اخر الاخبار:
عشرات القتلى والجرحى في تفجير بمدينة طوزخرماتو - الثلاثاء, 21 تشرين2/نوفمبر 2017 14:58
الرئيس العراقي: استفتاء كوردستان انتهى - الإثنين, 20 تشرين2/نوفمبر 2017 09:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• مدخل الى الاشتراكية العلمية .. الجزء الرابع والاخير

ارنست ماندل

مدخل الى الاشتراكية العلمية .. الجزء الرابع والاخير

 

14/ كسب الثوريين للجماهير

 

1- التمايز السياسي داخل البروليتاريا

 

لقد رأينا (الفصل 9، النقطة 5) كيف تولد الحاجة إلى حزب طليعي ثوري من تقطع العمل المباشر لأوسع الجماهير، كما من الطابع العلمي للاستراتيجية الضرورية لقلب سلطة البرجوازية. وعلينا أن نضيف الآن عنصرا إضافيا لهذا التحليل، هو التمايز السياسي داخل البروليتاريا.

تظهر الحركة العمالية في كل بلدان العالم كمجموعة تيارات إيديولوجية مختلفة. ويمكن أن نشير في هذا المجال إلى التيارات التالية: التيار الاشتراكي-الديموقراطي، وهو إصلاحي تقليدي! تيار الأحزاب الشيوعية الموالية لموسكو، وهي من أصل ستاليني وذات توجه إصلاحي جديد متنام، التيار الفوضوي أو النقابي الثوري! التيار الماوي! التيار الماركسي الثوري (الأممية الرابعة). تضاف إلى ذلك في العديد من البلدان تشكيلات وسيطة (وسطية) بين هذه التيارات الأيديولوجية الرئيسية.

لهذا التمايز الأيديولوجي داخل الحركة العمالية جذور موضوعية عديدة في واقع البروليتاريا وفي تاريخها.

ليست الطبقة العاملة متجانسة كليا من زاوية ظروفها الإجتماعية، فحسبما يكون الشغيلة يعملون في الصناعة الكبرى أو الصغيرة، استقروا في المدينة منذ أجيال عديدة أو فقط منذ زمن قريب، تلقوا تدريبا عاليا أو متوسطا، يؤدي ذلك بهم لفهم أسرع أو أبطأ لصحة بعض الأفكار الأساسية للاشتراكية العلمية. فالعمال المتخصصون يفهمون ضرورة تنظيم نقابي بسرعة أكبر مما يفعل عمال عاطلون عن العمل خلال نصف حياتهم. إلاّ أن تنظيمهم النقابي مهدد أيضا بالوقوع بسرعة أكبر ضحية النزعة الحرفية الضيقة، التي تخضع المصالح العامة للطبقة العاملة إلى المصالح الخاصة لأريستوقراطية عمالية تدافع على وجه الخصوص عن المكاسب المستحصل عليها فيما تحاول منع الوصول إلى مواقعها المهنية - إنه لأسهل لعمال المدن الكبرى والصناعات الكبيرة أن يعوا القوة الكامنة العظيمة لجمهور البروليتاريا الواسع وأن يؤمنوا بإمكانية نضال ظافر للبروليتاريا نحو انتزاع السلطة والمصانع من البرجوازية، بينما الأمر أقل سهولة بالنسبة لعمال يشتغلون في مؤسسات صغيرة ويعيشون في مدن صغيرة.

يضاف إلى انعدام تجانس الطبقة العاملة تنوع التجربة النضالية وتنوع طاقات الشغيلة الفردية. فهذا الفريق العمالي خاض تجربة عشرة إضرابات (معظمها تتوج بالنصر) والعديد من المظاهرات العمالية، وهذه التجربة تحدد لديه جزئيا وعيا مختلفا عن وعي فريق آخر من البروليتاريين لم يخض أكثر من تجربة إضراب واحد (مني بالفشل) خلال عشر سنوات، ولم يشارك ككتلة واحدة في نضال سياسي.

هذا العامل أو المستخدم يندفع بشكل طبيعي إلى الدراسة، يقرأ الكراسات والكتب بالإضافة إلى قراءة صحيفته المفضلة، بينما لا يقرأ عامل آخر على الإطلاق. هذا ذو طبع مشاكس، لا بل يتمتع بمواهب قيادية، بينما ذاك ذو شخصية سلبية ويفضل السكوت خلال الاجتماعات. واحد يعقد صلات بالرفاق دون صعوبة، بينما الآخر مشدود إلى حياة المنزل ويفضل الاهتمام بعائلته. كل ذلك يؤثر جزئيا في سلوك الشغيلة وخيارهم السياسي على المستوى الفردي، كما يؤثر في مستوى وعيهم الطبقي عند لحظة محددة.

ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أخيرا التاريخ الخاص للحركة العمالية في كل بلد، وتقاليدها القومية. فالطبقة العاملة البريطانية التي كانت الأولى التي تصل إلى تنظيم نفسها تنظيما طبقيا مستقلا عن طريق الحركة الشارتية لم تعرف يوما حزبا جماهيريا مستندا إلى برنامج أو تربية ماركسيين، ولو بدائيين. إن حزبها الجماهيري قائم على النقابية الجماهيرية، ومنبثق عنها، عنينا حزب العمال. أمّا الطبقة العاملة الفرنسية التي وسمتها بعمق تقاليد النصف الأول من القرن 19 (البابوفية والبلانكية والبرودونية) فقد كبح اعتناقها للماركسية ضعف الصناعة الكبرى النسبي وتوزعها النسبي في مدن المقاطعات الصغيرة نسبيا. لقد توجب انتظار ازدهار المصانع الكبرى في ضواحي باريس وليون ومارسيليا والشمال في العشرينات والثلاتينات من هذا القرن، الذي زاد حدة في الخمسينات والستينات ليتمكن الإضراب الجماهيري من التحكم بالمجرى العام للنضال الطبقي (يونيو 1936، إضرابات 1947-1948، ماي 1968) وليصبح الحزب الشيوعي الفرنسي الحزب المهيمن داخل الطبقة العاملة، مضفيا عليها طابعا ينتمي بوضوح إلى الماركسية. ولقد انطبعت الطبقة العاملة والحركة العمالية الإسبانيتان، لمدة طويلة، بتقاليد النقابية الثورية التي تأثرت عميقا بالتخلف الحاد للصناعة الكبرى في شبه الجزيرة الإيبيرية الخ…

نتج تنع التيارات الأيديولوجية للحركة العمالية عن منطقها وتاريخها الخاصين بها، أي عن النقاشات والتعارضات الناجمة عن مجرى النضال الطبقي بالذات. فقد حدثت في البدء القطيعة بين الماركسيين والفوضويين داخل الأممية الأولى انطلاقا من الخلاف حول مسألة ضرورة الاستيلاء على السلطة السياسية، ثم القطيعة بين الثوريين والإصلاحيين داخل الأممية الثانية حول مسألة المشاركة في حكومات بورجوازية، ودعم الدفاع القومي في البلدان الإمبريالية، ودعم النضال الثوري الجماهيري الذي يهدد استمرار الاقتصاد الرأسمالي والدولة البرجوازية المستندة إلى الديموقراطية البرلمانية، أو خنق ذلك النضال! ثم القطيعة بين الستالينيين والتروتسكيين (الماركسيين الثوريين) داخل الأممية الثالثة والحركة الشيوعية الدولية، بين أنصار نظرية الثورة الدائمة وخصومها، وبين أنصار نظرية «الثورة على مراحل» وخصومها، بين أنصار طوبى إنجاز بناء الاشتراكية في بلد واحد وخصومه، وبالتالي أنصار إخضاع مصالح الثورة العالمية للضرورات المزعومة لهذا الإنجاز وخصومه.

إلاّ أن لهذا التنوع في التيارات الأيديولوجية أيضا جذورا موضوعية ومادية أشد عمقا، من مثل تلك التي قمنا إلى الآن بتعريتها.

 

2- الجبهة العمالية الموحدة ضد العدو الطبقي

 

قاد تنوع التيارات الأيديولوجية داخل الحركة العمالية إلى تفتيت المنظمات السياسية للطبقة العاملة. ففي حين نجد الوحدة النقابية في العديد من البلدان (بريطانيا، البلدان السكندينافية، ألمانيا الاتحادية، النمسا)، نجد الانقسام الشامل على صعيد المنظمات السياسية. وبوصفنا ماديين، علينا أن نفهم أن وراء ذلك أسبابا موضوعية، وليس ناتجا صدفة عن «جرائم» «الانشقاقيين» أو عن «الدور المشؤوم» لهذا أو ذاك من الأفراد.

وإذا نظرنا إلى هذا الانقسام السياسي بحد ذاته فليس شرا، فالطبقة العاملة حققت العديد من انتصاراتها الأكثر دويا ضمن شروط تعايش أحزاب عدة واتجاهات عدة تنتسب جميعا إلى الحركة العمالية. إن مؤتمر السوفييتات الثاني لعامة روسيا، الذي قرر نقل جميع السلطات إلى السوفييتات، كان يتميز بالتفتت إلى أحزاب واتجاهات سياسية مختلفة على صعيد الطبقة العاملة، تفتت أكثر حدة مما نعرفه الآن في الغرب. إن انقسام الطبقة العاملة الألمانية إلى أحزاب كبيرة ثلاثة (والعديد من الشلل والتيارات الصغيرة) لم يحل دون انتصار الإضراب العام في مارس 1920 الذي خنق في البيضة محاولة الانقلاب الرجعية الفاشية التي قام بها فون كاب، كما أن تنوع المنظمات السياسية والنقابية للبروليتاريا الإسبانية في يوليوز 1936 لم يمنعها من التغلب على الانتفاضة العسكرية-الفاشية في معظم أحواض البلاد الصناعية.

