اخر الاخبار:
قرارات مجلس الوزراء لجلسة اليوم - الثلاثاء, 16 تشرين1/أكتوير 2018 20:10
اعلان عن ندوة حوارية في فنلندا - الثلاثاء, 16 تشرين1/أكتوير 2018 20:00
سي أن أن: السعودية تستعد للاعتراف بمقتل خاشقجي - الثلاثاء, 16 تشرين1/أكتوير 2018 10:30
قلق من تصاعد التوتر الأمني في العراق - الثلاثاء, 16 تشرين1/أكتوير 2018 10:26
انفجاران في خانقين - الإثنين, 15 تشرين1/أكتوير 2018 19:53
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

يوميات حسين الاعظمي (82)

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

حسين الاعظمي

 

لقراءة مواضيع اخرى للكاتب, اضغط هنا

يوميات حسين الاعظمي (82)

 

 

الاعظمي يتعلم السباحة

       من اوراق- دفاتري العتيقة- التي ضاعت خلال الحدثين اللذين مرَّا في حياتي واللذين مرَّ ذكرهما في حلقة سابقة، ذلك الدفتر الصغير والأثير الى نفسي الذي كنتُ وأنا في سن مبكرة أكتب فيه ما يدور من أحداث تبدو مهمة في حياتي نسبة الى أعمارنا الصغيرة زمنذاك، بل هي فعلاً، أصبحت مهمة في منظور المذكــَّرات التاريخية، سواء على مستوى المجموع أو على صعيد الفرد..! ولا بد لي من ذكر حقيقة أسباب كتابة مثل هذه الامور الحياتية وإدراك أهميتها التاريخية وأنا في سن مبكرة جداً..! كيف تم ذلك..؟ أعتقد جازماً، ان الفضل كل الفضل لأخي وشقيقي الحبيب محمد واثق، الذي علــَّمني وتعلــَّمتُ منه الكثير من شؤون الحياة رغم أنه لا يكبرني بأكثر من أربع سنوات..! الشخصية الواعية بالفطرة والدراسة، والاديب الفذ الذي يمتلك اسلوباً تعبيرياً في الكتابة يفوق التصورات، ولكن المشكلة هي أنه لا يرغب بصورة اكيدة منذ البداية، بنشر أي نتاج له سواء مقالة أو رواية أوغير ذلك..!

 

        الصورة الموجودة في حلقة موسوعتنا هذه، أقف مع أخي محمد واثق على شاطئ نهر دجلة الخالد، في المنطقة الصغيرة القريبة من بيوتنا التي كنا نسميها بالـ غَرْبـَة..! والتي كانت مكاناً مناسباً لممارسة السباحة، حيث يتجمع فيها الكثير من أبناء المنطقة للإستمتاع بهذه الرياضة الجميلة- السباحة- لخلوها من الاوساخ ونظافة أرضية ضفافها..! وطبيعي أنه من النادر أن نجد شخصاً لايعرف السباحة وبيته قريب من النهر، وهكذا هو شأن كل أبناء المناطق الذين تكون بيوتهم قريبة من أي نهر ، رجالاً ونساءاً..

 

      في هذا العمر من حياتي، الذي يبلغ العشر سنوات تقريباً، كان أخي قد أخذ على عاتقه تعليمي السباحة، وكنت لا أذهب الى الشاطئ بدونه أبداً. رغم أنني كنت شديد الرغبة بالتواجد في النهر وممارسة السباحة، بل أرغب أن أقضي ساعات اليوم كله في السباحة بالنهر، حالي كحال الاحداث في مثل عمري..!

 

        من ناحية أخرى، كانت والدتي تعيش لحظات عصيبة وقلقة للغاية عندما نذهب أنا وأخي محمد واثق الى النهر..! وغالبا ما تأتي معنا الى النهر وتبقى تراقبنا وتنتظر جالسة قرب الضفاف حتى ننهي وقت سباحتنا لهذا اليوم أو ذاك. (والدتي وخالاتي كلهن يعرفن ويجدنَ السباحة) . وكان لهذا التصرف من والدتي له أسبابه، فقد غرق شقيق لنا من قبل، لم أدركه، حيث غرق قبل أن أولد بزمن قصير، وكان بعمر إحدى عشر سنة، إسمه عبد الله، وحادثة غرقه كانت مؤثرة ومشهورة لدى الناس الاعظميين، ورغم المحاولات الكثيرة والمستمرة في إيجاد جثته الغرقى ليومين أو ثلاثة أيام، ولكن دون جدوى، إلا بعد أن حرك أحد أصحاب الزوارق الصغيرة المركونة على ضفاف النهر على بعد أمتار قليلة جداً، ظهرت جثته على سطح الماء، حيث كانت تحت الزورق..! وإنتشر الخبر بسرعة، كالنار في الهشيم، وعرف كل الاعظميين الذين غلب عليهم التأثر والأسى. وهكذا خرج الاعظميون عن بكرة أبيهم في تشييع جنازته الى مثواها الأخير في مقبرة الاعظمية القريبة من جامع الامام الاعظم أبي حنيفة النعمان إبن ثابت الكوفي. وعرفت والدتي في ذلك الوقت بـ ام عبد الله..

