اخر الاخبار:
بلا خسائر.. زلزال بقوة 5.1 درجة يضرب تركيا - الإثنين, 04 كانون1/ديسمبر 2023 20:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

Beez5

حكاية ونَص: فاطمةٌ... والسلطة!// محمود حمد

محمود حمد

 عرض صفحة الكاتب 

حكاية ونَص: فاطمةٌ... والسلطة!

محمود حمد

 

كانت (فاطمة) ذات السحنة السومرية التي استعارتها من لون سنابل الحنطة، تِرْبَ ابنتي البِكْر، ممددة على السرير ذو الأغطية البيضاء الناصعة، لا يبدو منها سوى وجهها المتوهج كقمر من الخبز الساخن في سماء الجوع، وقد أغمضت عينيها باستسلام مخذول لليأس...

 

 فوجئ المحامي (كريم الساعدي) بدخولي عليهم على الكرسي المتحرك...

 

لفت انتباهي منخفض مُفْزِعٍ عند موضع ساقها المبتورة.. 

 

تطلعت إلى الطاولة المجاورة لرأس (فاطمة) كان هناك نضيد من الكتب باللغة الإنجليزية...

 

لم يتركني (المحامي الشاب) تائهاً في أشواك المسافة بين المعرفة والشُبْهَةِ، فأشار إلى الكتب، وإلى ورقة وضعت في منتصف صفحات الكتاب الأول توقفت عندها القارئة...كانت مُذَيَّلة باسم (ابنة سومر)، وهمس في أذني وهو يومئ بطرفه إلى أخته:

فاطمة طالبة في الصف المنتهي من كلية الطب، وشاعرة تنشر في المواقع الالكترونية بهذا الاسم المستعار!

 

تململت فاطمة على سريرها، وفتحت عينيها بصعوبة، فارتعشت مشدوهة لوجودي إزاءها بشعري الفضي الأشعث ووجهي الشاحب، وانا مسترخي على كرسيي المتحرك مصغياً إلى حديث أخيها الهامس...تفتحت عن فمها ابتسامة عذبة لكنها عليلة، ولم تقوَ على التحدث لوهن قواها، فبادلتها التحية بملامح مفعمة بالوِدِّ الأبوي...وأدرت الكرسي للمغادرة لكنها أشارت إلي بالبقاء!

 

دار حديث غير منقطع عن نشوء الشِعْرِ من جذور القصب والبردي في (مملكة الماء والسماء!)، وأغوتها الأحاديث عما تركته الألواح السومرية لأول شاعرة في التاريخ (الأميرة الأكدية إنخيدوانا) بين عامي 2334-2279 ق م (ابنة الملك سرجون الأكدى)، التي يعدها المؤرخون أقدم امرأة كاتبة وشاعرة في التاريخ البشري...

 

تركت (إنخيدوانا) مجموعة من الأعمال الأدبية تتضمن أشعارًا مكرسة للإلهة (إنانا) ومجموعة من التراتيل المعروفة بِـ (تراتيل المعبد السومري)، وعثر على أكثر من مئة لوح طيني نقشت عليها قصائد وتراتيل مذيّلة باسم الكاهنة العظمى (إنخيدوانا)!

 

بحثت في هاتفي عن بعض مما تركته (إنخيدوانا) من نصوص على الألواح الطينية...وقدمته لـ(فاطمة)... التي تماهت مع نص لـ(الشاعرة الأكدية) بعنوان:

  تسبيح من أجل إنانا….

(أنا إنخيدوانا...كنت جذلانةً مظفرةً ...حتى طردني هو خارج المعبد...وكالسنونو جعلني أفرّ من فتحة في الجدار...مختنقةً بأنفاسي...جعلني أمشي بين الشوك في الجبال...سلبني إكليل الكِهانة العظمى، ناوَلني خنجراً وسيفا وقال:

أغرزيهما بجسدك، قد وجِدا لكِ!!

........

يا ملكةَ الأشياء، أيتها الضوءُ المتوهّج، أيتها المرأةُ التي وهبت الحياة، أنتِ يا من تنزلين الطوفانَ من الجبل، أيتها الشاهقة، يا (إنانا) السماءِ والأرض، يا من تمطرين جحيماً على الصحاري، يا من أرسلها إليّ الإلهُ (آن)، أيتها الملكةُ التي تمتطي الوحوشَ، وهي تلهج بكلمات مقدسة...خشوعاً للإله المقدس (آن)..

من هذا الذي يسبرُ كنهَ طقوسك؟!

يا مُنْزِلةَ الموتِ بأرض عدوك...وَهَبتِ الأجنحةَ للعاصفةِ، عشيقةِ (أنليل)، فغدت تَضربُ الكونَ

خضوعاً لأراده الآلة (آن)!

........

مليكتي، الأراضي الغريبةُ تنحني رهبةً لصرختك، وخوفاً من الريحِ الجنوبية، لجأ البشرُ إليكِ وهم يئنّون بلوعة...حملوا صراخهم إليكِ، ووقفوا أمامكِ يبكون بحرقة، حتى ملأ نحيبهم شوارع المدينة!

....

أيتها الملكة يا حاكمةَ البلاد الأبدية، أخبريني:

من قَدَّم لكِ الولاءَ كلّه؟!

الجبلُ الذي لم يقدم لك الولاء...يبس زرعه وصار هباءً، أشعلتِ النارَ في بواباتهِ المهيبة، أنهارُه سالت دماً، وغارت المياهُ فيه عن البشر، جيشهُ استسلم للهزيمة والأسر والقادة الأقوياء انحنت أمامك بخضوع وساحات الكرنفالات في مدنهم فوضى وجميع الرجال أمامك ليس إلاّ أسرى!

