اخر الاخبار:
اخبار المديرية العامة للدراسة السريانية - الأربعاء, 24 نيسان/أبريل 2024 18:10
احتجاجات في إيران إثر مقتل شاب بنيران الشرطة - الثلاثاء, 23 نيسان/أبريل 2024 20:37
"انتحارات القربان المرعبة" تعود إلى ذي قار - الإثنين, 22 نيسان/أبريل 2024 11:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

• صُـنْعُ الديمقراطية أم صناعةُ سلطةِ المصالح ودولتها؟

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

حمـيد الخاقاني

قانون الانتخابات وأشياء أخرى:

صُـنْعُ الديمقراطية أم صناعةُ سلطةِ المصالح ودولتها؟

مرة تِلوَ المرة يؤكد لنا أهلُ الحُكم، من أحزاب "التديُّن السياسي"، ومن تحاصص معهم على الوطن وناسِه، بأنهم عاجزون، بكفاءة باهرة، عن النجاح في امتحان الديمقراطية. وتتوازى كفاءتُهم في تحقيق هذا العجز مع كفاءتهم في الفشل، حتى بعد قرابة عشر سنوات من الإمساك بزمام السلطة، في إدارة شؤون الحكم بمعايير الصلاح والعدل، وإنهاء العنف والقتل اليومي للناس، وتوفير الحدود المعقولة من الخدمات، والحيلولة دون استشراء الفساد ونهب المال العام، وتخفيف البطالة، ومكافحة آفات الفقر الكافر، والشروع في وضع سياسات اقتصادية واجتماعية وتعليمية وصحية ومالية وثقافية، تتكاملُ مع بعضها البعض، وتكون ذات طابع تنموي ووطني مترابطٍ وشامل، مدروسٍ، راسخ ومتواصل.

لقد ضاعَ وقتُ العراقيين مع طاغية الأمس، وهو ما يزال مفقوداً مع هؤلاء، أو نراه يمشي كما السلحفاة، فلا عجلة الاقتصاد والصناعات تحركت معهم، ولا دورة الزراعات دارت، ولا زحفُ الرمال على الأراضي التي كانت خصبةً، يوماً، توقف. وإذا البلاد مُعلَّقَة بما يُستَورَد لها من وراء الحدود، ولم يعُد للعراقيين من وسيلة لتأمين أسباب عيشهم غير موارد نفطهم الذي سينضب يوماً. وهي موارد يضيع الكثيرُ منها سرقةً، أوهَدْراً بفِعلِ سوءِ التخطيط وجهالةَ التنفيذ. كما أن المتحاصصين أخفقوا، حتى اللحظة، في إرساء قواعد دستورية وقانونية سليمة وواضحة، لا تنطوي على أكثر من وجهٍ، لبناء دولة قانون مدنية وديمقراطية حقاً.

يبدو أن الغالبية من هؤلاء الساسة، وقد ألقى بريقُ السلطة والنفوذ غشاوته على أبصارهم وبصائرهم، أخذوا يعتادون فشلَهم وكثرةَ أخطائهم، وما عادوا يفقهون ما يفعلون كي يدركوا آثاره الكارثية على الناس ويخجلوا منها، ويتحملوا المسؤوليةَ عنها، مثلما يفعل الساسةُ في أصقاع الدنيا الأخرى، خاصةً خارجَ (ديار الاسلام). فلو خجل المخطئُ من أخطائه لتعلَّم منها، ولما ظلت هذه الأخطاء تترى هذه السنوات كلَّها. وهكذا صحَّ فيهم ما قاله الإمام عليٌّ يوماً، من أنَّ "مَنْ كثُرَت أخطاؤه قلَّ حياؤه"، إذ ليس وراء توالي الأخطاء غيرُ قلة الحياء، والجهل بالأشياء، والعجز عن الذهاب إلى ما فيه صلاح الأحوال. وهذه عيوبٌ تكثُرُ في الكثير من ساسة هذا الزمن العراقي. ولو كانوا قد عملوا بما قاله الإمام، (هم يزعمون أنه نموذجهم)، من أنَّ: "من كساهُ الحياءُ ثوبَه لم يرَ الناسُ عيبَه" لما كثُرَت عيوبُهم وبانت، حتى بدوا وكأنهم لا يُجيدون غيرَ فعلِ ما يُعيب. وأظننا بحاجة هنا إلى أن نُضيفَ لما قاله أبو الحَسنين قولةً للإمام الصادق، في الأمر نفسه، يردُ فيها "بأنَّ مَن لا حياءَ له لا دينَ له". ولا يُغيِّر من هذه الحقيقة أن تلبسَ جماعاتٌ ثيابَ التديُّن الظاهر، فلقد أصبح الدين، في زماننا هذا خاصة، لدى الكثيرين لافتةً تُرفَعُ، وقناعاً يُرتَدَى، وبضاعةً رائجة في أسواق السياسة والنخاسة الفكرية والاجتماعية يُخْدَع بها الناسُ ويُسْـتَعْبدون!