 

          هذا هو الواعز الفكري والنفسي لحضور والدتي معنا الى النهر عندما أذهب مع أخي للسباحة، والقلق والاضطراب الذي كانت تعيش لحظاته يومياً..!

         أن لي اخوات واخوة من والدتي ووالدي، وأنا كما يقال في العراق (بزر القـُعْدة). أي آخر العنقود..! وهو الرقم الاخير في تسلسل اخوتي واخواتي الذين فارق غالبيتهم الحياة رحمهم الله جميعاً. وحوادث وفاة بعضهم، فيها كثير من التراجيديا والدراما التي أثــَّرت في النفوس أيما تأثير..! ومن تاريخ غرق شقيقي عبد الله رحمه الله، عـُرِفـَتْ والدتي بأم عبد الله، بجانب ما كانت تنادى به بأم نجية او (أم نـَجَّوْ)..

        وهكذا نشاتُ في ظل والديـْن حزينيـْن كبيريـْن في العمر نسبة لي، أثقل الدهر عليهما من الأحزان والآلام ما يكفي لترك آثاراً عظيمة في نفوسنا جميعاً..! وتولى أخواتي واخوتي تربيتي المباشرة، فأنا صغيرهم، وانا المدلل من قبلهم، والمحبوب عندهم فوق العادة، فوالدي يكبرني بأربعةٍ وخمسين عاماً، وهو من مواليد 1898 ..! ووالدتي أقل من ذلك بأكثر من عشر سنوات..

 

         على كل حال، نترك هذه الذكريات المؤلمة، ونعود الى ذكريات الطفولة وحداثة العمر، حيث لم أزل كما قلت، أشعر بالأسى من ضياع بعض ممتلكاتي المعنوية والتاريخية والتوثيقية، فقد كنتُ أكتب في هذا الدفتر الصغير أشياء كثيرة، منها عندما تعلـَّمت السباحة، وإطمئنان أخي على معرفتي لذلك، بحيث بدأتُ أذهب مع أبناء المحلـَّة، وبعدئذ بدأتُ أصطحب أبناء شقيقتي الى النهر مع أخي محمد واثق أو بدونه، حتى تعلـَّموا السباحة أيضً ..!

       بعد أن قوي عودي في هذه الفترة من حداثة سني، وأنا أمارس السباحة مع زملائي أغلب أوقات النهار. الأمر الذي إنطوى على إمتلاكي اللياقة البدنية العالية والنـَفـَس الطويل في السباحة (المطاولة) . وقد كنت مع البعض من زملائي، غالباً ما نعبر يومياً الى الضفة الثانية من النهر– جهة الكاظمية من النهر- ذهاباً وإياباً..!  علماً أن عـُرْض النهر في منطقتنا، وهي المنطقة القريبة من جسر الائمة، كبيرة نسبياً الى عـُرْض النهر في أمكنة اخرى، حيث تصل الى أكثر من اربعمئة متر، فضلاً عن عمق الارض الكبير وسط النهر في هذه المنطقة العريضة، الذي يجري ماؤه بسرعة قوية من الصعب مجاراتها بطبيعة عـرض النهر وعمق الارض والمياه العالية. وكنا كزملاء نتسابق فيما بيننا في العبور الى الضفة الثانية في تقليص المسافة التي يأخذنا فيها الماء الجاري معه عدة أمتار في جانب تيار الماء الجاري عند وصولنا الى الضفة الثانية، فمنهم من يصل الى الضفة وقد أخذه الماء مسافة تقدر بمئاة الامتار..! وبعضهم أقل من ذلك، كلٌ حسب إمكانيته ولياقته البدنية ونـَفـَسه الطويل (المطاولة)..! وبصراحة كنت أكثرهم تحديـَّـاً وإصراراً على أن لا يأخذني الماء بعيداً، حتى وصل الأمر الى ذروته، بحيث إستطعت أن أعبر الى الضفة الثانية دون أن يأخذني الماء حتى متراً واحداً..! تأمل عزيزي القارئ..! أي أنني أصل بصورة مستقيمة تماماً الى الجهة المقابلة..

