل شيئًا. عجبًا! هذا يؤلم، ولكني لا أفعل ما يجدر بي أن أفعل. ستقول لي ألمك الألم من الوجود، هذا الوجود ابن القحبة! لماذا يقتلون النعام؟ لماذا يقتلون الطواويس؟ لماذا يقتلون الببغاوات؟ هذا العُجْب بالنفس الخراء! أي اطمئنان يحيلني إليه غضبي؟ أي ضبط للنفس؟ أي عون للعقل؟ ما هو، هذا الماخور؟ لم ينم أحد ليلة أمس، والكل يفكر كيف يقتل النعام، كيف يقتل الطواويس، كيف يقتل الببغاوات، وأنا كنت أمارس الاستمناء. سأدلك على ضحاياك، يا لائِرتس. انظر إلى الهندي هناك.

-    ولكنها الشجرة!

-    والحصان هناك.

-    ولكنه البرميل.

-    وجيش الأفاعي هناك.

-    ولكنه السياج.

-    يا ماخور الخراء!

-    ماذا فعلت لأختي لتتعذب روحك إلى هذا القدر؟

-    هل هي سلامة نيتي التي تدفعك إلى تصور ما لا يمكن تصوره؟

-    سلامة نيتك؟

-    أم فوضى عقلي؟

-    فوضى عقلك؟

-    خراء عقلي، أيها الماخور! ككل عقل ظَنُون!

وانفجر هاملت باكيًا، فجعل لائِرتس بندقيته تسقط من يده، وجاء ليضمه.

-    هدئ روعك! إني هنا، كاللقلق أقف على ساقي الوحيدة! قدمت ساقي الأخرى لهاملت هدية، وإذا ما طلب يديّ الاثنتين، قدمتهما له، وإذا ما طلب ذراعيّ، قدمتهما له، وإذا ما طلب قلبي، عقلي، روحي، وهو على أي حال، سلبني قلبي وعقلي وروحي! لماذا أحبك كل هذا الحب؟ لم تكن أبدًا عادلاً، وأوفيليا أختي تطلب مني معك ألا أكون لاعادلاً! هي لا تعرف أن ظلمك عدلي، وضيمك إقساطي، لا تعرف أن الحب بين رجلين لهو حقد الطبيعة، لهذا كانت الطبيعة كهاملت لاعادلة، لهذا كانت أوفيليا ساق الطبيعة الوحيدة، لهذا كانت كلها لك كما أنا كلي لك، لهذا كانتني أختي دون أن تكونني، هكذا هي في كل نقائها، لوحتها والبحر هائج والفضاء غائم والانتظار أقوى من كل المعارك، لوحة كل الصفات الأخرى لوحتها، فيعجز اللسان عن وصفها.

-    أوفيليا، كيف أصف لك أوفيليا؟ لا توجد صفات تصفها! وصفها يلغي الصفات، فعلها يلغي الأفعال، حالها يلغي الأحوال!

-    أعرف، هي كل ما هو رائق لنا.

-    وكل ما هو قادم، كل ما هو بعيد، شيخوختنا غدًا كطفولتنا أمس، إنها الولع بالأطفال والولع بالشيوخ.

-    أعرف، هي كل ما هو عكر لنا.

-    إنها التأليف الفوضوي للكاتب، الحب الحرام للطائر.

-    أنت لا تستطيع أن تحبني وتحب أختي، هاملت، كلينا.

-    كلاكما يستطيع.

-    أن يحبك.

-    وأن يحب أحدكما الآخر.

-    عندما كنا نستحم نحن الثلاثة عراة في نهر ساكرامنتو، كانت أوفيليا تقبلني من فمي كما كانت تقبلك من فمك، كنا نحب بعضنا، كنا صغارًا، كنت تحبنا أنا وأختي، اليوم أصبحنا كبارًا، اليوم أنا وأوفيليا نستطيع أن نحبك، أما أنت، فلا تستطيع أن تحبني وتحب أوفيليا.

-    هذا لأنني لا أستطيع أن أبادلكما حبكما لي أنتما الاثنان.

-    تمامًا.

-    حبي ليس حبًا.

-    حب ليس حبًا يسبب الأذى لاثنينا، لأوفيليا ولي.

-    لثلاثتكم، لأوفيليا ولك ولهوراتيو.

-    في حساب الكميات، هوراتيو لأوفيليا ليس شيئًا كثيرًا، إنه الزنجيّ في نهاية المطاف، تتحكم أوفيليا في مصيره كما يشاء لها التحكم، أما أنا، أخوها، فلن تقدر على قتلي، لن تقتلني، وهي تنظر في عينيّ.