فالقوم يعملون على تشغيل الدين لخدمة الساسة وسياساتهم وليس العكس، وإلا فكيف للفساد أن يستشري، وللتزوير أن يستفحلَ، ولـ"تطويب" وظائف الدولة، وعقارات البلد للأقارب والأصحاب والمُوالين، أن يتواصلَ، وللكذب والنفاق أن يُصبحا عادةً في غير القليل منهم. وسوى هذه ثمةَ قبائح أخرى، ينهى عنها الدينُ الحقُّ والأخلاق كذلك، نراها تزدهر في ظلهم.

وبدلاً من أن يُصبحَ البلدُ، بعد عقود الخراب والاستبداد التي انتظرنا طويلاً أن تُولِّي،، ورشةَ بناء هائلة في مضامير الحياة كلّها، صار، بفضل هؤلاء الساسة ونزاعاتهم العقائدية والسلطوية، حلبةَ صراعات لا تنتهي، يرتقونها على جثث الناس وبؤسِهم، وتوقُّفِ حياتهم عن أن تكون حياةً حقاً.

وقد حدا هذا كله بمنظمات خبرة واختصاص دولية إلى أن تضع هذا العراق "العظيم"، وبعد هذه السنوات والأموال الطائلة التي صُرِفَتْ فيها دون طائل، بين الدول العشر الأكثر فشلاً في العالم (الحكام ومستشاروهم ونوابهم لا يبحثون عن مكامن مثل هذا الفشل فيهم، وفي سياساتهم، عادةً، بل لا يعرفون غيرَ "الزَعل!" على هذه المنظمات، وإتهامها في نواياها).

تبدأ دولُ "الفشل" والفساد هذه بالصومال وتنتهي بباكستان، أما عراقنا "الجديد" فهو واسطةُ هذا "العِقد الفريد"!. واستميح، هنا، شيخَنا الأديب ابن عبد ربه (المتوفى عام 329 هجرية) العذرَ لإيرادي عنوانَ كتابه في سياق كهذا.

مجموعة الأزمات الدولية أشارت في آخر تقرير لها عن العراق وأزماته، نُشِرَت مقتطفات منه مطلع آب/أغسطس الماضي، إلى أن "الأزمة الحالية تكاد تكون الأسوأَ لأنها تعكس نظاماً سياسياً مليئاً بالأخطاء، تحوَّل إلى أزمة مزمنة قد تقضي تماماً على البيئة السياسية في البلاد وعلى مسيرة بناء الديمقراطية". ويذهب التقرير، عن حق كما أرى، إلى أنّ "هناك ثقافة تتميز بالشك بالآخر، يرافقها مفهوم إما أن أكون غالباً وإما مغلوباً، إما أن أكون أو لا أكون".

يا ليت ساستَنا (هُم ليسوا ساستي فأنا لم أمنحهم صوتي، ولم أتوهَّم في غالبيتهم خيراً) تعلَّموا الشكَ النافعَ بأنفسهم، يوماً، وأخضعوا أفعالها ونواياها للتساؤل والتقويم النقديَّين، من حين لحين. لو قدروا على ذلك لكان فيه الخيرُ للناس وللبلاد، وللدين الذي يزعمون تمثيلَهُ، ولهم كذلك. ولكن من أين تأتي بركةُ الشك النافع هذا لقومٍ ما زالوا يتصرفون في مصائر الناس والبلد، منذ عشر سنوات تقريباً، بما تُمليه عليهم، في الحقيقة، عصبياتهم ومصالحهم الحزبية والذاتية، وأحقادُهم التاريخية، وقد ألبسوها ثيابَ العقائد تمويهاً على الناس، وتضليلاً لهم!

ثقافة الشك التي تمتلك عقولَهم ونفوسَهم (هي ليست ثقافةً، في تقديري، وإنما مرض عُصابٍ) يُنتجُها عقلٌ سياسيٌ أحاديُّ الرؤيةِ، مذعور في حقيقته. مذعورٌ من أن لا يرى نفسه على "العرش" يوماً. وغالباً ما يكون ردُّ فعل العقل المذعور على ذعره من الآخرين أن يتصور سيناريوهات لمؤمرات وانقلابات لا نعرف الصحيحَ منها والمُخْتَرَع، يختلط فيها المعقول بغير المعقول، والحقيقيُ بالمُتَخَيَّل. نسمع رواياتهم عنها دون أن يظهرَ الصادق والكاذب فيها للملأ.

مع مثلِ هذا العقل لا تتحقق، كما يرى تقرير (مجموعة الأزمات الدولية) بصواب، "شراكة حقيقية ومنصفة في توزيع السلطات". ترَبُّصُ بعضِهم ببعضٍ (زرعُ بعوضات التنصُّت والكاميرات الخفية، وتشويه سِـيَر المخالفين، بعض الأمثلة على ذلك) هو السمةُ الأبرزُ لهذه الشراكة، حتى داخل الكتلة الواحدة والحزب الواحد. بعضهم تخلَّق بمثل هذه الأخلاق وهو في المعارضة!

