اخر الاخبار:
العراق يوجه ضربة جوية داخل الاراضي السورية - الثلاثاء, 11 كانون1/ديسمبر 2018 18:41
حركة "السترات الصفراء" ترد على قرارات ماكرون - الثلاثاء, 11 كانون1/ديسمبر 2018 18:36
انهيار جزء من قلعة أربيل التاريخية في العراق - الثلاثاء, 11 كانون1/ديسمبر 2018 11:07
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

قراءة في قصيدة (بريق الذهب) للشاعرة فاطمة منصور// د. رحيم الغرباوي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. رحيم الغرباوي

 رفيفٌ من رشاقة الشكل وغنى المعنى,

قراءة في قصيدة (بريق الذهب) للشاعرة فاطمة منصور

د. رحيم الغرباوي

 

     يبدو أن الجمال في الشعر هو البوابة التي تنفذ من طريقها الفكرة إلى المتلقي, إذ أنَّ ماهيَّة الجمال حسب (باومجارتن)  "تشير إلى الخبرة الحسية التي تبحث عن الحقائق وهي تنضوي خلف ظواهر النتاج الفني والتي تحاكي الموضوعات الطبيعية، إلا أنَّ الصورة المرئية المنعكسة للنتاج لاتقتصر على إعادة إنتاج مضمون الشكل المرئي الواقعي؛ لأنَّ المضمون الفني انطلق من فردية ترفض التوحد , وتعلن دلالة الرفض عمَّا كان عليه سابقاً" (1) ؛ لذا نجد تناسقا بين مقاييس الطبيعة وتجربة الفنان مع البنى الفكرية التي يؤطرها بأزياء جديدة من خلال تجاربه الفنية والثقافية ؛ ليُظهر لنا من مخاضه الإبداعي إبداعاً؛ يجعله يؤثر في فعل الوعي الجمالي للمتلقي , فيحيلهُ إلى تأمل وغايات كامنة حين النظر إلى العالم وبرؤية عميقة له وللأشياء التي هي ماثلة عيانيا في النص الذي لايخضع لقوانين الطبيعة، وإنما ينبثق عن أسلوب جديد في بناء وتشكيل العالم فنياً حسبما يقتضيه الموقف الشعري, فهو يتعامل مع الواقع بروح أخرى تمثل اللطافة والرقي والانشراح بأسلوبه المغاير لصورة الواقع.

 

   ويسيح الشاعر في عالمه الجواني المتمثل في المتراكم الثقافي من خزائن وعيه ولا وعيه؛ ليبوح بنفائس ما علق منها فيما ظهر وما بطن؛ لينسج لنا نصاً مستحدث البناء؛ ويصوغ لنا عقداً معرفياً بسلسلته الجديدة؛ تجعلنا نتمعن به؛ ونختلج مع خلجات أنفاسه التي زاولت الجدة والطرافة بجلال الصور وهيبة قوامها لدى كثير من شعرائنا الذين تمرسوا في عالمهم المختلف في صيرورته عن صيرورة الواقع؛ لما لجمال النصوص المقدمة من تأثير على شعور المتلقي والتطواف به إلى حيث تكمن الحقيقة وبألوان تكاد تكون مبهرة بطرافتها وحسن تقديمها.

 

    والشاعرة اللبنانية فاطمة منصور واحدة من الشاعرات اللاتي مهرنَ في استجلاب الفكرة وإكسائها بحلية الأسلوب؛ لما لها من قدرة في إبراق المعاني من اللامرئي إلى المرئي, ومن الواقعي إلى المثالي الذي تظل النفس الإنسانية تتوق إليه وتتشوق إلى تمامه وكماله , فنجدها في قصيدتها (بريق الذهب) التي تقول فيها:

أيَّتُها السماء ظلِّلي الغطاء ,

امطري رذاذاً من بريق الذهب

يسوع توسَّمت به الأرض

رسمتْ وجهها وديانا وريحاناً

فتحَ أطواراً في الأفلاك !

رنَّةُ الأجراس

خضرةٌ

كواعبُ

ومفاتن .

 

   تناجي السماء, والسماء هي من رموز المقدس التي يستبشر بها الإنسان دائماً خيراً, إذ يرى الفيلسوف (كانت): "إنَّ باستطاعة الجليل أنْ يكون تجربة تبعث السرور في النفس" (2) ؛ لذلك تطلبُ منها أنْ تظلِّل الغطاء وتمطر رذاذا من بريق الذهب, والذهب هو أحلى ما يكون في نفس المرأة جمالاً ونفاسةً، ويبدو أنَّها صنعتْ حجاباً أو حاجزاً، إشارة منها أنها تعيش حالةً من الكبت الروحي والاغتراب الوجودي؛ فنراها تتوق كما يتوق المتصوف إلى بارئه؛ لينعشه بالسخاء. ولعلَّ يسوع هو الآخر من رموز المقدس الذي يمثل الخير العميم لبني البشر, فرسالته عن ملكوت الله, هي دعوة الجنس البشري إلى السلام والعدالة والحرية والحياة (3), فلا خضرة ولا كواعب يحتفين بأنوثتهن ولا مفاتن تنعش الإنسان ما لم تتحقق ما تتطلع إليه شاعرتنا وبنو الإنسان في كل مكان, ثم تكشف عن حقيقة أخرى في قولها:

 تزحزحت الخطيئةُ

تيبَّستْ في تراتيل يسوع

تنازعتْ مع العطاس

يكبر الكون

تتمدَّد الأرض

تتنافر أقطاب الخطيئة

تتلملم خجلاً وراء الأفراح والمُهج

تحلُّ السكينة

والاستغفار يرنو إلى وقت المخاض !