-    ستقتلك أول ما تعطيها ظهرك، فهي على أي حال ستقتلك، أخاها كنت أم غير أخيها، إذا ما تعلق الأمر بحبها، حب المهووسين حبها. لهذا، على أوفيليا ألا تعرف، إلا إذا وَلَدْتَ مني، إياك أن تلد مني.

-    ستعرف، وعند ذلك لن يكون غضبك وقتيًا.

-    أريده أن يكون أبديًا.

-    ستكون نهاية أوفيليا.

* * *

لم يمنع المهرج القتال، ولم يخفف ضربات الهلاك. وعلى العكس، حمي وطيس المعركة على مرآه. كانت الروح الكبرى متنكرة في سيرك الخلق. حاول المهرج أن يسرق الضوء، ولم ينجح، النار، ولم ينجح، الماء، ولم ينجح، الغذاء، ولم ينجح، الحيوان، ولم ينجح، الإنسان، ولم ينجح. تحول العالم إلى غراب ينعق محلقًا في سماء القتال، فأحضر المهرج قيّوط الهَزْلِ، وذبحه. كان يريد أن يعاقب العالم، ومن توت العالم انبثقت ضفدعة امتطاها كما يمتطي راعي البقر حصانه، وترك المحتربين يلعبون أدوارهم في سيرك الحياة.

* * *

كان هوراتيو يجندل الهنود الحمر من كوخه القذر، ويبكي، فسأله هاملت:

-    لماذا تبكي، يا هوراتيو؟

-    لأنني أقتل الهنود، أجاب الرجل الأسود، وكأني أقتل واحدًا منا، هكذا يولد القذرون. من يقتل هنديًا مُدانٌ هو إلى يوم القيامة، الملائكة أعداؤه والشياطين أعداؤه، هذا ما علمتنا إياه سيدتي صاحبة المقام الرفيع جيرترود.

-    لا تقتلهم، فتنقذ الروح التي جَعَلَتْهَا والدتي تعاني صدقًا لأول مرة، صِدْقٌ لا يُصَدَّق، فهل تَصْدُقُ، يا هوراتيو؟

-    كيف أحميك إذا لم أقتلهم؟

-    كان شرطك أن أحمي نفسي لتحميني، وأنا لا أريد أن أحمي نفسي، لا أريد أن أتوقف على غيري، لا أريد أن يقال عني إنه يخشى الموت... عندما يكون إعصار هناك، عليك أن تمسك بالريح لتحتمي.

وخرج هاملت معرضًا نفسه للخطر، فصاح هوراتيو:

-    يا سيدي وصديقي، لا تسعى إلى حتفك بظلفك، لا تسعى إلى غضب الله، الله لا يرضى عن المغامرين المخاطرين بحياتهم.

-    سآخذ الشجرة بين ذراعيّ أخذ العاشق لامرأة، وأضاجعها بينما أنت تقتل الهنود الذين تبكيهم، فلا تبكيهم، وتبكيني. آه! كم أريد أن تبكيني لا أن تحميني.

أخذ هاملت يضاجع الشجرة تحت زخ الرصاص والسهام، مما استثار رغبة هوراتيو. راح ينفخ، ويلهث، ويتوسل. ترك مخبأه، واندفع مخاطرًا بنفسه، محتضنًا إياه، شامًا، لاعقًا، عابدًا، قانتًا، هامسًا: "لقد استثرت الليل أسفل جلدي!"، ثم جذبه إلى الداخل.

-    كدنا نموت نحن الاثنان، همهم الرجل الأسود، وهو يرتعد من الرعب.

-    كدت أنجح لأول مرة في حياتي، همهم ابن العظيم كييركغارد، وهو يرتعد من الرعب.

-    نجاحك الموت؟

-    نجاحي الوحيد.

-    هاملت ليس في كامل قواه العقلية، همس هوراتيو لنفسه، واحدٌ كريمُ الخِلْقَةِ مثله.

-    الأول والأخير... لم أكن أريد أن يكون أبي أبي، فكان فشلي الأول، بالأحرى الثاني. في الواقع، لم أكن أريد أن يحب أبي أمي. بعد ذلك، كانت لي سلسلة من الفشل لا تعد ولا تحصى، فشل من كل نوع، كلها خراءات، أمراض نفسية وهمية تُعجز علم النفس عن أن يكون علمًا، وأفعال طُهرية دُعرية تلخص حياتي.