منذ ما يقربُ من سنواتٍ عشرٍ والمُشْـترَكُ الوحيدُ بينهم، كما نرى، ليس الوطنُ وما ينفعُه. المُشترَك بينهم هو إعادة انتاج الأزمات، والعجزُ عن التوافق على ما فيه خير الناس، والمسارعةُ إلى ما يضمن مصالحَهم ومصالحَ أحزابهم. هكذا هو الحال منذ 2003 ، دونما أيّ تغيير يُذْكَر!

(غالباً ما ينقد بعضهمُ البعض، بشدة، مُحمّلاً إياه، ودولَ الإقليم والخارج، مسؤوليةَ كوارثنا، وموحياً للناس بأنه خيرٌ من منافسيه ومن خصومه، مع أن الناقدَ، كما تُظهرُ التجارب، ليس أفضلَ من المنقود دائما).

مخيلةُ العقل المسكون بالكراهية التاريخية، والمأخوذ بالشك والذعر (صاحبه لا يرى فيه ذعراً، وإنما علامة يقظة وقوة ويُسوِّقُه للناس هكذا!) تضمُر، مع الوقت، وتتقلص بحيث لا يعود لها من مرجعية في التعامل مع من ترى فيهم مصادرَ لقلقها، غير العنف ونقل الذعر إليهم (ضربات وقائية بصورة إبعاد عن الخدمة، النَقْر على دفوف الفتن الطائفية، اعتقالات، تعذيب قد ينتهي بالقتل)، كي تنتصر على ذعرها هي، وهو انتصارٌ يظل، في اعتقادي، بعيد المنال. فالعقل المذعور يصنع أعداءه دائماً، أو يخترعهم، ويظل يبحث عنهم حتى بين حلفائه، وداخلَ حزبه!

إلى أين ستمضي هذه (الثقافةُ ـ المرضُ) بالعراق وأهله؟ أليس النهايةُ هي الاستبداد؟

ولا ريب أنَّ ثقافةَ "إما أن أكون أو لا أكونَ" لا يُمكن لها أن تصنع ديمقراطية، ولا يمكنُ للقائلين بها، والسائرين على منطقها، أن يكونوا ديمقراطيين كذلك. كما أن الديمقراطية الحقةَ لا تجد لها بيئةً عند من يريد عُلُوّاً في الأرض، ويتوهم الحقَّ المُطلَق معه وحدَه، ويرى أنّ الخطأ لا يأتيه من قُبُلٍ أو دُبُرٍ.

كما أن هذه الديمقراطية تظلّ غريبة عن أولئك الذين بلغَ زَهوُهم بأنفسهم حدَّ أنْ لم يعودوا يسمعون غير أصواتهم، ولا يرون غيرَ صورتهم، وفاقَ حجمُ (الأنا) عندهم ضخامةَ (البعير)!

مثلُ هؤلاء الساسة لا يعودون سوى طُلاّبِ سطوةٍ يخوضون معاركهم وسط الخراب ومقاتل الأبرياء من الناس، لامتلاك قلب عشيقتِهم السلطةِ، فهي فوزُهم العظيم الذي ما بعده فوزٌ، وهي هواهمُ الأزلي. ولذا نراهم ينظرون إلى الديمقراطية والحريات، وحقوقِ من اختلف معهم أو عنهم، من "ثُقب" السلطة الضيّق وخنادقها، وأهواء الولاءات التي قامت عليها: طائفية، إثنية، قبلية، حزبية، جهوية وحتى عائلية.

وقد تناسى الساسةُ المتنفذون، وكلُّهم يدَّعي الإيمان، بأن الله أخذ على الحكام أن لا يتَّبِعوا الهوى، ولا يشتروا بآياته ثمناً قليلاً. ألم يرِد في (الكتاب) قولُه: "يا داودَ إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتَّبِع الهوى فيُضِلَّك عن سبيل الله إنَّ الذين يَضِلّون عن سبيل الله لهم عذاب شديد" (ص: 26).

الخروج إلى الديمقراطية الحقة، والتوجه الصادق نحوها يشترطان الخروجَ الصادقَ من تلك الخنادق والثقوب، والانتصار على هذه الأهواء. حتى الآن عجزَ (أولو الأمر) من ساسة البلاد عن تحقيق ذلك. ويرجِعُ هذا العجزُ، فضلاً عن انقيادهم للأهواء، إلى أنهم تلاميذُ نظام تفكير شمولي ونمطيٍّ، في تقديري، تظافرت على تشكيله وتوطيده عواملُ مختلفة: دينية، ثقافية، اجتماعية، سياسية، وكذلك مصالح ومطامع فِرَقٍ وأشخاص. ونظام التفكير الشمولي، سواء أخذ أصحابُه الدينَ رداءً، أو لبسوا زيّاً غيرَه، لن يأتي للناس بنظام ديمقراطي حقيقي أبداً. الديمقراطية الحقَّة ومنظومة الحريات وحقوق الناس الأساسية لا مكان لها في منظومات الفكر المطلَقة ـ المُغلقَة جميعِها. تاريخ البشر، منذ أن نشأَ، وإلى عصرنا هذا، ينطق بذلك.