 

واستكملت (فاطمة) قراءة الهامش المدون تحت النصوص المقتطفة من قصيدة طويلة:

(إنخيدوانا) لقب الكاهنة الأعلى للإله (إنانا) إلهه القمر عند السومريين في (مدينة أور) وهي أقدم شخصية معروفة في التاريخ تحمل هذا اللقب، و (إنخيدوانا) عمة الملك الأكدى (نرام سين)، وأمها سومرية من جنوب العراق وكانت كاهنة عالية المقام من كاهنات إله القمر إنانا (سين)!

 

أعادت فاطمة إلي الهاتف وهي تشير بابتسامة ساخرة متسائلة إلى نص على واجهة الهاتف...جاء فيه ما دوّنه (سرجون الأول) والد (إنخيدوانا) على إحدى الرُقم الطينية شارحاً قصةَ مولده...

 

بالكلمات التالية:

(والدتي الكاهنة حملتني جنيناً، وأنجبتني سرّاً، ووضعتني على فُلكٍ من ورق البرُدي، وأحكمت رتاج الباب...حملني النهر إلى فلاح اسمه أكّي، الذي رباني كابنه...خلال عملي في عزق الحدائق، رأتني عشتار وأحبتني. وعلى مدى أربع وخمسين عاماً كان المُلكُ لي)!

 

بعد اندهاش بالصور الشعرية التي جاءتهم من قرارة ثلاثة آلاف عام مضت، وحملت أرواحهم على أجنحة الذاكرة إلى عالم الكلمة الصانعة للتاريخ والصور الأثيرة المُدَوِّنةِ لترددات أنفاسه...راحوا يطوفون في ينابيع نسغ الشعر الذي يسري في عروق أهل الرافدين، وامتدادها إلى نبض الإرث الثقافي التاريخي الكامن في أرواحهم، تعتصر قلوبهم وتختنق نفوسهم كلما لَمَّحَ أخيها لانحطاط (ثقافة السلطة!) التي فُرِضت عليهم!

 

عندما عدت الى غرفتي في المستشفى مسترجعاً مرارات الأيام التي مَرَّت بهم، لاح أمامي وجه جارتنا (فاطمة أم حسين) ... (حسين المهندس الشاب الذي أمضت أمه سني عمرها تبحث عنه منذ اختطفته السلطة عام 1981 وغيَّبت أخباره!) في ذات البقاع التي كتبت عنها (إنخيدوانا) شعراً!

فكتبت:

فاطمة والسلطة!

ذاتَ صباحٍ في شعبان...

هَبَّتْ عاصفةٌ من غيظٍ واجتاحت أروقةَ السلطةِ...

نَهَبَتْ "قطعان الغوغاء!"(1) عروشَ السلطةِ...

(فاطمةٌ) امرأه شاحبةٌ في العقدِ السادسِ...من أطرافِ "الميمونة"(2) ...

دَخلتْ وسطَ "الغوغاء!" عروشَ السلطةِ...

وقَفتْ مذهولة!

****

كان الفردوسُ القابعُ في حصنِ السلطةِ نهباً لغيومٍ من أحداقٍ ساخرةٍ مجنونةٍ!

قَطعت (فاطمة) كُلَّ أواوينَ السلطةِ تبحثُ عن قبوٍ سريٍّ تحتَ حُصونِ الخوفِ...

قالو:

إن حسين يُحْبَسُ فيه...

هَبَطَتْ دونَ وجيبٍ لسعيرٍ مظلم...

طَرَقَتْ كُلَّ الأبوابِ الموصودةِ...

نادَت كُلَّ الفتيان الـ - خُطِفوا وحسين - تِلكَ الليلةَ من أحضانِ الاكواخِ المنهوبةِ!

صَمْتٌ مطبقٌ في قاعِ السلطةِ...

وضجيجٌ صاخبٌ يعصفُ بقيودِ السُلطةِ في أدوارِ العرشِ العليا!

****     

تتعثر..

تَشبِكُ قَدَمَيها الحافيتينِ بأسلابٍ يابسةٍ في دهليزِ القبو المُنْتِنِ...

تَصرخُ في فَزَعٍ دونَ صَتيتٍ...

تتهاوى كالنخلِ المقصولِ...

وصليلٌ باردٌ يَسري بالبدنِ الواهن...

تَجثو...

تُمسِكُ أكوامَ الخِرَقِ المرصوفةِ والأرضِ بفيضِ دماءٍ يابس...

ضَمَّت كُلَّ الاسلابِ المنثورةِ للصدرِ الناشغِ...

دَسَّتْ وجهاً ملتهباً بالشوقِ بتلكَ الأسمالِ المنسية...  

شَمَّتْ رائحةً...

أنفاساً يألفَها القلبُ...

سَقَطَتْ ناحبةً...

تَحضنُ كَومَ الاثوابِ المسرودةِ...

خَرَجَتْ للصمتِ المُطْبِقِ في عرشِ الخوفِ الخاوي...

ومَضَتْ مهزومة...

تَشحَطُ أقداماً أوهَنَها البحثُ سنيناً عن خبرٍ يُطفِئُ نارَ الشوقِ الحارقِ!

 

(1) أطلقت سلطة صدام حسين على حشود المنتفضين عقب هزيمة جيش صدام عام 1991 في الكويت "الغوغاء" تشبيها بقطعان الجراد استخفافا واحتقارا وتبريرا لأبادتهم كما يباد الجراد.

(2) الميمونة: قضاء في محافظة ميسان وأحد بوابات الوصول الى الأهوار.

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.