إلاّ أن الشرط المسبق لكيلا يؤدي التبعثر السياسي للحركة العمالية إلى إضعاف قوة الهجوم لدى الطبقة العاملة بمجملها، هو ألاّ يحول دون وحدة عمل الشغيلة ضد العدو الطبقي المتمثل بأرباب العمل والبرجوازية الكبرى والحكومة البرجوازية والدولة البرجوازية. أمّا الشرط المسبق الآخر فهو ألاّ يحول دون النضال السياسي والأيديولوجي من أجل هيمنة الماركسية الثورية داخل الطبقة العاملة بهدف بناء الحزب الثوري الجماهيري وبالتالي إعادة الديموقراطية العمالية إلى عقر دار الحركة العمالية المنظمة.

إن الرد الوحدوي للطبقة العاملة أمر لا غنى عنه على الإطلاق بمواجهة هجمات البرجوازية على وجه الخصوص. ويمكن أن تكون تلك الهجمات اقتصادية، من مثل الصرف من العمل وإقفال المنشآت وخفض الأجور الفعلية، الخ. كما يمكن أن تكون سياسية، كالهجمات ضد حق الإضراب والحريات النقابية، وضد الحريات الديموقراطية للجماهير والحركة العمالية، ومحاولات إرساء أنظمة تسلطية، أو فاشية سافرة، تلغي حرية التنظيم والعمل للحركة العمالية بمجموعها. في هذه الحالات جميعا، يمكن فقط لرد جماهيري وموحد أن يؤدي بالهجوم البرجوازي إلى الفشل. ووحدة العمل الفعلية لدى الطبقة العاملة تمر بالجبهة الواحدة الفعلية لكل المنظمات العمالية، بقدر ما تبقى سطوتها داخل قطاعات مهمة من البروليتاريا واقعا حيا.

لقد كانت إحدى المآسي الكبرى في القرن 20 هزيمة البروليتاريا الألمانية بفعل استيلاء هتلر على السلطة في 30 يناير 1933، كنتيجة لرفض قيادتي الحزب الشيوعي الألماني والحزب الاشتراكي الألماني أن تعقدا في اللحظة المناسبة اتفاقا لإقامة جبهة موحدة ضد الصعود النازي، وعجزهما عن القيام بذلك. إن عواقب تلك المأساة كانت على درجة من الخطورة بحيث على جميع الشغيلة أن يحفظوا عن ظهر قلب الدرس الرئيسي لتلك التجربة: في مواجهة صعود الفاشية، لا غنى عن الجبهة الموحدة لكل المنظمات العمالية، بغية الحيلولة دون ارتقاء القتلة والجلادين سدة السلطة، عن طريق عمل حازم وموحد تضطلع به الجماهير الكادحة.

إن الذرائع والعوائق دون تحقيق الجبهة الموحدة ذات طبيعة أيديولوجية وسياسية قبل كل شيء، فمعظم الشغيلة يؤيدون تلقائيا كل مبادرة وحدوية. بين تلك العوائق ذات الطبيعة السياسية والأيديولوجية ما يلي:

 

  الممارسات القمعية للقادة الاشتراكيين-الديموقراطيين الذين يضطلعون بمسؤوليات داخل الدولة البرجوازية، وللقادة الستالينيين في الظروف ذاتها. إن الشرائح المتجذرة من الطبقة العاملة تشعر بالسخط على هكذا ممارسات تبدأ بكسر الإضرابات وتصل إلى التنظيم المنهجي للتجسس داخل المنظمات العمالية، لا بل إلى تنظيم اغتيال القادة الثوريين أو حتى العمال العاديين (نوسكي!).

 

  الممارسات البيروقراطية للقادة النقابيين الإصلاحيين والستالينيين، ولقادة في الأحزاب الشيوعية وصلوا إلى مواقع قيادية في الحركة العمالية، الخ. هذه الممارسات التي تعتبر امتدادا لممارسات البيروقراطية القمعية حيث تمارس السلطة، تثير كذلك اشمئزازا مبررا لدى العديد من شرائح الشغيلة.

 

  الدور المعادي للثورة بصورة منهجية للقيادات التقليدية للحركة العمالية التي تحول دون نمو الوعي الطبقي وتساعد موضوعيا (لا بل إراديا في الغالب) على تحقيق مشاريع معادية للثورة والعمال يقف وراءها رأس المال، وتنشر الأيديولوجية البورجوازية والبورجوازية الصغيرة في صفوف الطبقة العاملة، الخ.

إلاّ أنه ضروري مكافحة العصبوية والتطرف اليساري تجاه منظمات الطبقة العاملة الجماهيرية التقليدية، اللذين لا يحولان فقط دون تحقيق الجبهة العمالية الموحدة في وجه العدو الطبقي، بل كذلك دون النضال الفعال ضد هيمنة القيادات الإصلاحية والستالينية على أغلبية الطبقة العاملة.

