اخر الاخبار:
إنزال جوي عراقي في سوريا - الخميس, 18 كانون1/ديسمبر 2025 20:11
غداً.. أمطار وضباب في 12 محافظة عراقية - الإثنين, 15 كانون1/ديسمبر 2025 19:48
أميركا.. إحباط مخطط إرهابي في لوس أنجلوس - الإثنين, 15 كانون1/ديسمبر 2025 19:42
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

يوم اللغة العربية… من مسيرة المربّي ميخائيل فانوس// رانية مرجية

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

رانية مرجية

 

للذهاب الى صفحة الكاتبة 

يوم اللغة العربية… من مسيرة المربّي ميخائيل فانوس

رانية مرجية

 

في يوم اللغة العربية، لا يكون الاحتفاء بالكلمة مجرّد طقس ثقافي عابر، بل فرصة للتوقّف عند مسارات إنسانية اختارت اللغة موقفًا، وجعلت منها أداة للعدالة والشراكة. ومن بين هذه المسارات، تبرز تجربة المربّي ميخائيل فانوس، عضو بلدية الرملة السابق، ومدير المركز الجماهيري العربي السابق، الذي آمن بأن اللغة العربية ليست مطلبًا رمزيًا، بل حقّ مدني وثقافي أصيل.

 

في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وأثناء ولايته الأولى عضوًا في مجلس بلدية الرملة، ومن موقعه في صفوف المعارضة، شهدت المدينة زيارة بعثة تمثيلية من الجالية اليهودية في نيويورك، ضمن مشروع إعادة تأهيل الأحياء، وفي إطار علاقات التعاون بين الرملة وتلك الجالية. كانت البعثة تخطّط للتبرّع بأموال لبناء مكتبة بلدية جديدة، في وقتٍ كانت فيه المكتبة القائمة، الواقعة في مبنى متواضع من طابقين في شارع هرتسل مقابل مركز الشرطة، تعكس فجوة ثقافية واضحة.

 

لم تكن المشكلة في قدم المبنى أو محدودية موارده فحسب، بل في غياب الكتب باللغة العربية كليًّا، رغم أنّ نحو 20٪ من طلاب المدينة كانوا من العرب. هذا الغياب لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل مؤشّرًا على إقصاء ثقافي صامت، وعلى خلل في فهم دور المؤسسة العامة في مدينة متعدّدة الهويّات.

 

من هذا الإدراك، تحرّك فانوس، رغم القيود التي فرضها عليه موقعه في المعارضة وعدم قدرته على المشاركة في النقاشات الرسمية. استغلّ فترات الاستراحة بين الجلسات، وقدّم رسالة مكتوبة إلى رئيس الجالية، السيد آرثر شيرمان، شرح فيها واقع المكتبة، ودافع عن حقّ الطلاب العرب في الوصول إلى المعرفة بلغتهم الأم، بوصفه حقًا تربويًا وإنسانيًا لا يقبل التأجيل.

 

لكن الرسالة لم تكن نهاية المسار. فقد قرّر فانوس الانتقال من الاحتجاج المكتوب إلى الفعل المباشر، فسافر إلى نيويورك دون دعوة رسمية، وتوجّه إلى مكاتب الجالية اليهودية في شارع 42. هناك، وفي لقاء اتّسم بالصراحة والاحترام المتبادل، طرح قضية اللغة العربية لا باعتبارها مطلبًا فئويًا، بل شرطًا أساسيًا لبناء شراكة مدنية حقيقية. وقد أثمر اللقاء تعهّدًا واضحًا من المتبرّع بإقامة جناح خاص للأدب العربي ضمن المكتبة الجديدة التي تقرّر بناؤها خلف مبنى البلدية في شارع وايزمن.

 

قبيل وضع حجر الأساس للمكتبة، كُشفت تفاصيل هذه المبادرة للرأي العام عبر مقابلة تلفزيونية، ما أخرج القضية من إطارها الضيّق إلى فضاء النقاش العام. ومع افتتاح مكتبة بلفور البلدية، تحوّل التعهّد إلى واقع ملموس: جناح للأدب العربي يشهد تطوّرًا مستمرًا، وتعيين أمينة مكتبة عربية، في خطوة عكست تحوّلًا في الوعي المؤسسي، لا مجرّد استجابة ظرفية.

 

في هذا المعنى، لا يمكن النظر إلى هذه التجربة كإنجاز إداري فحسب، بل كموقف ثقافي وأخلاقي. فهي تذكّر بأن الدفاع عن اللغة العربية هو دفاع عن الحق في الوجود المتكافئ، وعن مدينة ترى في التعدّدية مصدر غنى لا تهديدًا.

 

إن استحضار هذه المسيرة في يوم اللغة العربية هو تذكير بأن اللغة لا تزدهر بالشعارات، بل بالقرارات الشجاعة، وبأشخاص اختاروا أن يجعلوا من الكلمة فعلًا، ومن الثقافة سياسة يومية. وهنا، تتجاوز تجربة المربّي ميخائيل فانوس حدود الزمان والمكان، لتقدّم نموذجًا لما يمكن أن يحقّقه العمل العام حين يقترن بالضمير والمعرفة

 

رانية مرجية

كاتبة اعلامية  وموجهة مجموعات

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.