اخر الاخبار:
العراق يوجه ضربة جوية داخل الاراضي السورية - الثلاثاء, 11 كانون1/ديسمبر 2018 18:41
حركة "السترات الصفراء" ترد على قرارات ماكرون - الثلاثاء, 11 كانون1/ديسمبر 2018 18:36
انهيار جزء من قلعة أربيل التاريخية في العراق - الثلاثاء, 11 كانون1/ديسمبر 2018 11:07
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

الرؤيا الاستشرافية في أشعار المتألقة السورية ليندا عبد الباقي// د. رحيم الغرباوي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. رحيم الغرباوي

 

 

الرؤيا الاستشرافية في أشعار المتألقة السورية

ليندا عبد الباقي

د. رحيم الغرباوي

 

    الشعر هو نغمة روحية كامنة داخل الوجدان البشري, وهي من أروع نماذج السمو البشري، ومن أغنى اللوحات التي ترصد منبع النور والصفاء داخل أعماق الوجود والوجدان البشريين، فيغدو الشعر وسيلة استبطان واستخراج ما في الداخل لحقائق هاجعة منذ الأزل، إذ لايمكن القبض عليها بلغة عالية البيان ولايتأتى ذلك إلا من خلال التسامي الأثيري بوصف الحالة الشعرية تمثل بؤرة النور في الوجود الإنساني عندما ينصهر الشاعر بالجوهر الحقيقي لذلك النور (1).

 

   واللغة الشعرية هي لغة هلامية قادرة على أنْ تتطوى؛ لتحمل على رفيف أجنحتها تلك النغمة، ولما كانت الأساليب العالية السمو من فالفنون البيانية والتناصات بأنواعها والرموز هي من تمثل الوسائل التي يمكن توظَّيفها في تلك اللغة للقبض على تلك النغمة الكامنة في الأعماق؛ لذا يظل الشاعر وجه من وجوه تمثيل بلاغة العرب المميزة.

 

   ويبدو أنَّ هذا التسامي في لغة الشعر "منبعه التقاء الوعي المعاصر بالأشياء ومعاناة التجربة، فأصبح الفنان الشاعر في هذه الرؤيا يؤلف حضورا في زمان ومكان العالم, كما يشكل هذه الإمكانية في ذاته، فيصير ذاتاً وموضوعاً في آنٍ واحد" (2)؛ لأن النص الشعري لايعطينا صورته الفنية من دون عوالم الشاعر الرؤيوية المستبطنة والموضوع الخارجي (الحدث) "وهو ينمو، واللغة وهي تعكس , والأسلوب وهو يميِّز الطريقة في آنٍ واحد" (3) ،

 

    والشعراء لهم ثقافتهم الخاصة في وعيهم، وتراكمات مستحصلة في لاوعيهم  ادخرتها لهم ذاكرة الأجيال كما يرى كارل يونج، فهي الأخرى من تمدَّهم بمعطياتها، فنراهم يتوحدون مع الأسطورة والكون والتاريخ وحركة الحياة؛ ليؤسسوا منعطفاً تربويا وأخلاقيا؛ أو رفضاً وتمردا على واقعهم؛ لذا "تكون أقوالهم كالرياح تفتح المصاريع المغلقة على الرؤى والتجارب... والبطولات" (4)، أو للدفاع عن حاضر أو وعيٍ بقضية لكنها تقدَّم بجمالية المبنى وسرمدية المعنى؛ لأن عالم الشعري هو عالم الالتفاتة والدهشة والحضور المميَّز.

 

   والشاعرة السورية ليندا عبد الباقي من الشاعرات العربيات اللاتي حملن هموم الإنسان ونادين هازجات بغصون السلام, فأورقت كتاباتها نبضاً شعرياً مؤسساً لدنيا الأمل، وسراجاً للمحبة بعيداً عن غوائل الشؤم وإراقة عطور الإنسانية وسفك بهائها الأصيل.

 

   ويبدو أنَّ الشاعرة تسرد قصة المواطن والوطن الصامد الجريح وهو يعزف سمفونية التحدي، تُصوِّر ذلك, وهي تروي حكايته بصوت المرأة (الوطن) والحبيب (المواطن) فنراها تؤثر على العتمة الضوء ، وعلى الحرائق العطر...  تقول:

تتباهى بالضوء

ولاتهزم العتمة

تتباهى بالعطر

ودخان الحرائق

تعصف بحلمك المؤجَّل

على ناصية الأماني

تتباهى بسطور

سرقها الموج

بعد أن هشَّمتها الرمال .

   فهي تلمِّح للواقع الذي أناخت كلاكل مآسيه بأرض الوطن، فأدمت أحلام أهله المؤجلة الأماني، مومئة إلى هجرة الملايين من أبناء وطنها، والآلاف ممن أخذهم الموج سارقاً منهم زهور حياتهم، فما غدت آثار أمانيهم إلا طعماً لمنعرجات تلك الرمال. وهي تقول:

على شواطيء غفلتك

وأنت مترامٍ

على أعتاب الوجد

تلمُّ أشلاء الذكرى

وتستجدي الآه ؛

لتصفعك ؛

لتمسح عن مرآة وجهك

غبار الإنتظار

أصابعك الهشة

تمسك بثوب الفرح ؛

لتعبر سماء الحزن .

