اخر الاخبار:
العراق يعلن تحرير قضاء عنه بالكامل - الخميس, 21 أيلول/سبتمبر 2017 17:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

الإسلام / الماركسية: علاقة الالتقاء والاختلاف// محمد الحنفي

 

الإسلام / الماركسية: علاقة الالتقاء والاختلاف

محمد الحنفي

 

و ما نيل المطالب بالتمني         و لكن تؤخذ الدنيا غلابا

احمد شوقي

 

* إلى كل الشهداء الذين اغتالتهم أيادي الظلام.

* إلى الشهيد عمر بن جلون الذي رحل قبل أن يؤدي دوره ...

* اهدي هذا العمل الذي لا ادعي انه ينال من العمق ما يستحق.

* من اجل أن نتذكر، و أن نعتبر، و أن نجتهد، و أن نبدع.

* من اجل أن نساهم في بناء ما بدأوه.

محمد الحنفي

 

قبل المقدمة واجب التوضيح :

إن موضوع "الإسلام/ الماركسية: علاقة الالتقاء والاختلاف "قد يجعل الكثيرين يستغربون طرحه الآن، وفي هذه الظروف بالخصوص لكونه لم يعد واردا لا في فكر المتنبئين الجدد الذي يعمل كل مباضعه، وما توفر لديه من إمكانيات لجعل الفكر الماركسي عدوا للإسلام، وعدوا للمسلمين. ويسعى فكر المتنبئين الجدد، وعن جهل بفكر الماركسية، إلى جعل المسلمين "يجاهدون" ضد الماركسية والماركسيين، وبدون معرفة حقيقية لا بالماركسية ولا بالماركسيين لإتاحة الفرصة أمام السياسة الرأسمالية عن طريق عولمة اقتصاد السوق بطريقة همجية. نجد استمرار المتنبئين الجدد في تناول الماركسية والماركسيين بالتجريح والنبذ، دعما لعولمة الاستغلال الرأسمالي وسعيا إلى تكريس التخلف عن طريق سيادة الفكر الذي يفتقد العقلانية التي اصبحت قاعدة في ممارسة الفكر البورجوازي، والبورجوازي الصغير، والإقطاعي، وهو ما يتنافى مع تطور العلوم والتقنيات الحديثة كما يتنافى مع الدعوة إلى تعميم الممارسة الديمقراطية وحقوق الإنسان في جميع الدول التابعة التي يسود فيها النظام الاشتراكي دون الدول الرأسمالية أو المحكومة بالنظم المتخلفة المرتمية في أحضان أمريكا دون قيد أو شرط.

إن تناولنا لموضوع الإسلام والماركسية، ومعالجتنا لعلاقة الالتقاء والاختلاف، إنما يهدف إلى تجديد التفكير فيهما سعيا إلى زحزحة ما اصبح أو ما أريد له أن يكون من الثوابت وهو العداء القائم بين الماركسية والإسلام الذي لا يعبر عن العداء المطلق بقدر ما يعبر عن عداء مؤدلجي الدين الإسلامي للماركسية باعتبارها منهجا علميا يسعى إلى تحليل الواقع، والكشف عن التناقضات القائمة فيه، وتفجيرها والتسريع بتجاوزها في أفق تحقيق المجتمع الاشتراكي، وهو ما لم يسع إليه الإقطاعيون و أشباههم البورجوازيون و كل من يتطلع إلى أن يكون كذلك.