-    يبدو لي أنني أسمع في صوتك صوت من أقتلهم.

-    لأنهم جاؤوا إلى الوجود.

-    لأنهم فشلوا في الدفاع عن أنفسهم.

-    يا ماخور الخراء! احتد هاملت، فشلي ليس لأن الناس ضدي، هذا جزء من كل، صغير من كبير، قليل من كثير، ولكن لأني لا أنتمي إلى عصري، ولكن لأني لا أنتمي إلى زمني، ولكن لأني تركت نفسي للريح، وحملت لعنتي وسَوْأَتي، أنا متروك ملعون مسوء لا أدافع عن نفسي!

-    أنت إحساسك بنفسك، هاملت السيد والصديق، دافعت عنها أم لم تدافع.

-    هل تريد أن تعرف، يا ماخور الخراء؟ انفجر الشاب الضائع صائحًا، أحس بأني قذر، هذا ما أحس به، نظيف أنا مع ذلك، كالخنزير أحس بأني قذر، بماذا يحس الآخرون الذين يغرقون في القذى والقذارة؟ كل هؤلاء القتلة هم لا يحسون بأنفسهم، هم يحسون بحرية أسلحتهم، وجمال طلقاتهم، بفرح الموت الذي يصنعونه، هم يحسون بمرح العالم.

من قلب المعركة، انبثق حشد فوضوي من كلاب تنبح، وترسل همرة من الكلام والشتائم، فيسيل من بين أنيابها اللعاب. كان يبدو عليها أنها تريد المشاركة على طريقتها في القتال، ولا تدري أنها تعيق القتال، وأن المتحاربين سيضطرون إلى قتلها. حضر في أعقابها شاب أسود، أخذ يناديها، ويحاول جمعها، وهي لا تسمع له، تواصل النباح، وكما وضح من عنادها، الاحتجاج على ما يجري لا المشاركة فيه، مما أطرب هاملت. أخذ ينبح مثلها، ويرسل همرة من الكلام والشتائم، ومن بين أنيابه يسيل اللعاب، حتى اللحظة التي اخترقت أجساد الحيوانات المتمردة طلقات من كل صوب بما فيها طلقات هوراتيو.

-    توقف، أيها المجرم! صاح هاملت، توقف عن قتل إخوتي، إنهم بمصداقية ملائكتك، أيها السفاح!

-    لن تنجح معي، يا سيدي وصديقي، رمى هوراتيو، وهو يداوم على الجندلة، سأبقى فشلك الدائم، أنا الحيوان القادم من أحشاء الظلام الإفريقيّ.

-    وهو؟ ذاك الشاب الأكثر غباء من قمر ساكرامنتو؟ هلا حافظت على رأسه؟

-    سيكون واحدًا زنجيًا أقل، فتبكيه الأقمار السوداء معي.

-    ستضحك الزَّنجية عليك، الطبيعة.

-    فلتضحك، آه! كم أريدها أن تضحك. أنا لا أضحك على الإطلاق، وهي، أريدها أن تضحك.

وأخذ هوراتيو يضحك.

-    اخرس، أيها الرجل الأسود!

-    دعني أضحك لأتذكر أني يتيم أبي وأمي، دعني أضحك لأدرك أني عشيق سيدي وصديقي، دعني أقهقه لأهلك مع الهالكين.

-    يا لك من تعس، فلتخرس!

-    سأخرس، لكن في هذه اللحظة الحاسمة الزَّنجية لن تخرس. "سأبعص" لهذا الشاب الأكثر غباء من قمر ساكرامنتو برصاصة في بوزه، وأضع حدًا لحلمه.

-    المذنبون الملعونون المتروكون لا يحلمون، بالنسبة لهم لا شيء سيتغير، الكلمات تحلم عنهم، وتأمل في أتعس لحظات حياتهم، تدغدغ الأقلام التي لا ينفد مدادها أبدًا.