وإذا ما كانت أحزاب الاسلام السياسي وفرقه المختلفة، في منطقتنا، هي من يُمثِّلُ نظام التفكير هذا، ويتماثلُ معه اليومَ، فإنّ التأمل العلمي الدقيق لأحوال مجتمعاتنا العربية وتاريخها الحديث يُظهرُ لنا أن "لعنةَ" العقل الشمولي قد أصابتنا جميعاً بدرجات متفاوتة، وفي أزمنة مختلفة. بعضنا أفلتَ من أسرها، وبعضنا ما يزال، لأسباب شتى، مسكوناً بها، وبمقادير مختلفة. ولعلَّ في هذا، وفي مطامع النفوذ، بعضُ ما يفسّرُ اجتماعَ طُلاّبِ السلطة والحصص من الفرق الأخرى مع "الاسلاميين"، في الحيلولة دون تأصيل الديمقراطية، والتواطؤ مع ساسة الطوائف للإبقاء عليها، من الناحية الفعلية، شكلاً دون معنىً وروح!

المفارقةُ أن هؤلاء المتواطئين يرغبون في أن يصفوا أنفسَهم بـِ"الديمقراطيين" حيناً، وبـِ"اللبراليين" حيناً، أو ينتحلوا الوصفين معاً، مضيفين لهما صفةَ "العلمانيين" أحيانا أخرى. بينهم من يتوهم، ربما، أنه الديمقراطي الوحيد، واللبرالي الوحيد، والعلماني الوحيد كذلك!

في الأسابيع القريبة الماضية تجسَّد فشلُ المتواطئين والشركاء ـ الخصوم من الطائفيين في امتحان الديمقراطية، مُجَدَّدا، في أحوالٍ ثلاثة، وفي فترة قياسية لا تتعدى بضعةَ أسابيع (التلاميذ السيّئون الحمقى وحدهم من يتواترُ فشلُهم في مثل هذه الفترات القياسية). لقد "تقاول" الإخوةُ ـ الأعداءُ على حالين منها، وتوافقوا، بالصمت، على واحدة هي الأولى بينها.

أول هذه الأحوال التي سكت "الكبار" جميعهم عليها، وتناسوا، عندها، ما كانوا يدعون إليه من استقلالية المنظمات والاتحادات الأهلية، هو تشكيلُ (لجنة انتخابات حكومية!)، وتسخيرُها لإعادة اعتقال (نقابات العمال)، وإلحاقها "ديمقراطياً!" بأهل الحكم أو بأحد تياراتهم، تماماً كما كان الحال في الماضي.

هذه الفعلةُ تشير، كما يبدو، إلى أن فَهْمَ غالبية أهل السلطة للديمقراطية، وتحقيق فوزهم في انتخابات تتوفر لها آلياتُها، يختلط بعادةٍ، أو عُرْف تقليدي في هذه الثقافة، يُطلَق عليه تعبيرُ (وَضْعِ اليَد)، هو، في حقيقته، شكل من أشكال السرقة. فالأكثرية (أو الأكثريات) الفائزة ترى أنّ لها حق (وضع اليد) على السلطة، لتصبحَ هذه، بدورها، أداة لـِ(وضع اليد) على الدولة ومؤسساتها "ديمقراطياً"، وعلى المجتمع واتحاداته وجمعياته الأهلية، في النهاية.

(محاولات فرض الحجاب، وترسيم حدود المناطق المُحَرَّمة على النساء السافرات، عبرَ توسيع مناطق المقدس، وتوحيد الزي الجامعي للدارسين فيها ذكورا وإناثاً، وانصراف "علماء" و"باحثين" في شؤون التقاليد وملابسها، ربما، لتحديد مواصفات هذا الزي لوناً وطولاً وعٌرضاً"، بما ينسجم، مع ما يرونه هم تقاليدأ وشرائع وأخلاقا، والشروع بمنع الاختلاط في المدارس، وتكرار "الحملات الإيمانيه" على النوادي الاجتماعية، وملتقيات الأدباء والفنانين وفئات المثقفين الأخرى، مع ما يرافقُها من عسَفٍ وبربرية وخرق للقانون والدستور. هذه جميعها تعبير عن "وضع اليد" عقائدياً على المجتمع وإرغامه على أن يقبل وصايتَهم على الدين وعليه بالتالي).

جَرْياً على هذه العادة، غير الحميدة بالطبع، وضعت جماعاتٌ وأحزاب، في السلطة وخارجها، يدَها، بعد انهيار حكم الطاغية، وفي جميع المحافظات، على كثير من عقارات الدولة وحزبها الحاكم، وقصور مسؤوليه ومزارعهم، واستحوذت حتى على مساجدَ ودور عبادة، ولم ترفعْ يدها "الكريمة" عن كثير منها حتى اللحظة!

ديمقراطية (وضعِ اليد) على السلطة ودولتها والمجتمع، بحيث يصبح حتى المجتمع مجتمعَها هي، ديمقراطيةٌ دميمةٌ، كالحةُ الوجه، تماماً، كما ظهرت في انتخابات نقابات العمال. (لي في هذا الشأن كتابة لاحقة أكثر تفصيلاً).