 

        وأتذكر مرَّة، أن بعض الاصدقاء كان لا يصدق ذلك، فذهبنا مجموعة من الاصدقاء الى الجهة المقابلة بواسطة الزورق لنلعب كرة القدم هناك في ساحة نادي الكاظمية الرياضي الكائن على ضفة النهر مباشرة. وعندما إنتهينا من اللعب، هَـمَّ الجميع الى الزورق للمغادرة والعودة الى ضفتنا، فامتنعتُ أنا من الصعود الى الزورق، وفضلت السباحة رغم أنني متعب نسبياً من جراء لعب كرة القدم معهم، كي أثبت لبعض الاصدقاء ممن كان لا يصدق أنني أعبر بصورة مستقيمة لا يأخذني الماء، وهكذا كانت المفاجئة بالنسبة لهم، فقد انحدروا بزورقهم واخذهم جريان الماء الى مسافة بعيدة تصل الى اكثر من مئتي متر ليصلوا الى ضفة النهر المقابلة في الاعظمية، في حين وصلت أنا دون أي إنحدار يذكر، وسط دهشة واعجاب الاصدقاء بهذه الامكانية من المطاولة في السباحة..! وهذا يعني كم يتطلب مني لياقة ونـَـفـَساً طويلاً وعميقاً كي أستطيع السباحة المستمرة وأنا واضعاً جسمي بصورة جانبية دائمية في سباحتي خلال العبور..!؟ أي أنني أقاوم إنحدار الماء باستمرار طيلة السباحة دون توقف طبعاً.  وهو ما كان يعرف بيننا بـ (الكصاصة) أي السباحة وقص الماء الجاري للنهر بصورة عكسية أو شبه ذلك بوضع الجسم عند السباحة بصورة جانبية..! ولم أشاهد أي من الزملاء يفعل ذلك غير أثنين فقط، هما قريبي الخطاط الشهير مقداد شاكر الشيخلي (هامش1) وجارنا المرحوم هاشم. اللذان يكبراني باربعة سنوات تقريبا. ولكنهما كانا عندما يعبران، يأخذهما الماء بعيداً وهما على وشك الوصول الى الشاطئ، ولكنهما لا يتوقفان ويستمران بالسباحة، إذ يصبحا في وضع معاكس تماماً لمجرى الماء وهما على مقربة من ضفة النهر حيث يكون جريان الماء في مثل هذه المنطقة القريبة من الضفاف أقل سرعة وأسهل مما لو كانت السباحة عكس الماء وسط النهر.. وهذا يعني أن لهما لياقة بدنية فائقة. أما العبور من جهة الى الجهة الاخرى دون إنحدار يذكر والوصول بصورة مستقيمة بين الجهتين، فهذا أمر أعتقد أن فيه لياقة بدنية عالية وقوة بدنية وشجاعة وتحدي وإصرار في الانجاز استطعت لوحدي ان اقوم به..! 

 

        في نفس المرحلة، كنا جميعاً كأبناء محلـَّة واحدة ، نلعب كرة القدم، حين أسَّسنا فريقاً بعد أن إتفقنا على جمع تكاليف الفريق من يومياتنا النقدية التي كنا نأخذها من أهلنا، وهي بسيطة بالتأكيد ، ثم تطور الأمر الى إتفاقنا مع فرق اخرى للعب معها ، وكنت أذكر وأدوِّن في ذلك الدفتر الصغير الذي ضاع مني، نتائج المباريات وأسماء لاعبي فريقنا وفريق الخصم ومن الذي إستطاع التهديف وغير ذلك من تفاصيل، وقد اشتهر من بيننا على الصعيد الرسمي كلاعب كروي دولي في المنتخب الوطني، واحدا فقط هو اللاعب الكبير احمد صبحي..! صديق الفتوَّة والشباب. حيث كان يلعب في فريق (الاندلس) الواقع بزقاق عريض يسمى (الجلبية) المتصل بشارع الجرداغ ، وهو قريب من ازقتنا . وأتذكر أيضاً أنني أسميت أول فريق لنا بـ (فريق الانطلاق). الذي ضم أبناء المحلــَّة القريبين لبعضهم البعض في سكناهم، ثم بدأتُ ألعب مع بعض الفرق المجاورة الاخرى، كفريق خالد ابن الوليد وغيره ، وكان زملائي يرشحونني أن أكون قائداً للفريق في كل مباراة ، حيث كنتُ من أكبرهم سنــَّاً..