نجد في أساس الأخطاء العصبوية واليسارية المتطرفة انعدام فهم الطبيعة المزدوجة والمتناقضة للمنظمات الجماهيرية التقليدية والمتبقرطة في الحركة العمالية. فالعصبوية تتميز عموما على الصعيد الفكري بتضخيم وجه خاص للتكتيك أو للاستراتيجية، وبالعجز عن رؤية مشكلة النضال الطبقي والثورة البروليتارية بكل تعقيداتها وبمجملها. وإذا كان صحيحا أن سياسة قيادات تلك المنظمات لصالح البورجوازية إلى حد بعيد، وأن تلك القيادات تمارس التعاون الطبقي وتضعف نضال البروليتاريا الطبقي، وهي بالتالي مسؤولة عن هزائم لا تحصى لحقت بالطبقة العاملة، فصحيح أيضا أن وجود تلك المنظمات يسمح للشغيلة ببلوغ الحد الأدنى من الوعي والقوة الطبقيتين، اللذين بدونهما يصبح تقدم ذلك الوعي أصعب بكثير. إن وجود هذه المنظمات يسمح كذلك بتعديل موازين القوى اليومية بين رأس المال والعمل الذي بدونه تهتز ثقة الطبقة العاملة بنفسها اهتزازا شديدا. وحده استبدالها المباشر بأشكال أعلى من التنظيم الطبقي (سوفييتات) قد يسمح بألاّ ينتهي إضعافها بتراجع الطبقة العاملة أو شللها. بالمقابل فإن إضعافها، لكي لا نقول تدمير الرجعية الرأسمالية لها، يشكل إضعافا وتراجعا خطيرين لمجمل البروليتاريا. هذه هي القاعدة المبدئية التي يركز الماركسيون الثوريون عليها سياستهم المتمثلة بالجبهة العمالية الموحدة ضد الرجعية الرأسمالية.

 

3- الدينامية الهجومية لجبهة «طبقة ضد طبقة»

 

بمواجهة أي هجوم رأسمالي ضد الطبقة العاملة، ولا سيما بمواجهة أي تهديد فاشي أو إقامة ديكتاتورية يمينية، يدعو الماركسيون الثوريون إلى تشكيل جبهة موحدة من جميع المنظمات العمالية، من القاعدة إلى القمة، ويجتهدون في أن يدخلوا إلى هذه الجبهة الموحدة كل المنظمات التي تنتسب إلى الحركة العمالية بما فيها الأكثر اعتدالا، التي يقودها أشد الناس انتهازية وأشدهم مراجعة. كما يتوجهون منهجيا إلى قادة الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي والنقابات الإصلاحية والمسيحية لكي يتم إرساء جبهة موحدة بين القيادات القومية، والمنطقية والمحلية، كما بين الفروع داخل المنشآت والأحياء، وذلك لمواجهة الهجوم المعادي بكل الوسائل المتوفرة.

إن رفض توسيع الجبهة الموحدة لتشمل قيادة الاشتراكية-الديموقراطية اوالأحزاب الشيوعية (وهي السياسة المسماة «سياسة المرحلة الثالثة» للكومنترن، التي يستعيدها اليوم العديد من المنظمات الماوية-الستالينية) يقوم على عدم فهم قصوي وطفولي للوظيفة الموضوعية لوحدة الجبهة البروليتارية ولشروطها المسبقة الذاتية. إنه يفترض مسبقا أن يكون جمهور الشغيلة الاشتراكيين (أو التابعين للحزب الشيوعي) مستعدا للانخراط في العمل الموحد مع الشغيلة الثوريين، دون الموافقة المسبقة لقياداته «الاشتراكية-الفاشية» أو «المراجعة». أي أنها تفترض كون المهمة التي ينبغي حلها قد تم حلها، إلاّ وهي مهمة فصل هذا الجمهور عبر تجربته الخاصة عن قياداته الانتهازية. ولكن توجيه الدعوة بالضبط إلى قادة الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي للالتقاء داخل جبهة موحدة في وجه هجوم الرجعية، يسمح للشغيلة الذين يتبعون تلك القيادات بان يعيشوا تجربة ثمينة ولا غنى عنها بما يخص مصداقية اولئك القادة وفعالياتهم وحسن نواياهم.

زد على ذلك أن افتراض عدم ضرورة انخراط قيادات الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي في الجبهة الموحدة العمالية، إنما يختصر هذه الجبهة إلى أقلية داخل الطبقة العاملة، وينشر أوهاما خطيرة حول إمكانية دفع أرباب العمل، أو الدولة البورجوازية، أو التهديد الفاشي، إلى الوراء، تحت ضربات نشاطات أقلية.

هل يعني ذلك أن تكتيك الجبهة الموحدة محدود بأهداف دفاعية؟ كلا بالطبع، فتنظيم كامل الطبقة العاملة كتشكيل مثالي -ولو لأهداف دفاعية في البدء- يعدل موازين القوى بين الطبقات ويقوي إلى حد بعيد قتالية الطبقات الكادحة، وقوتها الضاربة، وقدرتها على العمل السياسي وثقتها بأنفسهما، فيخلق بالتالي احتياطيا عظيما إضافيا للنضال، يمكنه أن يتولى التحويل السريع للنضال الدفاعي إلى نضال هجومي. فأثناء الانقلاب الفاشل الذي نظمه فون كاب في مارس 1920 في ألمانيا، خلق الرد الظافر والموحد للمنظمات العمالية الألمانية، خلال أيام قليلات، وضعا وافق أثناءه مناضلو منظمات عديدة -بما فيها منظمات إصلاحية- على تشكيل ميليشيات عمالية مسلحة في العديد من مدن الرور، لا بل طرح القادة النقابيون الأكثر اتعدالا ضرورة قيام حكومة عمالية. إن الرد الظافر والوحدوي للجماهير الإسبانية ضد الانقلاب الفاشي الفاشل في يوليوز 1936 في معظم المدن الكبرى أدى إلى التسليح الشامل للبروليتاريا وإلى الاستيلاء على المصانع.