امتحان الديمقراطية الثاني هو إعادة تشكيل مجلس (المفوضية العليا المستقلة للانتخابات) على قاعدة المحاصصة الطائفية ـ الاثنية من جديد. أربعةُ أعضاء يختارهم التحالف الوطني (الشيعة)، إثنان للعراقية (السنة)، إثنان للأكراد (البعض يحسبهم طائفياً على السنة) وواحد لأقلية ما، يسعى كل طرف من (الكبار!) لكسب وُدِّه، وجعله قريباً منه!

(ثمةَ من يدفع منهم لزيادة عدد أعضائها إلى 15عضواً، طمعاً منه في الحصول على حصةٍ أكبر، تماماً مثلما حدث في فضيحة الوزارات التي زادت على الأربعين، قبل أن يعودوا لِـ"ترشيقها" بفعل غضب الناس، في حينها، وهو "ترشيق" لم يُغَيِّر شيئاً، لأن العلَّةَ تكمن في مكان آخر، لا يرغبون في رؤيته، أو لا يقدرون على رؤيته!).

منحُ "الكبار" أنفسَهم حقَّ تسمية أعضاء مجلس المفوضية يجعلُ من توصيف "مستقلة" الذي يُزَيِّنُ صدرَ المفوضية، مثلما هو حالُ هيئات ومفوضيات غيرها، توصَف بأنها "مستقلة!" كذلك، نوعاً من خرافةٍ

لا معنى لها، في بلاد تكثُر فيها الخرافات (البؤس في الأمر أن الكثيرين يصدقون هذه الخرافات لتمكّن الجهل منهم، واجتهاد "الكبار" ساسة ووعاظاً في المحافظة عليه).

"الكبار" إذن يختارون "أزلامَهم" في مجلس المفوضية، ويمنحونهم درجات وظيفية عالية (وزير، وكيل وزير، مدير عام). وهؤلاء يختارون بدورهم "أزلاماً"، على النمط ذاته، لفروع المفوضية في الأقاليم والمحافظات والأقضية والنواحي، لكي يُنظِّموا انتخابات "ديمقراطية، نزيهة!" تتنافس فيها أحزاب من اختاروهم مع بعضها، ومع غيرها، ويشرفوا عليها "بحيادية مُفتَرَضَة"، ويعلنوا نتائجها!

(هل عرف العقل السياسي السائد، وتقاليد التبعية التي تحكمُه، الحياديةَ حقاً؟).

ليست المهنيةُ والكفاءة والاستقلاليةُ هي التي تحدّدُ مقاصدَ الاختيار، في الأساس، وإنما الولاء الفكري، السياسي، الحزبي والطوائفي، وكذلك ضمان الوفاء والامتنان لأولياء النعمة (مثل هذا يحدث في التوظيفات جميعها، وفي مؤسسات الدولة كلها!).

فهل يمكن الحديث عن "استقلالية" المفوضية وتوابعِها في ظل آلية اختيار كهذه، وفي ظروف استقطاب طائفي ـ إثني، شديد الوطأة على الديمقراطية، وعلى الناس وخياراتهم الحرة التي لن تكون حرةً حقاً في أحوال الاستقطاب هذه؟

اختيار أعضاء مجلس المفوضية وفروعها على قاعدة القسمة الطائفية ـ الاثنية، وإلباس "المستقلين المُفتَرضين" عباءتها، يفضح كَذِبَ ساسة الكتل الكبيرة، ويؤكد، للمرة الألف، ذلك الانفصامَ العميقَ بين ما يقولون ويعدِون به، وبين ما يفعلون. لقد ظلوا يزعمون في الخطاب بأن المحاصصة وبالٌ ينبغي تجاوزه. رئيس الوزراء نفسُه دعا، في أتون الأزمة الحالية المحتدمة، أكثر من مرة، إلى تشكيل جبهة أو تحالف وطني بعيداً عن محاصصات الطوائف والأعراق. وما زال نواب قائمته، وقوائم أخرى، يرددون الزعمَ ذاته، حتى أن نائباً عن (دولة القانون)، هو هادي الياسري، صرح في 21 آب الماضي: "أن الجميع، وبدون استثناء، يسعى إلى إبعاد العراق عن المحاصصة الطائفية أو الحزبية، لأن بناء العراق وفق هذا المفهوم غير مقبول، وفيه خراب العراق".

ولكنْ إذا كان هذا (الجميع) يسعى حقاً، وبدون استثناء، كما يقولون، إلى تخليص البلد والناس من وحش الطائفية السياسية الذي أسقط هذا (الجميعُ) البلدَ والناسَ بين أنيابه، فمن الذي أمسك بيدِ هذا (الجميع)إذن، وحال دونه ودون استعادته للروح الوطنية، وعودته للجذر الوطني والتمسك به؟ أهُم العلمانيون ودعاةُ الدولة المدنية الحقة مَنْ يوحون لساسة المحاصصة، ويوَسوسون في آذانهم، ليعودوا دائماً، إلى تأسيس كلِّ شيئ وإقامته على أعمدة التحاصص الطائفي ـ الاثني الواهية؟