فالكشف عن خلفيات تكريس عداء "الإسلام" للماركسية يعتبر من مهمة المثقفين الثوريين الذين تقتضي الأمانة العلمية أن يكونوا على معرفة عميقة بالإسلام وبالماركسية معا، من اجل البحث العميق في العلاقة بينهما، وإزالة اللبس الذي يبثه مؤدلجوا الدين الإسلامي لتشويه صورة الإسلام. فالإسلام إسلام، والماركسية ماركسية، وشروط ظهور كل منهما مختلفة، وأهدافهما مختلفة، مع إمكانية التقاطع بينهما. وهو ما يمكن اعتماده للقول بأن العداء بين "الإسلام" والماركسية عداء مفتعل، وهو ما يستلزم التصدي لهذا الافتعال لإرجاع الصراع إلى وضعه الحقيقي كصراع بين الطبقات الموجودة على ارض الواقع، لا بين السماء والأرض، لأن صراعا من هذا النوع هو تحريف للحقيقة، وظلم للواقع، وفقدان للعلم، وابتئاس للمنهج. ولذلك رأينا انه من الضروري تناول الموضوع أعلاه، إثارة له، ومساهمة في النقاش الذي يجب استرجاعه إلى الساحة النظرية بصفة عامة والفكرية بصفة خاصة حتى تتم إعادة النظر في المقولات الجاهزة عند مؤدلجي الدين الإسلامي ومحولي الماركسية إلى عقيدة. وذلك فهو المبتغى الأسمى الذي نسعى إليه، لأن إعادة النظر إذا تم الاقتناع بها تعني أننا نعترف بالجناية على الإسلام، وعلى الماركسية معا، والمستفيد الأول من تلك الجناية هم المستغلون الحاكمون المستبدون من "المسلمين" في بلاد المسلمين أنى كان لونهم، أو كانت هويتهم، سواء كانوا إقطاعيين أو شبه إقطاعيين أو رأسماليين أو شبه رأسماليين. فهم المستفيدون وحدهم من كل صراع غير حقيقي وغير مشروع. لأن الصراع المشروع وحده يرعبهم، انه الصراع الحقيقي بكل تجلياته الذي يعملون على تغييبه واستبداله بأشكال أخرى من الصراع. كالصراع بين مذاهب الدين الواحد كالسنة والشيعة في الإسلام، والكاثوليك والبروتستانت في المسيحية. وقد وجدوا في "الإسلام" والماركسية مبتغاهم، فافتعلوا الصراع بينهما في الوقت الذي لم يسبق لهم أن افتعلوا الصراع بين "الإسلام" والرأسمالية. وكان المفروض أن يكون الأمر كذلك، إلا أن المستغلين المنتمين إلى طبقة الرأسماليين وما يشابهها استطاعت بذكائها الاستغلالي افتعال الصراع بين "الإسلام" والماركسية بعد أن اكتسبوا المتنبئين الجدد إلى جانبهم بشراء ذمتهم: وهو ما يساعد على تغييب المعنيين بالصراع، والمعنيين بالاستغلال، وذلك هو مبتغى الاستغلاليين الحاكمين المستبدين.

فهل يعمل المثقفون الثوريون، والمتنورون على إزالة الغشاوة عن أعين الناس؟

إنها مسافة الزمن بين التضليل وبين الرؤيا الواضحة للطريق الصحيح . والطريق الصحيح هو عودة الوعي الحقيقي إلى أصحابه الحقيقيين.

 

مقدمة :

مع حلول عصر العولمة، وانهيار المعسكر الاشتراكي وسيادة الرأسمالية الهمجية المتجسدة في اقتصاد السوق. وظهور بوادر مقاومة من نوع جديد لهذا الاقتصاد، وتكثيف الحديث عن حقوق الإنسان الذي يعكس الغياب الفعلي لهذه الحقوق، وحلول خطر "الإرهاب" محل "الخطر الشيوعي" الذي وظفت لمقاومته إمكانيات ضخمة، لا من اجل القضاء عليه، لأنه ليس موجودا أصلا، بل من اجل القضاء على النظام الاشتراكي الذي يستقطب أنظار الشعوب المقهورة، وكاد الحديث عن الماركسية يختفي من الكتب، والمجلات، والصحف، وسائر وسائل الإعلام، وكأن الماركسية أصبحت سبة يتجنب الجميع أن ينعت بها. واصبح العديد من الماركسيين، الذين نفتخر بكتاباتهم يعلنون توبتهم أمام أعتاب أنظمة البترودولار. وفي نفس الوقت يتم الترويج لخطابات المتنبئين الجدد بكل الوسائل الممكنة وخاصة إذا كانوا "ماركسيين" سابقين، وغير الممكنة لمحاربة الفكر الاشتراكي العلمي، وتصبح الشعارات الأيديولوجية المنسوبة إلى "الإسلام" هي الهدف الذي تستقطب شعوب المتنبئين الجدد إلى تحقيقه.