 

   على الرغم من أنَّها تعيش حالة القلق لكنها في الوقت ذاته نجدها تمنح أبناء وطنها صورة الأمل الآتي؛ مما منحت النص مفارقة ضدية بين لملمت أشلاء الذكرى, وضياعها في زحمة الرمال، وبين التمسك بثوب الفرح رغم هشاشة الأصابع وعبور سماء الحزن، فهي تلمِّح للأمل الآتي دون أن تذكر الواقع الذي تتحدث به وسائل الإعلام، بينما تبرق لنا كيف أنَّ الوطن يضمر لأبنائه على الرغم من جراحه ما ستكون الحياة في المستقبل، وما مسح غبار الانتظار إلا صورة نبوءة تستشرفها الشاعرة في عودة الحبيب لأحضان الحبيبة (الوطن), فالشاعرة فيما يبدو يمكنها رؤية الحقائق من خلال قراءة الواقع تلك الحقائق الماثلة في العوالم الغيبية إذ "لايمكن إدراكها إلا برؤيا منضبطة هي ليست رؤيا الحلم والجنون وإنما بحذق البصيرة التي تمتلك طاقات فوق قدرات العقل؛ كونها تمثل امتزاج قدحة العقل مع توهج القلب تلك اللحظة التي بها يمكن اختراق الحسي عند التصميم للالتصاق بعالم المطلق واكتناه ماهيات الأشياء" (5) .

ثم نراها تقول :

دون أن ترتطم

بجدران الحيرة

دون أن تتعثر

بأشلاء الخوف

من الآتي ...

أيها القابع

في كهف التردد

ردِّدْ

كل ما تيسر من آيات

بوحك

وكنْ

أنت.

 

    فهي الداعية للحياة والسلام، إذ لاترى الخوف معوقاً حينما تتحصل الإرادة طالما هناك الحب الذي يغمر قلوب الأماني من دون الارتطام بالحيرة, أو القبوع في كهوف التردد، من خلال البوح بالأمل المغروس في قلوب المحبين، فالشاعرة كأنما تحاكي أبناء وطنها من المغتربين بعدما تركوا أحلامهم تذروها شواطئ الهجرة والفراق.

 

  ومن قصائدها المكثفة التي استثمرت فيها قميص يوسف؛ لتمنحها سر فتوتها ، فتقول:

حين

تعلق بشعاع

امتد من عيني

نحو الأفق

كان يرفرف

كقميص يوسف

على حبل وريدي

وبكل جبروتهم

ينتظرون

مع الذئب

سقوطه.

 

    فهي صاحبة الأمل والحلم ترى بعين البصيرة من يمدون شراك الحسد وهي تحقق طموحاتها الناجزة، مستحضرة قصة يوسف؛ لتتناص مع القرآن الكريم, ويمكن للشاعر أن يذكر رموزاً أو يتناول قصصاً دينية "أو ذكر حادثة من الحوادث المتميزة؛ ليوحي بشيء ما يتمم به عملية الإيحاء العام غالبا، أو يتمم صورة جزئية" منها (6) , ولعل قميص يوسف المستوحى من قصة يوسف (عليه السلام) قد وظفته ؛ ليكون بمثابة دليلها عليهم , وما لفظة (جبروت) ورمز (الذئب) في النص إلا إشارة إلى حنق الحاسدين والحاقدين على نجاحاتها المتلاحقة.

 

   كما أنَّ شاعرتنا قد استوحت من عمق التراث رموزها في نصٍّ شعريٍّ آخر لها إذ استوحت شهرزاد وشهريار وما هما إلا أبطال قصص ألف ليلة وليلة، فقد أحالت الشاعر ذاكرتنا إلى عصر الرشيد وهو عصر اتسم بالبذخ والترف والجمال لكنها عبرت بكلا الرمزين عمَّا يعتملها عن تجربتها الحياتية التي تقول عنها:

شهرزاد الغسق

أنا

أردد لليل

حكاية النجم التائه

حين

يصطاد الضوء

و يرتمى

على شرفة البوح

يلمع وجهه الغابر

ويخرج من جيبه

مواعيدا مهترئة

سئمتْ منها السماء

فنام شهريار

ألف عتمة

وليلة ظلماء

على ساعد حيرتي

وأودعني لفجر قريب ؛

ليتوِّجني

نجمة للظهيرة

 

  نجدها تجعل من شهرزاد قناعاً لها، ولعل النجم هو ماكان رمزاً للمجوس وهم يبحثون عن ضالتهم في ولادة مبشرٍ يملأ الأرض عدلاً وسلاماً ، ويبدو أنها لاترتقبه كما هم كانوا يرتقبون، بل لفرط صبرها دون عودة المنتظر عالمه، اتنتظرت قلوعه؛ كونها آمنت أنْ ليس للانتظار بقية مترقِّبة إلا بحلول النهار كي يصحو الحبيب الذي غفا على ساعديها؛ ليتوجها نجمة ذلك النهار، في إشارةٍ منها لطول الصبر والأناة على ما يعم بلدها من حرب طاحنة امتدت لسنوات، لكنها ترى في الأفق من أنَّ النهار لابدَّ أن يأتي ليبدد ظلمة الليل وهي في انتظار حبيبها الذي لابد أن يلتفت إليها وهو منتصر مُعافى عائداً إلى حياة الترف والبهجة بعدما عمَّت عتمة الحرب زمانا من بلاده.

 

(1)    ينظر : الرمز في الشعر الفلسطيني الحديث , د . غسان غنيم : 3-4

(2)    دراسات في الشعر والفلسفة ، د. سلام الأوسي : 52

(3)    إشكالية القارئ في النقد الألسني , د. إبراهيم السعافيني : 95.

(4)    دراسات في الشعر والفلسفة : 53.

(5)    النبوءة في الشعر العربي الحديث دراسة ظاهراتية , د. رحيم الغرباوي :26

(6)    الرمز في الشعر الفلسطيني الحديث : 123.

 

أضف تعليق


للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.