إن الماركسيين الثوريين الذين يرمون إلى الاستفادة ما أمكن من هذه الطاقة الهجومية الكامنة للجبهة العمالية الموحدة ينادون بضرورة بناء الجبهة الموحدة في القاعدة كما في القمة، دون أن يشكل هذا البناء إنذارا موجها لأحزاب البروليتاريا أو نقاباتها أو جماهيرها. ويفترض بناء من هذا النوع أن تضم الجبهة الموحدة، بالإضافة إلى الاتفاقات و«الكارتيلات» القومية، والنطقية، الخ.. للمنظمات العمالية، لجانا قاعدية في المنشآت والأحياء والنواحي، لجانا ينبغي أن تكون بأسرع ما يمكن لجانا منتخبة ديموقراطيا، ومنخرطة في حشودات وأعمال جماهيرية منهجية. إن الدينامية الهجومية لبنية من هذا النوع، تفتح الطريق في الواقع أمام وضع ثوري، إنما هي أمر بديهي.

 

4- الجبهة الموحدة العمالية والجبهة الشعبية

 

بقدر ما الماركسيون الثوريون هم أنصار الأكثر حزما لسياسة جبهة عمالية موحدة، بقدر ما يرفضون سياسة «الجبهة الشعبية»، التي طرحت من جديد منذ المؤتمر السابع للكومنترن، وهي السياسة الإصلاحية الاشتراكية-الديموقراطية القديمة القاضية بالتحالف بين البرجوازية «الليبرالية» (أو «القومية»، أو «المعادية للفاشية») والحركة العمالية («كارتيل اليسار»).

إن التمييز الجوهري بين الجبهة العمالية الموحدة و«كارتيل اليسار»، أو «الجبهة الشعبية»، يكمن في أن الجبهة العمالية الموحدة تستثير بمنطقها الرافع لشعار «طبقة ضد طبقة» دينامية تصعيدية لنضال البروليتاريا ضد البرجوازية، بينما تستثير سياسة الجبهة الشعبية بالمقابل، انطلاقا من منطقها القائل بالتعاون الطبقي، دينامية كبح للنضالات العمالية، لا بل قمع للشرائح العمالية الأكثر تجذرا. ففي حين لا تنطوي الجبهة العمالية الموحدة في وجه الهجوم الرأسمالي على أي شرط مسبق للدفاع عن النظام البرجوازي والملكية الرأسمالية (مهما يكن تعلق القادة الإصلاحيين بهكذا دفاع)، تقوم الجبهة الشعبية على احترام النظام البورجوازي والملكية، الذي يؤدي انعدامه، كما يقال، إلى استحالة استقبال «البرجوازية التقدمية» في الجبهة، بما «يمكن أن يقوي الرجعية». إن كل منطق الجبهة الشعبية يتجه إذا إلى حرف النضالات الجماهيرية، أو احتوائها، أو تحطيمها، وهو ما ليس واردا في حال اتفاقات الجبهة العمالية الموحدة.

طبعا، إن التمييز بين جبهة عمالية موحدة وجبهة شعبية لا ينطوي على اختلاف «مطلق»، وإن كان يطرح اختلافا ذا شأن، تبعا للطبيعة الطبقية الموضوعية لنوعي الاتفاق. إذ يمكن أن يكون هنالك تطبيقات انتهازية لتكتيك الجبهة العمالية الموحدة يبدأ خلالها قادة المنظمات التي تزعم أنها منظمات ثورية بكبح النضالات الجماهيرية بدورهم، بذريعة «عدم إرعاب القادة الإصلاحيين»، بينما يمكن للجماهير أن تنطلق في بعض الحالات من أوهام وحدوية تبذرها اتفاقات جبهة شعبية من أجل زيادة حدة نضالاتها، لا بل خلق بنى تنظيم ذاتي، وهي مبادرات على الماركسيين الثوريين أن يؤيدوها بالطبع ويدعموها بكل الوسائل.

لكن مهما تكن هذه الحالات الوسيطة، تبقى القضية المبدئية قضية حيوية، إذ علينا من وجهة نظر الصراع الطبقي أن ندعم سياسة الجبهة العمالية الموحدة، وأن نكافح كل اتفاق سياسي مع أحزاب بورجوازية، -حتى لو كانت «يسارية»- يعيد النظر في الاستقلال السياسي الطبقي للبروليتاريا.