فحلول عصر العولمة هو تتويج لخطة رأسمالية إمبريالية همجية تسعى إلى تحقيق السيطرة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية على شعوب الأرض التي توظف لمحاربة الفكر الماركسي على أساس انه ينشر "الإلحاد" و "الكفر" بين المسلمين، وتقديم الدعم الذي لا حدود له لأقلام المتنبئين الجدد التي تبشر ب"الإسلام". وتنشر "الفكر الإسلامي" الذي لا يمكن اعتباره إلا أيديولوجية ظلامية تستهدف تقويض الفكر العلمي، وزعزعة المنهج العلمي الذي هو جوهر الماركسية لتمهيد الطريق أمام اكتساح النظام الرأسمالي العالمي للقارات الخمس، والسطو على الخيرات الاقتصادية واستغلال الموارد البشرية و تعميم اقتصاد السوق، وبسط الطرق و الممرات أمام الشركات العابرة للقارات، وإغراق الأنظمة التابعة بالمزيد من الديون.

وبالمقابل ف "الإسلام" انطبع في أذهان الناس في جميع أنحاء العالم بما اصبح يعرف بالإسلام السياسي الذي يقود الثورة المضادة للحركة الماركسية بكل الوسائل الممكنة، و ضد الأنظمة التابعة، وعلى رأسها الدولة الصهيونية التي قاومها الماركسيون منذ البداية، من اجل الوصول إلى السيطرة على الكرة الأرضية بعد أن تلقوا دعما محدودا من قبل أمريكا لمقاومة "المد الشيوعي" وإلى جانب "الإسلام السياسي" هناك "الإسلام" الرسمي الذي تحتمي به الأنظمة التابعة التي توظفه لقهر شعوب المسلمين المقهورة خدمة لأمريكا، ومحاربة الماركسية المتجسدة في حركاتها كأحد اوجه تلك الخدمة.

أما الإسلام الحقيقي الذي يبث القيم النبيلة في نفوس المسلمين ومسلكياتهم الفردية والجماعية، ويوطد الروابط الروحية والاجتماعية بين المسلمين في كل البلاد الإسلامية، هذا الإسلام هو ما يصطلح على تسميته بالإسلام الشعبي لامتزاجه بالعادات والتقاليد والأعراف، وبراءته من الممارسة الاسلاموية الرسمية والتي تختزل الإسلام في مجموعة من التيارات "الإسلامية".

وفي هذا الإطار سنعالج العلاقة بين الإسلام كعقيدة وكشريعة ، وبين الماركسية كمنهج للتحليل وكهدف، واقفين على الشروط التاريخية التي ظهر فيها الإسلام، والشروط التاريخية التي ظهرت فيها الماركسية، واختلاف دور الإسلام عن دور الماركسية، ولجوء التيارات "الإسلامية" إلى تحويل "الإسلام" إلى ممارسة أيديولوجية مما يمكن اعتباره ممارسة تحريفية، واقفين على أهداف الإسلام وأهداف الماركسية ومجيبين على السؤال: ما هي نقط الالتقاء، ونقط الاختلاف؟ ومستشفين حقيقة عداء الإسلام للماركسية وهل هو عداء حقيقي وأصيل في الإسلام؟ أم هو مجرد ادعاء أيديولوجي؟ وكذلك حقيقة عداء الماركسية للإسلام وهل هو قائم في الفكر الماركسي والممارسة الماركسية؟ أم انه مجرد افتعال من قبل المتمركسين؟ وعاملين على الإجابة على السؤال هل يصح إطلاق المقولة الماركسية "الدين أفيون الشعوب" على الإسلام ؟ أم انه مجرد زعم لا علاقة له بالشروط التاريخية التي جاءت فيها تلك المقولة؟ ومستعرضين بعض اوجه ظلم بعض الماركسيين للإسلام، وظلم الإسلاميين للماركسية وواقفين على إمكانية لاهوت إسلامي ماركسي، وعلى كرامة الإنسان بين الإسلام والماركسية مستقبلا. وبذلك نكون قد قمنا بتحليل موضوعي للعلاقة بين الإسلام والماركسية كمساهمة لمد الجسور بينهما من اجل مواجهة المد الرجعي المتخلف المتمثل في واجهتين: واجهة همجية اقتصاد السوق، وواجهة المتأسلمين الذين يؤدلجون الدين الإسلامي لتحقيق أهداف طبقية و سياسية معينة.