ألم يكن في مقدور هذا (الجميع) أن يَصدُقَ، ولو مرة واحدة في حياته، وهو في السلطة، ويبدأَ في العودة إلى جادةِ الصواب عبرَ القيام بأمر بسيط وصغير، قد يُلوِّحُ لنا بعودة نزاهة ما تزالُ مُفتَقَدَة في غير القليل منهم،، ألا وهوتشكيل لجنة عليا للانتخابات، مستقلة حقاً، قوامُها قضاةٌ، حقوقيون، أكاديميون، ممثلو منظمات مجتمع مدني، وجوه اجتماعية وطنية ونزيهة من الأطياف (غير الحزبية) جميعها، بوصفهم مواطني وطنٍ، وليس مواطني طوائف وأعراق؟

لو قامت الكتل المتنفذة بمثل هذا، وقفزَت خارج ظلال أهوائها لكان الأمرُ ذا دلالة كبيرة، في الحقيقة، ولقلنا: بدأ القوم يتعلمون من أخطائهم، وصدَقوا هذه المرةَ، وكفّوا عن الرياء.

أحد مظاهر الرياء في سعي ساسة الطوائف للحفاظ على معادلة الحكم التي ذهبوا، على الضدّ من الدستور، إلى إرسائها على أسس القسمة الطائفية، هو استبدالهم لفظَ "الطوائف"، في خطابهم، بتعبير "المُكوّنات"، متوهمين أنَّ استبدال اللفظ يُغيّر من حقيقة القَـصد، وواقع الحال، ويؤدي غرضَهم في التمويه على الناس.

وقد بانَ، منذ البدء، أن تعبير "المكونات"، الذي اخترعه لهم أحدُهم، ليس سوى مُرادف للطوائف، في الأصل، تلتحق به الأعراق والأقليات. فهو إذن ورقةُ توتٍ أخرى لتغطية عورة الطوأفة: طوأفة السياسة والانتخابات، طوأفة السلطة والدولة، وطوأفة المجتمع كذلك. هم يقولون لنا، من الناحية العملية: ألسنا "مكونات" هذا البلد، فدَعونا، إذن، نتقاسَم كلَّ شيئ، حتى الناسَ فيه، طائفياً وإثنياً، في البداية، ثم نذهب

إلى المواطنة والمدنية على أساس هذه القسمة، فيما بعد!

(الطائفية السياسية ودولة المواطنة المدنية ضدان لا يجتمعان. لبنان أحد النماذج البائسة لمحاولة الجمع هذه).

المحطة الأخرى لفشل الكتل المتنفذة، في امتحان الديمقراطية، تأتي لتكريس معادلة الحكم والقسمة هذه كذلك. هذه المحطة هي تصويت أغلب نوابها بإقرار التعديل الثاني لقانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية والنواحي. وهو تعديلٌ "يُشَرِّعُ" لنهب أصوات ملايين الناخبين، ويهديها بِـ"كرَم حاتميّ" (عذراً للكريم المُكرَّم حاتم الطائي رحمه الله، ولمن حذا حذوَه) لقوائم "الكبار". هل ثمة حاجة للقول بأن "الكبار"، إذ يسطون على أصوات ليست لهم، يغدونَ صغاراً، في الحقيقة؟

إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات بالصورة إياها، وإقرار هذا القانون غير العادل، مثلان آخران يُظهرانِ لنا كيف يصبح البرلمان المحكومُ بأهواء المصالح أداةً لتشريع قوانين، هي خارج القانون والدستور،

وخارجَ العدل أيضاً. وهو ما يُمثّل تهديداً جِدّياً لمشروع ديمقراطي لم يصبح حقيقةً بعدُ، إلا في شكلياته.

لقد سبق لهذه الكُتل أنِ ارتكبت عملية النَهب ذاتَها، قبل أكثر من عامين، حين أقرَّ نوابُها فقرةً في قانون انتخابات مجلس النواب المُعدَّل (رقم 16 لسنة 2005) أباحوا فيها لأنفسهم، في الانتخابات النيابية الأخيرة، "حقَّ" الاستحواذ على أصوات ناخبين أصَرّوا على ألا يُصوِّتوا لهم.

وقد قضتِ المحكمة الاتحاديةُ، في 14 حزيران 2010 ببُطلان أخْذ هذه الكتل لهذه الأصوات (زادت على مليوني صوت) غَصْباً، ورأت فيه عملاً غيرَ ديمقراطي، وغير دستوري (كان الأجدرُ بالمحكمة أن تحكمَ بإعادة الانتخابات في وقتها، مثلما درجت عليه المحاكم الدستورية في البلدان الديمقراطية، في مثل هذه الأحوال، لكنها اكتفت بطلب تغيير هذا التعديل فحسب).

وها هي الكُتلُ المتنفذةُ، التي ترى نفسها أمَّ الدستور والديمقراطية معاً، تعود، من جديد، لتجاهل الدستور، عمداً، ووَضْع قرار المحكمة في أدراجِ مصالحها، رغم أن أقلامَ مندوبيها في لجنة كتابة الدستور قد أسهمت في صياغة مواده، ومنها المادة (92) التي تقول بأن: "قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة".