 

5- الاستقلال السياسي الطبقي والتنظيم الموحد للطبقة

 

هكذا فإن إشكالية الجبهة الموحدة العمالية، كما إشكالية الجبهة الشعبية، تعيدنا في النهاية إلى مسألة حيوية واحدة، هي كيف يمكن للطبقة العاملة أن تنجز تنظيما توحيديا لقوتها، بالاستقلال التام عن البورجوازية، رغم تفتتها إلى تيارات أيديولوجية وأحزاب وشلل وبدع سياسية مختلفة، ورغم النقص في مستوى المتوسط لوعيها الطبقي.

إن الذين يدعون إلى الزوال المسبق لهذا التفتت، كشرط مسبق لتحقيق التنظيم الطبقي الموحد، يلاحقون سرابا لا أكثر، فهذا التفتت موجود منذ قرن، ولا أدنى إشارة إلى أنه سوف يزول قريبا. إن اعتبار هذا الزوال شرطا تمهيديا يشبه القول علميا أن وحدة الجبهة البروليتارية (إذا انتصارها) مستحيلة حتى مستقبل غير منظور.

إن الذين يرون في تحقيق وحدة عمل الطبقة ناتج اتفاقات على صعيد القمة، بالاستقلال عن المضمون الطبقي والدينامية الموضوعية التي تثيرها تلك الاتفاقات -عن طريق المماثلة مثلا بين الجبهة العمالية الموحدة والجبهة الشعبية- ينسون أن الوحدة الحقيقية للجبهة البروليتارية مستحيلة إلاّ على أساس طبقي. ليس معقولا أن تقبل كل قطاعات الطبقة العاملة وشرائحها الكبح الذاتي والبتر الذاتي اللذين تنطوي عليهما اتفاقات تعاون طبقي.

ثمة إذا رابط وثيق بين وحدة عمل الطبقة العاملة بمجملها والأهداف النضالية التي يوافق عليها الجميع، لا بل أشكال النضال التي تتبناها الطبقة. والماركسيون الثوريون يتمسكون بحزم بكل مبادرة وحدوية حقيقية، لأنهم مقتنعون أن هكذا مبادرات تقوي على الدوام كفاحية الشغيلة ووعيهم، باتجاه النضال الطبقي الحازم ضد رأس المال.

إن استقلال البروليتاريا الطبقي، الذي لا يمكن أن تتحقق بدونه وحدتها، يقع حيال أرباب العمل على مستوى المشروع الصناعي والفرع. كما يقع حيال الأحزاب البورجوازية، لا بل حتى حيال الدولة البورجوازية، والدولة الديموقراطية-البورجوازية الأكثر حرية. فالثقة بالنفس التي تكسبها الطبقة العاملة، التي تمر بتجربة وحدوية حقيقية تشمل الطبقة بأكملها، تحفزها للقبض بيديها الاثنتين على ناصية حل مشكلاتها جميعا، بما فيها المشكلات المتروكة عادة للبرلمان، وهذا سبب إضافي لكي يكون الثوريون المحامين الأشد حزما وصلابة عن وحدة عمل الطبقة العاملة كلها.

 

6- الاستقلال الطبقي والتحالفات بين الطبقات

 

إن التمييز المبدئي، الذي نقيمه بين الجبهة العمالية الموحدة والجبهة الشعبية، تعرض غالبا للاتهام بأنه «دوغمائي». والناقدون يرون أنه «ينكر ضرورة التحالفات»، وأنه بدون «تحالفات طبقية» لا مجال لانتصار الثورة الاشتراكية. لينين ذاته، ألم يركز كل الاستراتيجية البلشفية على ضرورة قيام تحلف بين البروليتاريا والفلاحين؟

فلنشر أولا إلى أن كل مقارنة بين البلدان الإمبريالية حاليا وروسيا القيصرية مقارنة خادعة. ففي روسيا لم تكن تمثل البروليتاريا أكثر من 20% من السكان العاملين. أمّا في البلدان الإمبريالية -باستثناء البرتغال- فالبروليتاريا، أي جمهور الذين يضطرون لبيع قوة عملهم، تمثل الأغلبية الساحقة داخل الأمة، أو 70% إلى 90% من السكان العاملين في معظم تلك البلدان. إن وحدة الجبهة البروليتارية (التي تضم فيما تضم المستخدمين بالطبع) هي أمر أكثر حيوية بكثير بالنسبة للثورة من التحالف مع الفلاحين.

نضيف إلى ذلك أن الماركسيين الثوريين ليسوا معادين أبدا لتحالف بين البروليتاريا والبورجوازية الصغيرة الكادحة (غير المستغِلة) في المدن والأرياف، حتى في البلدان التي تكون هذه الأخيرة فيها أقلية. ففي العديد من البلدان الإمبريالية، مثل البرتغال وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا، ما يزال إرساء التحالف العمالي-الفلاحي ذا أهمية سياسية كبرى، وخصوصا اقتصادية، من أجل انتصار الثورة الاشتراكية وتدعيمها.