 

الإسلام كعقيدة وكشريعة :

وحتى لا تختلط الأمور في أذهاننا و نتيه بين التيارات والفصائل والأحزاب المؤدلجة للدين الإسلامي الحنيف والتي تعادي الماركسية بشكل مطلق وتعطي الأولوية لمحاربتها على أي نمط آخر من التفكير والممارسة حتى ولو كان اكثر عداء للإسلام، واكثر استغلالا للمسلمين كما هو الشأن بالنسبة للنظام الرأسمالي الهمجي.

فالإسلام الذي نقصده هو الذي يهدف إلى تربية الروح الإنسانية في الأفراد و الجماعات، و يسعى إلى تطهير المسلكيات الفردية و الجماعية من كل ما يضر بالعلاقات بين الأفراد و الجماعات، و يحط من كرامة الإنسان، و يسعى بكل ذلك إلى حفظ تلك الكرامة التي هي قوام الوجود البشري. و إسلام كهذا يتجسد في مستويين من التربية الروحية و الخلقية :

المستوى الأول : الإسلام كعقيدة، و هو إسلام يتجسد في مجموعة من الشعائر الدينية التي تكتسب بعدا اجتماعيا أثناء ممارستها وسعيا إلى تحقيق أهدافها، كشعيرة الصلاة التي تهدف أولا و قبل كل شيء إلى تطهير المجتمع من كل المسلكيات الخبيثة. فقد قال الله تعالى في هذا الإطار "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر" فالفحشاء و المنكر مسلكيتان اجتماعيتان خبيثتان يتجنب الناس ممارستهما بسبب التشبع بالدين الإسلامي، المعبر عنه بأداء فريضة الصلاة، و كذلك الشأن بالنسبة لشعائر الزكاة و الصيام و الحج، فهي كلها تعبيرات مختلفة عن الانتماء إلى الإسلام و تسعى إلى تحقيق أهداف اجتماعية سامية.

المستوى الثاني : الإسلام كشريعة الذي يتمثل في القوانين المنظمة للعلاقات بين المسلمين فيما بينهم، و بين المسلمين وغيرهم. و تلك القوانين و التشريعات التي تستمد قوتها من القرءان الكريم و الحديث الشريف و تتغير بتغير الزمان و المكان حتى تتلاءم مع المستجدات التي تطرأ عبر ما يصطلح على تسميته بالاجتهاد و القياس و الإجماع. و الشريعة ليست جامدة بقدر ما هي مرتبطة بتحول أحوال المسلمين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و قابلة للملاءمة مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان مادامت تلك الحقوق تهدف إلى تحقيق كرامة الإنسان التي هي غاية الشريعة الإسلامية. و ما أصاب الشريعة الإسلامية من جمود ما هو إلا من فعل المتزمتين و المتطرفين الذين يسعون إلي المحافظة على مصالحهم الطبقية المرتبطة بنمط التفكير المتزمت و المتخلف الذي لا علاقة له بحقيقة العقيدة و لا بحقيقة الشريعة في هدفيهما و سعيهما إلى تحقيق كرامة الإنسان.

و انطلاقا من هذا التصور يمكن أن نقول : إن الإسلام لا علاقة له لا بالرأسمالية و لا بالاشتراكية و لا بالماركسية، و لا بأي نمط من أنماط الإنتاج أو التفكير، فإن ما نراه من مقارنة بالمذاهب الاقتصادية و الفكرية إنما هو مجرد إقحام له في كل ذلك. و هو إقحام فيه تعسف، و لا يمارسه إلا المتنبئون الجدد الدين يسعون بكل ما أوتوا من قدرة على ادلجة العقيدة و الشريعة إلى بقاء المسلين الكادحين و المقهورين و الفقراء و المتخلفين بعيدين عن كل التيارات الفكرية و المذاهب الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية حتى يبقوا في خدمة المتنبئين الجدد الطبقية، و حتى لا يتملكوا وعيا  يؤهلهم للسعي إلى التسريع بتطوير أوضاعهم العامة و الخاصة.

