• قصة قصيرة / حروف يكتبها المطر
- تم إنشاءه بتاريخ الخميس, 24 حزيران/يونيو 2010 12:51

رحيم حمد علي الذهبي
قصة قصيرة
حروف يكتبها المطر
كانت تتلكأ في مضجعها طوال الليل، تتكور وتتمدد، تنقلب، تريد أن تجد للنوم سبيلا فلا تجد، وعندما وضعت رأسها على الوسادة أول الليل تمنت أن تغفو بسرعة لئلا تطول بها المسافة الفاصلة فأخفقت، ظلت تصاحب القمر في رحلتها الليلية، هاهو الفجر ينبلج، امتلأ قلبها زهوا، لقهرها الجزء الأكبر من ليلها الطويل ثم استسلمت لإغفاءة لا تنتهي إلا بعد أن غسلتها الشمس.
قضت يومها حتى العصر، تجولت فلم تجد إلا حوض النهر الصغير المسيج بأشجار الكالبتوس، حزينة بعض الشئ، سارت بصمت طوال الطريق المؤدي إلى هذا الحوض وهي بانتظاره، جلست، رأته قادم، وقبل أن يصل إليها تكلمت بقلق ونفاذ صبر وقالت:
* أنت اعتقدت إني لم احضر في الموعد الذي اتفقنا عليه، ومع ذلك ها أنا أمامك، أن ثمة خطر يلاحقنا وتصر بعناد على تجاهله. لم يرد على سؤالها، كان جسده يرتعش تحت وطأة اللهفة إليها، كيف يتسنى له أن يناقش بمنطقية عقلانية النتيجة التي تتحدث عنها، لأنه لم يكن مناسبا أن يحصل على الأهمية والمكانة المفاهيمية التي من شأن المرء أن يتوقعها لدى افتراضه ليستطيع الإجابة على سؤالها، ربما يكون الرد منوط بشئ أو مشروط بشكل مختلف لا ضروريا ولا مستحيلا عندما يتعلق الأمر مع ما يصبو إليه بالنسبة لها.
يصعب عليه أن يكون سببا لحزنها، لم تكن لديه القدرة على أن يتكلم، كان حقيقيا معها حد النقاوة، هي بالنسبة له نقطة ضوء فلماذا يلاحق ظلها ليسلك طريقا ملتويا لا ينتهي، همه أن تشاركه هذه المتعة البسيطة، يريدها أن تكون معه رغم إنها ليست مطالبة أن تبادله أي نوع من المشاعر لان الحرية لها في اتخاذ القرار، وهذه ليست هبة من هباته لها.
استمرا بالسير والصمت يلفهما، اصطدمت إنها تخاطب خيالا ليس إلا، رفع بصره إليها، وجد جمالها الطاغي يسحر اللب، لكنه لا يستطيع أن يلم بما يدور في رأسها الجميل من القبول أو الرفض، هل هي راضية عنه، مقتنعة به، هذه الأفكار كانت تدور في رأسه، رمقها بنظرة، خفضت رأسها وعاد إليها حياء الأنثى لكن بكبرياء. غرد بلبل على شجرة "السدر" التي وقفا أمامها، اخذ هذا الطير يرفرف فوقهم وكأنه يعلن لهم صراحة إنهما حبيبان بشهادة الأرض والسماء والعشب المبتل وهو يحمل شيئا في منقاره ويرفع ذيله ليقرب رأسه منه ثم ابتعد وهو ينحرف عن الطريق ويختفي بين الأشجار. رفعت رأسها إلى السماء تنظر إلى السحب المتموجة التي تجري بعضها داكن والآخر فضي، تنحدر الشمس تدريجيا نحو الاختفاء فتضع حمرتها قطرات زجاجية فوق رؤوس الأشجار. هي الآن في سفر مطلق بصحبة أفكارها. قال لها:
- وجودي معك أشبه بسفر طويل وابدي، فأنا احمد الله أنت جئت إلى هنا، لذا أفوض لك روحي ولن اخسر شيئا لأجعل وجهك سماء انشر عليه نجوم الليل، قلبي يتآكل في حبك كما تتآكل الصخرة من الأمواج، عينيك بحرا لا أريد أن أتوغل فيها أكثر، وإلا فأني سوف اغرق لأني لا أجيد السباحة.
