اخر الاخبار:
15 داعشيا كويتيا محاصرون في إدلب - السبت, 22 أيلول/سبتمبر 2018 18:45
رئيس البرلمان العراقي يصل إلى أربيل - السبت, 22 أيلول/سبتمبر 2018 18:35
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

قراءة في قصيدة (شــبيه الماء) للشاعرة السـورية ميساء زيدان// د. رحيـم الغرباوي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

 د. رحيـم الغرباوي 

 

قراءة في قصيدة (شــبيه الماء) للشاعرة السـورية ميساء زيدان

د. رحيـم الغرباوي

 

     إنَّ نظرية الأدب بوصفها مستنبطة من أحضان الفلسفة الإغريقية, وعلم الجمال الكلاسيكي (كانت– كروتشه) , إذ نراها لم تتخلص من النظرة المثالية والنزعة الفلسفية؛ لذا فاهتمامها بالنزعة الأنطولوجية لم يمنحها السعة في قراءة النصوص الأدبية التي هي محض حقائق ماكثة خلف كيان النص من خلال النص ذاته, والذي جاء في طروحات رولان بارت, وقبله دوسوسير  مؤكدين على نظام العلامات، فالنصوص الأدبية لديهما تُدرَس على أنَّها عمل يجمع بين نظامين هما: النظام اللغوي والنظام الأدبي, بوصف النص بنية دالَّة, أوهو عبارة عن نظام سيميائي, أو منظومة رمزية بالدرجة الأولى قبل كلِّ شيء (1), ولما كان النص الشعري هو ترتيلة روح تخفق لواقع, لكنها تصدر من عالمٍ جواني معتَّق بغضارة الأحاسيس التي تضم في ثناياها حقائق كونية غاية في الانتظام, لايستوعب مداركها خيال, كونها تفيض وتمنح ما يختلج به القلب وما تشتعل به المخيلة؛ لترسم صورة الحقيقة الكامنة في نشيد من الكلمات؛ لتؤطر رسالة مرسلها كدهشة أو طرافة يفتتن بها سامعها أو متلقيها, هكذا هو جوهر الشعر وحقيقته الفارقة.

 

  ويبدو أنَّ الشاعرة ميساء زيدان, وهي تترنم بأشعارها التي تمثل قدرتها للإتيان بفرائد جودها مطرزة بذلك ما يملي عليها لا وعيها عن حقيقة الوجود في فضائيه الداخلي والكوني عن طريق لا وعي كلٍّ مِنَّا , وهو يسوح في عوالمه التي ضمَّت  الوجود خارج نطاق الزمن, لذا قيل أنَّ زمن القصيدة هو ليس زمناً ميقاتياً, إنما هو زمن وجودي يعتاش على توحد ثلاث لحظات, هي: اللحظة الماضية والآنية والمستقبلية , وقد أطلق عليها سانتيانا بــ( اللحظة الكلية).

 

    والشاعرة تؤطر لنا بقصيدتها (شبيه الماء) التي أهدتها لأمها تنويعات من التعابير التي مثَّلت شعورها الدافق تجاه الأمومة, إذ شبَّهتْ أمها بالماء, والماء هو أصل الأشياء, وإنه أصل الحياة كما جاء بالكتب السماوية, إذ قال سبحانه وتعالى: (وجَعلْنا مِنَ الماءِ كلَّ شيءٍ حي) (2) , وقوله تعالى (وكان عرشُهُ على الماء ليبلوكُم أيّكم أحسن عملاً) (3) , وذكرت كتب التراث: إنَّ الله خلق الشيء الذي جميع الأشياء منه, وهو الماء (4).

إذ نجد شاعرتنا تقول :

 بقلبٍ شَبيهِ الماءِ

أنقى منَ النَّقا ,

و كَفّينِ ، عُصْفورَينِ

للهِ حَلَّقا .

 

    فالماء يتسم بأنه أصل الأشياء, وهو أنقى ما في الكون بدلالة أنه يطهر الأنجاس والأدران. بينما العصفور يمثل البراءة, فشبهت الشاعرة كفي أمها من حيث تلك البراءة بعصفورين, ولابد لهما من تحقيق الأمنية؛ كونهما تصلان بأجنحة الشفاعة, ففي الحديث الشريف: (مَنْ قبَّلَ ولدهُ كتب الله له حسنة، ومن فرَّحه فرَّحهُ الله يوم القيامة) وورد أيضاً: (إنَّ الله ليرحم العبد لشدَّة حبِّه لولده) (5), وهذا ما أباحت به شاعرتنا في قبول الدعاء من أمها, وهي ترفع كفَّيها إلى السماء.

 

   ويبدو أن الشاعرة تعيش الاغتراب النفسي وربما المكاني الذي يسبب للنفس انكسارها, ولعله محنة الوطن الجريح الذي مابرح تهتك به شتى ضروب المحن, فهي تقول:

 دُعاؤكِ أمّي

كلَّما قلتِ : يا ميسا ,  

أرى

به غربتي أودى

و ليْلِيَ مُشْرِقا ..

 بَعُدتُ

و بَعْضُ البُعْدِ لا شَكَّ مُعدِمٌ

فيا ليتَ عَوْدٌ

كيْ أعُودَ فأُخْلَقا  .

. ..

هُنَيْهَةَ

كُلّ الكونِ , أمّاهُ  يَشْتَكي

لِمَا في دمي

من أزْرَقٍ ليسَ أزرقا ..