أمّا ما نرفضه فهو أن يكون التحالف بين الأحزاب العمالية والأحزاب البورجوازية ضروريا لإقامة تحالف الطبقات الكادحة. على العكس من ذلك، فتحرير الفلاحين وصغار البورجوازيين المدينيين من سيطرة البورجوازية يفترض مسبقا تحريرهم من الدعم الذي يقدمونه للأحزاب السياسية البورجوازية. يمكن للتحالف -لا بل ينبغي- أن يقوم على اساس مصالح مشتركة، وعلى البروليتاريا وأحزابها أن تقدم لهاتين الطبقتين أهدافا اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية تهمها وتعجز البرجوازية عن تحقيقها لها. وإذا كانت التجربة تثبت إرادة البروليتاريا انتزاع السلطة وتحقيق برنامجها، فيمكنها أن تحوز على دعم جزء مهم من البورجوازية الصغيرة بغية تحقيق تلك الأهداف.

 

7- حركات تحرر النساء والأقليات القومية المضطهدة في انطلاق النضالات المعادية للرأسمالية

 

تقليديا، فهمت الحركة العمالية المنظمة مشكلة «التحالفات» كمشكلة انتخابية وسياسية (تحالف بين عدة أحزاب)، أو كتحالف بين الطبقة العاملة وطبقة الفلاحين الكادحين وشرائح أخرى مستغلة من البورجوازية الصغيرة. إلاّ أنه خلال الثورات البروليتارية الماضية الكبرى، لاسيما الثورة الروسية والثورة الإسبانية، لعب الدمج بين الثورة الاجتماعية وحركات تحرر القوميات المضطهدة دورا مرموقا.

وإذ تغوص الرأسمالية المعاصرة في أزمة اجتماعية أكثر فأكثر تعميما (لا سيما منذ النصف الثاني من الستينات)، تتسم الصراعات الاجتماعية-السياسية في البلدان الإمبريالية بالدمج بين النضالات البروليتارية «الصرفة» وانفجارات استياء وتمرد اجتماعي لقطاعات واسعة من السكان لا تتشكل بكاملها من البروليتاريا: حركة تمرد الشبيبة، حركة تحرر النساء، حركة تمرد القوميات المضطهدة.

حين نقول «لا تتشكل بكاملها من البروليتاريا»، نريد أن نقول ذلك وحسب. إنه لمن العبث أن نعتبر الشبيبة أو النساء أو الأقليات العرقية والسلالية كـ«غير بروليتاري»، لا بل «بورجوازية صغيرة» بمجملها، تبعا لمعايير أيديولوجية نفسية. فجزء متزايد من النساء في البلدان الإمبريالية (أكثر من 50% في بعض البلدان) يتألف من مأجورات وليس من ربات منازل، وجزء مهم من الشباب يتألف من شغيلة شبان ومن متدربين. إن السود البورتوركيين والشيكانو في الولايات المتحدة، والايرلنديين والمهاجرين من آسيا والهند الغربية إلى بريطانيا، والباسكيين والقشتاليين في إسبانيا -ونحن نقتصر على هذه الأمثلة الثلاثة- لم يتبلتروا فقط إلى حد بعيد، بل يشكلون كذلك جزءا مهما من بروليتاريا تلك الدول بصورة إجمالية.

إن شروط حياة كل هذه الشرائح التي في وضع التمرد من نوع خاص -نساء، وشباب وأقليات عرقية وقومية- ومطالبها الخاصة بها، تستحق انتباها خاصا من جانب الحركة العمالية وطليعتها الثورية لأسباب ثلاثة بديهية.

أولا، لأن هذه الشرائح تضم عموما القسم الأكثر تعرضا للاستغلال والأكثر بؤسا من البروليتاريا الذي يتطلب اهتماما خاصا من جانب كل شغيل واع. ثم إن هذه الشرائح هي عموما ضحايا اضطهاد مزدوج، بما هي بروليتاريون ونساء وشبيبة وأقليات ومهاجرون في الوقت ذاته… والحال أن البروليتاريا ليست قادرة على التحرر نهائيا، ولا أن تلغي العمل المأجور وتبني مجتمعا لا طبقيا، من دون أن تصفي جذريا كل أشكال التمييز والاضطهاد واللا مساواة الاجتماعية. أخيرا، تسمح حركة تمرد تلك الشرائح وتحررها بانخراط قطاعات غير بروليتارية، تشكل أجزاء من الشرائح المضطهدة المشار إليها أعلاه، في النضال من أجل الثورة الاشتراكية.

هذا التحالف ليس آليا طبعا، فهو يتوقف على وزن التفاوت الطبقي الذي سيستثيره التقاطب الأقصى للقوى الاجتماعية، خلال السيرورة الثورية، داخل حركة تحرر النساء والشبيبة والقوميات والأعراق المضطهدة. إلاّ أنه يتوقف أيضا على قدرة الحركة العمالية، ولا سيما على قدرة طليعتها الثورية أن تقبض بجرأة على ناصية القضية العادلة التي يقاتل من أجلها المتعرضون للاضطهاد.