 

الماركسية كمنهج للتحليل :

و لإزالة الخلط القائم في مختلف الكتابات و خاصة منها تلك التي يدبجها المتنبئون الجدد، فإن الماركسية جاءت كثورة على أوضاع اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و مدنية و سياسية تغلغلت فيها همجية الاستغلال الرأسمالي في المجتمعات الرأسمالية خلال القرن التاسع عشر ليمتد بعد ذلك إلى القارات التي تحولت إلى مستعمرات للدول الرأسمالية الاستعمارية و أهم شيء في الماركسية هو المنهج العلمي بقوانينه الدياليكتيكية و التاريخية التي وظفها الماركسيون في كل بقاع العالم من اجل الكشف عن القوانين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية المتحكمة في الواقع حتى تستطيع الحركات المناضلة تغيير ذلك الواقع اعتمادا على تلك القوانين المتحكمة فيه.

و منهج التحليل الماركسي ليس وحيا من السماء و ليس من أدوات محاربة الوحي الآتي من السماء، انه اكتشاف خلاق و مبدع قام به مؤسسا و رائدا الماركسية ماركس و إنجاز انطلاقا من التطور الذي عرفته العلوم الطبيعية، و الرياضيات و الفلك و تعاظم  المكتشفات العلمية و المخترعات التكنولوجية، و تسارع عملية السيطرة على الطبيعة و تسخيرها لخدمة الإنسان الذي اصبح يتجسد في الطبقة الرأسمالية المالكة لوسائل الإنتاج.

 و يهدف المنهج الماركسي من وراء تحليل مكونات الواقع، و اكتشاف القوانين المتحكمة فيه إلى تمكين المقهورين و المستغلين بقيادة الطبقة العاملة من امتلاك الوعي اللازم للانخراط في النضال من اجل تغيير الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي و الوصول إلى تحقيق التوزيع العادل للثروة و الخدمات و القضاء على كل أشكال الظلم و القهر و الاستبداد من اجل مجتمع بلا استغلال بلا طبقات.

و لا يمكن للمنهج الماركسي أن يكون علميا إلا إذا استحضر مختلف المكونات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي ينطلق منها كمعطيات حتى يكون التحليل سليما و متكاملا و مؤديا إلى نتائج علمية صحيحة.

و بالنسبة للمجتمعات التي تعتنق الدين الإسلامي، فإن النهج الماركسي يجب أن يستحضر هذا المكون الرئيسي و الأساسي الذي يقتضي التعامل معه، و المعرفة به، و بالشروط التاريخية التي وجد فيها، و استطاعته الوصول إلى جميع القارات الخمس و استقرار الإيمان به و اتساعه وصولا إلى استغلاله لاستنهاض الشعوب المقهورة من اجل مقاومة القهر و تحقيق العدالة الاجتماعية. فاستحضار الإسلام، و اعتناق العديد من الشعوب المقهورة له في التحليل الماركسي لواقع تلك الشعوب الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي و دوره في تربية الشعوب و توجيه مسلكياتها الجماعية و الفردية. يعتبر مسألة أساسية و ضرورية ليس من منطلق محاربته كما قد يعتقد البعض كرد فعل على ما يقوم به المتنبئون الجدد في حق الماركسية، و المنهج الماركسي بل من اجل استثمار تأثيره في الشعوب الإسلامية في الاتجاه الصحيح.

و تحليل كهذا يستحضر الإسلام  و دوره في الشعوب الإسلامية لا يتناقض أبدا مع مادية المنهج الماركسي، و لا مع مثالية الإسلام. لأن التناقض في التحليل غير وارد، و لأن مثالية الإسلام تتحول إلى واقع مادي عندما يكون بعيدا من الأيديولوجية لأن الإسلام الحقيقي ليس هو الإسلام المؤدلج. فالإسلام الحقيقي  يتجسد في القيم النبيلة التي يتشبع بها الأفراد و الجماعات و أما الإسلام المؤدلج فيقف وراء قيم أخرى تدفع إلى إعلان العداء لكل ما هو مادي، و خاصة المنهج المادي لا لأنه مادي بل لأن التحليل القائم على ذلك المنهج يكشف وهم الأيديولوجية و تغذية ذلك الوهم المنتج لقيم الإرهاب التي أصبحت تنسب إلى الإسلام. و هذا التمييز يعتبر كذلك أساسيا و ضروريا لتكريس احترام الماركسية لمختلف العقائد و خاصة العقيدة الإسلامية، من اجل الخروج بخلاصات كانت ستعتبر مرجعا للدارسين الماركسيين و غيرهم، لولا وفاته قبل أن يقوم بذلك، إلا أن المنهج الماركسي لم يمنع من القيام بذلك لولا التحريف الذي أصاب المنهج الماركسي نفسه نتيجة لتحويل الماركسية إلى عقيدة جامدة.