ولكن يبدو، وهو ما رأيناه منذ أن صوَّت الناس على الدستور، أن هذا الدستور وهذه والديمقراطية، وكذا الحريات وحقوق الانسان، لا تعني كُتلَ الساسة المُتحالفين ـ المتنازعين، بذاتها ولذاتها أبداً، إلا بمقدار ما تُؤَمِّن لكل فريق مصالحَه ومطامعَه، فإذا ما قدَّروا أنَّ أمراً قد طال هذه المطامعَ، أو أنّ خَلَلاً أصابَ "توازناتِهم" المُقَدَّرَة بِـ"موازين الذهب" الطائفية ـ الاثنية، أخذوا يتناوبون في النواح على الدستور تارة، وعلى الديمقراطية تارة، وعلى الحريات وحقوق الناس تارات أخرى.

فكم من مرةٍ نصَبَ هذا الفريقُ، أو ذاك، لهذه سرادقات العَزاء حسَبَ الحاجة، وبدأ ساسته يلطمونَ الصدورَ، ويخمشون الخدودَ، ويشقّونَ الجيوبَ، ويَحْثونَ التراب على رؤوسهم، داعينَ الناسَ إلى لِبْس السواد والحزن معهم على الدستور والديمقراطية وغيرهما!

الكوميديُ في الأمر أن بعضهم وجدَ تخريجاً "عدلياً!" لتجاهلهم قرار المحكمة الاتحادية بأنه (أي القرار) يتناول قانون انتخابات مجلس النواب، وليس انتخابات مجالس المحافظات (بعض من قال بذلك منهم قضاةٌ وحقوقيون!).

في أي منطق قضائي، ديني أو وضعي، وعلى أية قاعدة أخلاقية، يُصبح الظلمُ على الصعيد الوطني "عدلاً" على المستوى المحلي؟! أم أن نوابَ الكتل هذه (باستثناء عشرات منهم آثروا الإصغاء لصوت الضمير والأخلاق فيهم) عرفوا الحقَّ، يا تُرى، فيما قضت به المحكمة الاتحادية فما اتبعوه، ورأوا الباطلَ فيما طمعت به كتلُهم ولم يجتنبوه؟

في البلدان التي تسَيِّر أمورَ الناس فيها دولةُ قانون مدنية وديمقراطية حقاً، يُصبحُ حتى حُكمُ محكمة بداءة في إقليم ما، أو مدينة، أو قضاء أو ناحية، في قضية أو واقعة ما، إذا ما اكتسبَ درجةً قطعية، معياراً تأخذ به محاكمُ البلاد الأخرى وتقتفيه في القضايا المماثلة. فكيف بما قضت به محكمة اتحادية عليا!

يتفق فقهاء الدستور والقانون في العالم، الديمقراطي خاصة، بأن القوانين إنْ غاب عنها حدُّ العدل فقدت معنى القانون، ولا يعود من الجدير اتّباعُها. تصبح قوانين لصوص وحكام جائرين، وأكثرياتٍ تُشَرّع لما فيه منفعةُ الأقوى.

ونعثرُ في مناظرات حكماء اليونان القدامى (وهم وثنيون في تصنيف أهل الأديان الموحِّدة!) على تعريف لمفهوم العدالة يقول: " العدالةُ هي أن تردَّ للإنسان ما هو له". وفي لغتنا العربية توصيفٌ للعدل يكاد يتطابق مع ما قاله بعضُ فلاسفة اليونان عن العدالة. فالعدل، في العربية: "الإنصافُ، وهو إعطاءُ المرء ما له، وأخْذُ ما عليه". وللعدل في أديان الله موضعٌ سامٍ، حتى بدا العدلُ موطنَ الإيمان، إذ لا يستقيم إيمانٌ دون عدلٍ، فالله عَدْلٌ، والدينُ الحقُّ عدلٌ، والقضاء، دينيياً أو وضعياً، إن لم ينشدِ العدلَ خابَ، وتحوَّل ظلماً.

وكان الأجدرُ بِـ"نواب الأمة!"، وهم مؤمنون، كما يظهر، أن يحرصوا على إيمانهم، إن كانوا مؤمنين حقاً، فيحملون أنفسَهم على ما تكره، ما دام في ذلك إحقاقٌ للحق، وإقامةٌ للعدل، ويتقوا ربَهم، وهم صيامٌ، في أصوات الناس، فلا يُحِلّونها لمن لا تَحِلُّ له، بل يردّونها لأصحابها.

ألم يتذكر أهلُ "التديّن السياسي" خاصة، وهم يناقشون تعديل القانون المذكور، ويصوتون عليه، وصيّةَ الإمام علي لرفيق إيمانه (الأشتر) إذ يقول له: "فاملِكْ هواكَ، وشُحَّ بنفسك عما لا يَحِلُّ لك". لكنَّ قولةَ الحق، مثلما قال الإمام، أشدّ مرارةً على أهل السلطان. و"نواب الأمة" هؤلاء، وقادتهم معهم، أهل سلطانٍ لا ينتصرون للحق إلا بما ينفع بسطَ سلطانهم، ويسكتون عنه إن كان غير ذي نفع لسلطتهم، مع أن السكوت عن الحق لا يُقرّب إلى الله، بل يأخذ الساكتين إلى حظيرة الشيطان!