إن الماركسيين الثوريين يعترفون بمبررات حركات التحرر المستقلة للنساء والشبيبة والقوميات والأعراق المضطهدة، لا فقط قبل انهيار الرأسمالية، بل حتى بعده، هذا الانهيار الذي لا يمحو بين ليلة وضحاها رواسب آلاف السنين من المسبقات القائمة على التمييز بين الجنسين، أو العرقية أو الشوفينية، أو الحاقدة على الأجانب، داخل الجماهير الكادحة. ولسوف يسعون لكي يكونوا أفضل المكافحين، داخل هذه لحركات الجماهيرية المستقلة، من أجل كل المطالب العادلة والتقدمية، ولكي يكونوا وراء التعبئات والنضال الأكثر اتساعا والأكثر توحيدية.

كما سيكافحون في الوقت ذاته منهجيا لصالح حلول سياسية واجتماعية إجمالية -استيلاء الطبقة العاملة على السلطة وإلغاء النظام الرأسمالي- بدونها يستحيل تقديم حل عام ودائم للتمييز بين الجنسين وللتمييز العرقي والشوفيني. وسيكونون بصورة ليست أقل منهجية المدافعين الأشداء عن تضامن كل المستغَلين (بفتح الغين) وكل البروليتاريين في النضال من أجل مصالحهم الطبقية، بغض النظر عن كل اختلاف في الجنس أو العرق أو القومية. وكلما كانت معركتهم ضد كل أشكال الاضطهاد الخاصة، التي تعاني منها هذه الشرائح المتعرضة لاستغلال مضاعف، معركة أكثر حزما واقناعا، كلما أصبح هذا النضال من أجل التضامن الطبقي العام داخلها أكثر فعالية.

******* 

 

15/ حول المجتمع اللا طبقي

 

1- الهدف الاشتراكي المقصود

 

إن الهدف الاشتراكي الذي نرمي إلى بلوغه هو استبدال المجتمع البورجوازي، القائم على نضال الجميع ضد الجميع، بمجتمع جماعي لا طبقي، حيث يحل التضامن الاجتماعي محل الرغبة في الثراء الفردي كمحرك أساسي للنشاط، وحيث يضمن ثراء المجتمع التطور المنسجم لجميع الأفراد.

إن الماركسيين لا يطمحون إلى «جعل الناس جميعا متساوين» كما يزعم كل الخصوم الجاهلين للاشتراكية، بل يودون أن يفسحوا في المجال، للمرة الأولى في التاريخ البشري، أمام تطور السلسلة اللا متناهية من إمكانات الفكر والعمل لدى كل فرد. إلاّ أنهم يفهمون أن المساواة الاقتصادية والاجتماعية، وتحرر الإنسان من ضرورة الكفاح لأجل خبزه اليومي، يمثلان شرطا مسبقا للحصول على هذا التحقيق الفعلي للشخصية الإنسانية لدى كل الأفراد.

إن مجتمعا اشتراكيا يتطلب إذا اقتصادا متطورا إلى حد يلي معه الإنتاج وفقا للحاجات الإنتاج بهدف الربح. فالإنسانية الاشتراكية لن تعود تنتج سلعا معدة للتبادل في السوق لقاء المال، بل ستنتج قيما استعمالية توزع على جميع أعضاء المجتمع بهدف كفاية كل حاجاتهم.

إن مجتمعا من هذا النوع سيحرر الإنسان من قيود التقسيم الاجتماعي والاقتصادي للعمل. فالماركسيون يرفضون الموضوعة التي ترى أن بعض الناس «ولدو للقيادة» والبعض الآخر «ولدوا للطاعة». وليس أي من الناس معدا بطبيعته ليكون طيلة حياته عامل منجم أو فرازا أو سائق حافلة كهربائية. في كل إنسان تهجع رغبة ممارسة عدد كبير من النشاطات المختلفة، ويكفي أن نراقب الشغيلة في أوقات فراغهم لنتأكد من ذلك. وفي المجتمع الاشتراكي، سوف يسمح المستوى الرفيع من التأهيل التقني والثقافي لأي مواطن أن يشغل نفسه بالعديد من المهمات المتنوعة المفيدة للجماعة، ولن يفرض اختيار «المهنة» فرضا على الناس، بفعل قوى أو شروط مادية مستقلة عن إرادتهم، بل سيتوقف ذلك الاختيار على حاجتهم الخاصة بهم، وعلى تطورهم الفردي. سيتوقف العمل عن أن يكون نشاطا مفروضا يتهرب المرء منه، ليصبح تحقيقا للذات وحسب، وسيكون الإنسان حرا بالمعنى الحقيقي للكلمة. إن مجتمعا من هذا النوع سوف يجهد لإزالة كل أسباب النزاعات بين البشر، وسيكرس للنضال ضد الأمراض ولتكوين الطبع لدى الطفل، وللتربية والفنون الجميلة، الموارد الهائلة المبذرة اليوم على أهداف التدمير والقسر. وبإزالة كل التناقضات الاقتصادية والاجتماعية بين الناس تتم إزالة كل أسباب الحرب أو الصراعات العنيفة. إن ارساء مجتمع اشتراكي يشمل العالم بأجمعه هو وحده الكفيلة بتأمين هذا السلم الشامل الذي يصير شرطا لاستمرار الجنس البشري على قيد الحياة في عصر الأسلحة الذرية والنووية الحرارية

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.