* * *

قطع كلوديوس الممر الطويل، والطلقات لا تتوقف من كل نواحي البيت الكبير. كان يحدث نفسه قائلاً بصوت عال: لو فجرت القمر، الأرض تبقى، ولو فجرت الشمس، الأرض والقمر يزولان! كان يقصد بالقمر بولونيوس، وبالأرض الهنود، وبالشمس أخاه هانس. سيقتل هانس، ولا بأس أن يقوض العالم، سيعلي عالمه. كان لا يشك في ذلك. سيخلق عالمًا كالله في ستة أيام، ويجعل من اليقين طريقه. العظمة التي هي هانس ستغدو معيارًا للماضي، الشرف، المروءة، الرزانة، الحكمة، العهد، الوفاء بالعهد، الجمود الألفي للعقل، الجمود الألفي للبطن، الجمود الألفي للجسد، للوطن، للدانمرك، الصورة الراسخة، الكمية الثابتة، القضية المقلوبة، إرادات الآلهة التي لا تعرف الكتابة، ولا القراءة، ولا الكلام. سيتكلم بيديه، بقدميه، بعينيه، بحاجبيه، بجبينه، برأسه، بشعره، بكل عضلة من عضلات جسده، ويجعل من حركاته شكل القياس لحركات كل الأقوياء في العالم. الكاميرات والصحف والأضواء، ستجعل منه شمس زمانه، ومن الزمانِ المحيطَ لأحلامه، أحلام لن يسعها الكونُ بأسره، وسيخلُدُ في ضمير البشر.

دخل كلوديوس مكتب السنيّ هانس كييركغارد المطلق ناره من إحدى النوافذ، فبادره هذا أول ما رآه بطلب:

-    تعال إلى عوني، يا كلوديوس، وحدي لا أستطيع ردهم.

لكنه تقدم من أخيه، وهذا كله اطمئنان إليه، وقتله برصاصة في ظهره. تأكد من مصرع الشمس، كجبل من الجثث، كنهر من الزواحف، كبحر من القروش، كصحارى من السيوف، كسماء من المخلفات، كسراب من الكتب المقدسة، كمرآة يسكن فيها الجن والإنس، ككتاب مفتوح لن يقرأه أحد، كلوحة مغلقة على ملحمة انتهت، وبدأ يتأمل بعين الاشتهاء والطمع رسم أخيه المعلق في إطار ضخم على الجدار، ويرى بعين الله رسمه. راح يحلم أحلامًا ليست على مستوى الإنسان، راح يحلم بنفسه على الهند ملكا، وبالبيت الكبير تاج محل لجيرترود، وبأمريكا الدنيا. راح يحلم أحلام العباقرة والمجانين، أحلام الساعين إلى الفتك بإنسانيتهم من أجل سعادة الإنسانية أو على حساب سعادتها، فالأمر ليس مهمًا، وتحت وطأة شرط اللحظة المهول، لم يكن الأمر مطروحًا. كان الحلم، كان الوهم، كان الهاجس. رائع حقًا هو الهاجس، لأنه مُرَوِّع، كالجريمة رائع، كالتوت الأخويّ، كالأفق الرماديّ، كالغد الأخضر. يكون الغد أخضر بعد كل جريمة، حتى ولو كان أسود، حتى ولو كان أزرق، حتى ولو كان دمويًا بلون الياسمين. ستتعلم الكلاب النباح بوجه آخر، وسترقى النجوم على سلالم الفضاء بخلاف ما تفعل مذ كانت النجوم، وستقرص القلوب عقارب أخرى غير عقارب الحزن، لمتعة الحزن، وقد غدا الحزن قوسًا في دائرة النفوس. هكذا لن يكون الفرح خفيفًا، والتعاسة لن تغدو ثقيلة. نظر كلوديوس مرة أخرى إلى جثة أخيه، وأرسل نفسًا مديدًا في نفس الوقت الذي أطلقت جيرترود فيه من الطابق العلوي صرخة حادة، فخف الصعود إليها، كالكوندور الذي شرب من النافورة إكسير الحياة، كالقيّوط الذي عض من الطريدة قلب السموّ، كالغبيراء التي جعلت من الأوهيو مَضْجَعَ الهوى. كم كانت الجريمة فاتنة في تلك اللحظة، خالقة، خلاقة، خفاقة، مبدعة، محولة، مصممة، رواقية، بطولية، لاألمية، لحظة أراد المحارب الهندي فيها زرع رمحه في صدر حبيبة الزمن الوفيّ، فأرداه قتيلاً ليردي الخداع، ويدفع عن نفسه تهمة عدم الوفاء. جاءت صاحبة المقام الرفيع، في ثوب الدانتيل الأحمر، ترتمي بين ذراعي أخي زوجها باكية شاكية، وعبرت عن شكرها وامتنانها بقبلة طويلة من ثغره. وبدوره، وصل هاملت بعد سماعه هو الآخر لصرخة العبث المنبثقة من تاج محل الخير والشر، ورأى أمه، وهي تعانق عمه.

 

يتبع: القسم الثاني

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.