ألا يعرفون أنّ الساكت عن الحق شيطان أخرس؟

تُرى أيظن حكامُ الأهواء أن الحق هو ما يرونه حقاً لهم؟ هل يؤمنون بأنّ كثرةَ من يشرِّع للباطل تجعل من هذا الباطل حقاً؟

الحق لن يكون حقاً إذا لم تُراعَ فيه حقوق الجماعة والفرد، الأكثرية والأقلية، القويّ والضعيف على السواء.

ذكرتُ في كتابة لي، نُشِرَتْ تعليقاً على تعديل قانون الانتخابات النيابية، قبل أكثر من عامين، بأن تشريعَ الاستيلاء على مقاعد برلمانية، بأصوات ناخبين لم يمنحوها، بوعي، لمن يجلس عليها، إنما هو لصوصية ونهبٌ.

والنهْبُ في لغة العرب هو الغارةُ وانتزاع ما للناس منهم قهْراً. وكانت قبائل العرب تُغير على بعضها طلباً للغنائم والأسلاب. ويبدو أنّ كثيراً من "نواب الكتل" قد ورثوا بعضَ (جينات) الإغارة هذه من أسلافنا أولئك، فأغاروا على أصوات الناس ينهبونها منهم قَهْرا!

ولا يُغيِّرُ من حقيقة النهب هذا أن يُشرِّع النهّابون لغاراتهم هذه قانوناً يُمكِّنُهم من نهب هذه الأصوات، ومنحها لأنفسهم، أو لمن يماثلهم في الولاء الأيديولوجي والطائفي والسياسي، ممن لا حقَّ لهم فيها .

ولم يردع هؤلاء "المؤمنين" عن نَهبهم هذا أن قبائل العرب قد بايعتِ الرسول (ص) على ألاّ تنتهب ، وأنه قد قال : "ولا ينتهبُ أحدٌ نهبةً يرفع الناس فيها أبصارهم ، حين ينتهبها ، وهو مؤمن" ، أي أنَّ المرء الذي يأخذ ما ليس له قَهْراً لن يكون مستكملاً لشرائع الإيمان . لكنّ غايةَ احتفاظ الأكثرية "المؤمنة" بسلطتها تبرر لها ، كما يظهر ، حتى النهبَ الذي نهى عنه دينها! ولعلها ترى ، في مثل هذا "النهب" ، بعض غنائم "فتوحاتها" الديمقراطية وأسلابها! . فيالبؤس العراق "بديمقراطييه" هؤلاء ، ويالبؤس "ديمقراطيتهم" بأمثالهم!

المُخزي في الأمر أن "نواب التديّن السياسي" قد شرَّعوا لمثل هذا النهب في شهرٍ كريم، هذه المرة، يُفترَض فيهم، وهم الذين يدعون الناس للحشمة والأخلاق، أن يحتشموا فيه، وفي سواه من الأوقات كذلك، عن مثل هذه الأفعال القبيحة، خاصة وأنهم غالباً ما يُرددون بأنَّ "السياسة في الاسلام عبادة، والعبادة في الاسلام سياسة". فهل من أخلاق العبادة في السياسة تشريع نهب الأصوات؟ حاشى للعبادة الخالصة لوجه الله ـ الحقِ أن تذهب، بالطبع، مثل هذا المذهب. لكنها، وكما نرى، سياسة يتعبد ساستها في محاريب السلطة، توّاقين إلى سحر جنانها!

مثل هذه الفعلة لا يرتكبها المؤمنون الصادقون، كما لا يأتيها العلمانيون الديمقراطيون من يسلريين ولبراليين وغيرهم، لا في رمضان، ولا في غيره من الشهور.

الساسةُ الذين اشتملوا بغلالة الدين يريدون أن يأخذوا الناس، كما يقولون، إلى طريق الحق والاستقامة. ولما كان الفعلُ، مثلما رأينا، يجانبُ القول عندهم غالباً، أراني ماضياً لاستعارة قولٍ لحكيم الاغريق افلاطون (428ـ348 قبل الميلاد)، أورده شيخنا الآخر أبو حيان التوحيدي (ت.414 للهجرة) في (الامتاع والمؤانسة)، علَّنا نعتبر به جميعاً: نحن وهُم. ولا ضيرَ، كما ارى، أن نتعلمَ النافعَ من أهل الثقافات الأخرى. ألم يُروَ عن النبي أنه دعانا إلى أن نطلب العلم ولو في الصين؟

يقول هذا الافلاطون ما نصه" "لا يسوس النفوسَ الكثيرةَ على الحق والواجب من لا يُمكنه أن يسوسَ نفسَه الواحدة عليهما"!

فهل ثمة أملٌ في أن يتعلم هؤلاء الساسة سياسةَ أنفسهم على الحق والواجب الأخلاقي، حتى لا تظلَّ "الديمقراطيةُ النموذجُ"، كما يصفونها، مشغولة بصناعة سلطة الأكثرية ودولتها؟

أضف تعليق


للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.