           من المصادفة الجميلة ، أن يكون أحد الساكنين في منطقتنا، جارنا الاديب الصحفي المرحوم خضر الولي، الذي كان يشجعنا وينشر بعض أخبار وصور الفريق أو نبذة عن الفريق، في الصحف الرياضية اليومية التي كانت تصدر في ذلك الوقت، وأتذكر جيداً، يوم شاهدتُ إسمي منشور لأول مرَّة في جريدة الملعب أو الملاعب، لا أتذكر الاسم بالضبط، المهم أنها جريدة رياضية، مع بقية أسماء الفريق الذي أسميناه (فريق الانطلاق). بل وصل الأمر الى نشر صورتي وصور بعض الاصدقاء في زاوية أصدقاء للمراسلة في أكثر من مجلة عراقية وعربية منذ عام 1966 وبعد ذلك في مجلة الأحد اللبنانية عام 1968 حيث أصبحت أعمارنا تقترب من بلوغ سن الرشد. ومن خلال هذا النشر الذي كان غايته التعارف، وصلتني أول رسالة بريدية في حياتي عام 1966 وكانت من أحد الاصدقاء السعوديين،  وتسعفني الذاكرة أن أتذكر أسمه جيداً، وأعتقد محمد علي احمد أكبر أو يقترب من هذا الاسم. وكانت في وقتها لحظة مثيرة وأنا أسمع المرحوم والدي وهو يناديني ويخرج من جيبه ظرفاً ويسلــِّمني إيـَّاه قائلاً- وصلك هذا المكتوب اليوم– ..! والحقيقة كانت المفاجأة كبيرة والفرحة كذلك بالنسبة لي، وأنا أشعر أنني أصبحت صديقاً لأول مرَّة لأحد إخوتي العرب، أو أصبح ذلك الشاب السعودي أول من يتصل بي عن طريق المراسلة..! والأكثر من ذلك، الشعور المعنوي بأنني أصبحت كبيراً في العمر تجاوزت الحداثة، واصبحت مُهـِمَّاً بحيث تصـلني رسالة من الخارج..!

 

       على الإجمال، إن بعض الصور أخذت في 1966 واقفاً على شاطئ نهرنا الخالد دجلة الخير، وأنا مرتدياً ملابس الفريق، وفي إحداها يظهر من بعيد جسر الائمة الذي افتتح عام 1957 ليوصل بين مـــدينتي الاعظمية والكاظمية..

 

        والصورة الاخرى عندما كنا نلعب في الحدائق المقابلة لمقبرة المغفور لهم ملوك العراق رحمهم الله جميعاً.  الكائنة وسط مدينة الاعظمية . وأتذكر بعض الأسماء الآن، كطارق سعدان واحمد عبد الجليل النعيمي وحسين جاسم الوجعان وثامر جميل حوالة ومنهم من رافقني الى نادي الاعظمية الرياضي بعدئذ لممارسة رياضة المصارعة الحرة والرومانية وأصبحوا أبطالاً فيها كخضير عباس ورعد مصطفى الخزرجي ووليد حسن الحيالي..

 

وللذكرى أثر عميق

 

هامش

هامش1: مقداد الخطاط: خطاط كبير، تعلمت على يديه قواعد الخط العربي، وكنا في عقد الستينات من القرن الماضي قد عشنا في بيت واحد ردحا من الزمن ، لاننا اقرباء. وقد وصل الامر الى انني ختمت على يديه كراسة الخطاط الكبير هاشم البغدادي القيسي وانا لم ابلغ سن الرشد بعد..! آملا ان يكون استاذي مقداد الشيخلي يقرأ هذه الاسطر ويعلق عليها..!

 

 

حسين الاعظمي مع شقيقه الاكبر محمد واثق عندما

كان يعـلمه السباحة ، والصورة مؤرخة عام 1962

 

 

حسين الاعظمي في شهر آب عام 1997 ، في مسبح الفندق بمنطقة الشوف بجبال لبنان ، ايام مهرجان بيت الدين ، وقد ظهر خلفه جالسا عازف الايقاع الشهير سامي عبد الاحد الذي كان لا يجيد السباحة ..!

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.