 

  فيسوع المسيح هو من ضحى في سبيل طرح الخطيئة وزحزحتها من كاهل البشر بعدما حمَّلها لهم أبوهم آدم كما يراه معتنقوا الديانة المسيحية، وما تراتيل يسوع إلا وسيلة تعانق السماء؛ كي يندى وجه الأرض ذهباً بالبشارة, بينما تتيبس الخطيئة وتتنافر أقطابها، وتتلملم خجلاً بعدما تحلُّ السكينة, بينما الاستغفار يرنو لحال صاحبه حيث يعود يسوع بالبشارة, فتُملأ الأرض بالحياة وتزدهر بتحقيق الأماني المُترَفة بالحب والجمال.

 

   ولعل الشاعرة استعملت الأفعال (تزحزحت، تيبست, تنازعت, يكبر, تتمدد, تتنافر, تتلملم, تحلُّ) فهي جميعها تدل على الحركة الدائبة والسريعة بالزمنين الماضي والحاضر؛ لتدل على نهاية المدنس الذي تطمع إلى الخلاص منه, والزمن الشعري هو زمن وجودي بوصف الشعر هو تعبير عن حياة راهنة دفعت صاحبه أنْ يلهجة للخلاص من الواقع المأزوم، أو التعبير عن حالة تعج بها نفسه, لكن المتفائل منهم يفتح لمتلقيه نافذة الأمل, بينما المتشائم يجعل المستقبل سوداوي الرؤية, وذلك بإشاعة ضبابيتها؛ يدلل ذلك إن شاعرتنا جعلت من الاستغفار في انتظار تمام وقت المخاض, ثمَّ بعد ذلك:

تولد سيدة الأرض ,

وتعزف الملائكةُ لحنَ الآلهة

يُلبِسُ الدنيا ثوباً أبيض

ويخلع من الأرواح المُقنَّعة بالسواد

بلغَ الهناءُ البسيطةَ .

 

     ويبدو أنَّ الشاعرة تومئ بسيدة الأرض إلى الأسطورة العراقية عشتار فهي  إلهة الخصب وهي من تمثل لديهم الربيع الدائم الخضرة, ولما كانت الأسطورة "تطفح بهاجس الشعور بالمسؤولية، ممثَّلةً بصحوة الضمير الإنساني في القصيدة العربية وحمل رسالتها التي تناصر الحق, وتزهق الباطل، وما ذلك إلا موجب من موجبات القصيدة التي حملت سرَّ النبوءة مبشِّرة بأمل في الخلاص أو مُنذرة بشؤم يُخشى عقباه" (4) استعملها الشاعر للتعبير عن قضاياه الكبرى التي يكتب الشعر من أجلها , فالمرأة عشتار هي من حققت الحياة في حضارة بلاد وادي الرافدين, ولربما تشير شاعرتُنا بالمرأة إلى ترافة الحياة ونعمتها, وهي الشريك الأساس؛ لإقامة دعائم السعادة في الحياة, أوهي الصورة المشرقة لوجه الحياة وديمومتها الخالدة، أما الملائكة, فيمثلون رسل السماء للأرض, وهم رمز النقاء والصوت السابغ بالحب والأمل وراحة البال؛ لذلك استعملت الشاعرة رمز النقاء بصورة الملائكة, فضلا عن رمزية اللون الأبيض الذي يسود الدنيا بفعل بلوغ الهناء البسيطة، أما السواد فسوف يُخلع من الأرواح التي تقنَّعتْ به بدلالة تأكيد حالة الفرح والسرور.

 

    ويبدو أنَّ الشاعرة تتنبأ بحياة سعيدة ستعم العالم لاسيما الأرض العربية بعد مخاضها العسير الذي عاشت صراعاتها المتجهمة بالعسف والبؤس والشقاء في واقع أملته عليها الأطماع الخارجية في تفتيت وحدة الصف العربي وتمزيق لحمته, فالشاعرة آثرت إلا أن تستنجد بالسماء فهي مصدر التغيير بعدما عمَّ المدنس البسيطة، كما نراها ترى بعين الرقيب أنَّ الأرض ستنعم بلطائف الخير والسعادة، إذ رجَّحت لنا ذلك الشاعرة وهي تنظر بعين البصيرة لمستقبل العالم من خلال رموز المقدس التي مثلت صورة الانبعاث شأنها شأن الشعراء التموزيين الذين أضفوا على الشعر مقامات إبداعية رائدة، وقد حذت حذوهم في اقتفاء طريقة الأسلوب الرمزي ومنهجه الذي يمنح المتلقي قراءات تنتج للنص دلالاته المتعددة التأويلات. 

 

(1)    الوعي الجمالي , هيلا شهيد : 225

(2)    علم الجمال عند الفيلسوف كانت , د. دوغلاس بهنام : 44.

(3)    ينظر اللاهوت المسيحي نشأته وطبيعته , د. أنمار أحمد محمد : 224

(4)    النبوءة في الشعر العربي الحديث دراسة ظاهراتية , د. رحيم الغرباوي : 249

 

أضف تعليق


للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.