 

    فهي ترى ليس من شفيع لها سوى بارئها من خلال دعوات أمها الصالحة, فغربتها تصبح أنساً, وليلها يعشي مشرقاً بفضل هذا الدعاء، كما أنها ترى في البعد ولعله بعد المكان يكون مُعدِما؛ كونها لم تنل ماترجوه من حلمها المضاع متمنيةً العود الذي يحقق لها العودة إلى أيامها السعيدة بقرب من تتوق لقربه, ويمكن أن نقرأ ذلك على اجترار نقاء الدعاء في الأسطر الأولى أنَّ شاعرتنا تنافح؛ من أجل عودتها إلى عالم الفطرة, ذلك العالم الذي لم تلوثه أصابع الإثم الذي طال أراضينا المليئة بالمقدسات.

 

      أما زرقة الدم، لعله ما ينتابها من رهانات فهو كلدغات الأفاعي, إشارة إلى لون جسدها الذي أثخنته جراح الحروب مومئة إلى بلدها سوريا تلك البقعة التي عمَّدها الله بكنائسه ومساجده وأضرحة أوليائه الصالحين, ولابد يوما أن تتعافى ودمها يعود نقياً طاهراً بطهارة مقدساتها. ثم تميل إلينا بالتفاتة نعتقدها تورق بالبشارة حينما تذكر الحب ذلك الأمل المتجلي في حنايا الصدور, فهي تقول:

هو الحبّ

أن نحْيا بغير أصابع

و أن تنبتِ الكفّانِ فُلًّاً و زَنْبَقا ..

 هو الحبّ ،

أنْ نفنى على الأرض سُجّدا ً

لمن في الدُّنا ما غَيرُه يُدرِك البقا ..

 وليتَ شفاهي

منكِ تَكْفيهِا قُبلةٌ

ليَعشَوْشَب الخدّان

مِن دونِما سِقا

   

 

إذا نرى ما يسلي الشاعره, وهو الحب الذي يجعلها تحيا من دون عمل بوصف الأصبع هو الفعال وهو المُنجز والمريد, تذكرِّنا بقول الشاعر:

ضعيف العصا بادي العروق ترى له    عليها إذا ما أجدبَ الناس اصبعا

   فالأصبع مجاز مرسل علاقته السببية, فهو سبب للوفرة والعطاء. فالحب لدى الشاعرة هو من يمنح الوفرة  والعطاء, لكن إذا ما نمت في الكف أصابع تحول الخير أضعافاً, فينبت الفل والزنبق؛ إشارة إلى الغنى. ثم الحب لدى الشاعرة هو من يجعل الإنسان خالداً حين يموت وهو ساجد, والسجود يمثل إنسانية الإنسان وهو يعبد خالقه, أما تضحيته وهو ساجد فيمثل ذلك الشهادة في سبيل المبادئ السامية؛ لذلك لابدَّ أن يخلد بفعله الرشيد. ونراها لاتنفك من الإشارة إلى أمها التي ترى في تقبيلها برِّها؛ بوصف الأم هي أصل المنبت والوجود التي لولاها ما دامت الحياة؛ لأنها تمثل نبع الحب وملاذه الأول, ثم تشير الشاعرة إلى حب آخر هو الرجل الذي يكسو الحياة بهاءها, وقد شخصت وجهة بلده, فهو من أرضٍ قامت بها أول حضارة على وجه البسيطة, وانبثقت أول ملحمة إنسانية منه, هي ملحمة كلكامش؛ لتومئ إلى ما تضمنته تلك الملحمة من معاني الوفاء والبطولة والإقدام والخلود الذي صنعته الأعمال الصالحة كما أشرنا آنفاً . فهي تقول:

أقولُ: أيا أمّي ,

أحبّ وأشتكي

حبيباً بعيدَ الأهلِ ، والصحبِ، واللقا

عراقيّ يشفي القلبَ

يكفيني إن أتى، أعيشُ بسعدٍ

منه شوق تموسقا

أقولُها: أمّي، وليتكِ في دمي

وليت الذي في القلبِ

يحكي لِمَ انتقى..؟

حبيبي ... بأوصالي يبيتُ

مُصالحاً ،

وشعري , وأحلامي , 

وصبري , وما آرتقى

بقلبٍ شبيهِ الماءِ كنتَ ولم تزلْ

حبيبي ونبراسي

وأنقى من النقا

 

   لذا فالشاعرة ربطت الحبيب أيضاً بالماء, فهو مازال حبيباً ونبراساً! ولما كانت الشاعرة من بلاد الشام, وإنَّ الشام و العراق اليوم هما الهدف الذي ما زالت الأطماع الإمبريالية والاستعمارية توجه لهما أعتى المؤامرات لكنهما يظلان في تحدٍّ دائب لتلك المؤامرات الرخيصة؛ لما لهما من عمق تأريخي ووحدة جسدية يضمهما الفرات بين جنحيه, لذلك آثرت الشاعرة إلا أن تنتقي الحبيب من بلدٍ يعاني المعاناة نفسها ويتحدى التحديات الكبرى للعدو ذاته, فالمصير والجسد والقضية واحدة, فأتت القصيدة تعالج موضوعاً ارتبط بقيم السماء, كون أرضنا المقدسة اليوم بحاجة إلى دعاء نقي طاهر وصلوات مكللة بروح الجهاد , لتبقى بلداننا العربية حرَّة موحدة.

 

تحياتي للشاعرة ميساء زيدان وإلى مزيد من الإبداع والتألق.

 

(1)    ينظر : نظرية النص ، د. حسين الخمري : 22- 23.

(2)    سورة الأنبياء : 30

(3)    سورة هود : 7

(4)    ينظر : عجائب الملكوت , عبد الله الزاهد : 8

(5)    الكافي , الكليني : ج6 ص 50

أضف تعليق


للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.