و المطروح الآن  بالنسبة للمنهج الماركسي هو إخضاعه للتحليل بواسطة المنهج الماركسي لإزالة الشوائب التي لحقت بالماركسية، و وضع حد للجمود العقائدي الذي أصابها و من اجل الاستفادة من التطور العلمي و التقني،  و انعكاسه على تطور التشكيلة الاجتماعية لصالح تطور المنهج الماركسي، و الرؤيا الماركسية للأشياء، و للمجتمع و للدور الذي يجب أن تلعبه الماركسية.

و مراجعة المنهج الماركسي على ضوء المستجدات العلمية و التقنية سيجعله مستجيبا للحاجيات الجديدة على مستوى التحليل، و ستواصل الماركسية التعاطي مع ظاهرة العولمة بشكل إيجابي، و ستكون الخلاصات التي يتوصل إليها التحليل الماركسي متلائمة مع تطور النظام الرأسمالي العالمي، و مرشدة لعمل الماركسيين على تفكيك هذا النظام انطلاقا من قوانينه، و آلياته المكتشفة.

فالرأسمالية عندما تجدد نفسها لتطور أساليب استغلالها لتزداد سيطرتها على نسب مهمة من فوائض القيمة، نجد انه من اللازم قيام الماركسية بتجديد منهجها حتى تتمكن من القدرة على التعاطف مع الواقع الجديد للنظام الرأسمالي الذي استطاع أن يستوعب لصالحه أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية بأيديولوجيتها المختلفة و مكوناتها المتآلفة و المتناقضة، و ثقافتها المتخلفة حتى تصبح جزءا من ذلك النظام، و تعمل على تقويته. و على الماركسية أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الشكل من التطور الرأسمالي المتجدد باستمرار الذي يجب أن تقابله الماركسية المتجددة باستمرار.

و الإسلام باعتباره عقيدة و شريعة اصبح مستهدفا من قبل النظام الرأسمالي العالمي، و للمساهمة في خدمة ذلك النظام و خاصة عندما تتم ادلجته ليتحول عدوا للماركسية، و عاملا على تقويته بكل الوسائل الفكرية و العلمية التي قد تتحول إلى إرهاب مادي أو معنوي في حق الماركسيين المخلصين، و هو بذلك يتحول إلى مكون من مكونات النظام الرأسمالي العالمي النقيض الرئيسي للماركسية بأبجديتها المختلفة.

و الماركسية عندما تتعاطى مع الإسلام يجب أن تسعى إلى إحداث تناقض بين الإسلام الحقيقي و الإسلام الأيديولوجي من جهة و بينه و بين النظام الرأسمالي من جهة أخرى من اجل فك الارتباط الحاصل بفعل التأثير الرأسمالي العالمي على المسلمين، و في نفس الوقت العمل على إزالة التناقض المفتعل بين الإسلام القيمي و بين الماركسية حتى يكون ذلك بداية مد الجسور بين الإسلام و الماركسية على أساس احترام الأسس و المنطلقات الخاصة بالإسلام و الخاصة بالماركسية و العمل على إعداد الإنسان لتحقيق نفس الأهداف المؤدية إلى تحقيق كرامة الإنسان المهدورة في ظل النظام الرأسمالي و بمساهمة الإسلام الأيديولوجي الذي يظهر ممارسوه خلاف ما يضمرون فيصدق عليهم قوله تعالى " و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا و يشهد الله على ما في قلبه و هو ألذ الخصام و إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها"

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.