استمرت في صمتها، وهي تسير بخطوات متزنة، كانت تحلق على العشب فراشات بألوان مختلفة ثم صارت تكر لتعلو، فيها من أمل الإنسان وهي كالريح تحلق عابرة، يتسلل تحت أجنحتها نغمة طيب الأغصان والعشب المبتل، كانت تتذوق هذا الجمال مع صمتها الذي أرادت منه أن تثير حفيظته بل غيرته بأكملها ليتذوق جمالها، غرور نسائي، بعد هذا السكوت المطبق، رمقته بنظرة وقالت:
* أنا مثل واحدة من هذه الفراشات وحسبي أن أكون كذلك، اتبع الضوء أينما كان، ولا افرق بين أنواعه سواء كان للشمس أم لمصدر آخر، لكن كلاهما يهدي ظليلا، فماذا أكون بالنسبة لك؟
رد عليها وهو مطرق بنظره إلى العشب الذي بعضه يابس والبعض الآخر اخضر والأزهار التي تحوم حولها الفراشات وقال:
- أراك تتعجلين البحث عن وضع حد لعلاقتنا، وقد سبق أن سمعت منك القول لمرات عديدة، بعدم رغبتك أن تسري على مسامعك مفردة علاقة، ثم إن هناك شيئا آخر عليك أن تعرفيه هو إني احبك أما أنت فحرة التصرف!!!
عندما رفع بصره إليها وجد سمرة مغيب الشمس قد تبعثرت على بياض رقبتها وكذلك وجهها مما جعلهما طافحين بنور تلك السمرة، كما ألهب عطرها النسائي حزم الشجيرات المفروشة بمحاذاة حوض النهر.
ابتدأت صحوته، انتهى قلقه كالسحابة التي تسوقها الرياح، وانحسرت عن غصون سروره الكآبة، تخلص من الخوف الذي يطارد أحزانه المتكسرة فتمطت في ذاكرته أشياء كثيرة منها، إن الزهر لا يكون قتيل في بستان عواطفها، كما لا تنهكه المواعيد، أو تنتحر أصابعه على جهازه الخلوي ليكتب لها حروفا كالتي يكتبها المطر، في البحر منها ارتعاشه لتظهر أمامه ترتدي لون عينيه، شفافة كالحمامة فيكون ثوبها خفقة من رفيف النجوم، فهي تعني له الأمان والناس والواقع، حبها جدار يسند ظهره عليه ليشتد عضده، ذلك الحب الذي يعتبره أمرا مسلما به، ربما يفعل ذلك وهو يمالي نفسه إن قوته يستمدها من ذاته، يدرك إنها ستكون بجانبه في حملته ضد معاناته في الحياة، تقف محبة له، لكونها تعرف حقيقة أمره، مستعدة لمساعدته، كيف لا وهي تحبه، كما يحبها لدرجة الهيام، هو يفكر لهذه الأمور ربما " لحاجة في نفس يعقوب قضاها"، غمرته ارتعاشه انه يحبها كما هو الحال دائما، يجب عليه أن يقبل بهذه الحقيقة، لا يعرف منذ متى، إلا إن الأمر حقيقي الآن، اجل لم يكن بوسعه أن يرى الدنيا لولا إنها لم تكن في الطريق، كهذا شعر بالقوة والسعادة، سيتغير كل شئ بالنسبة له، عليه إن يبوح لها بسره، لكن لا، ربما ترفض، الأمر الذي سيحطم قلبه، ثورة حادة لعواطف جياشة جعلته يفقد توازنه، يا لها من دهشة تأملية له، يساوره الشك إن إحساسا رهيب من الضياع الذي لم يعد ضياعا شخصيا، لم يكن بوسعه أن يفهم أو يحلل ما كان يشعر به تماما، شوقه لمن يكون، لقلبها، لعينيها التي يرى فيهما كنوز الدنيا، لكن يبدو له الآن انه مسوق من قبل رغبة عنيفة في أن يصرخ بأعلى صوته ليعلن إلى العالم انه يحبها، وهذا ما كان يدور بعقله وعليه أن يخبرها به، فجأة أحس بالخجل من التحدث إلى ذاته، عليه بدلا من ذلك، أن يكون وهو أمامها هو الأقوى ويتحدث بهذه الأمور بدلا من الأماني.
لقد كان الوضع رهيبا بالنسبة له، فهو بحاجة ماسة إلى جفون عينيها تحتضنه كما تحتضن السماء أفق الكون، إنها فتاة في ريعان الشباب، هي أرضا وبلادا يصعب القول عليها، أين يقول وماذا يلوح في محور عينيها، عالمه الغائب، صورا ميسانية، كلما تطلع بها وجدها مرآة حزينة، واحة خضراء تتمتع بقوة حب لا يمكن لأحد أن يتعرف عليها للوهلة الأولى، وهذا بسبب تربيتها النموذجية، متحفظة حتى أمامه، الإيحاء عندها دائما إن الإنسان سجين على وفق قاعدة تحملك في كل لحظة إلى المجهول، إلا إن هذا المجهول يتضح قبل أن يعرفها، لم يكن يعرف عنها شئ، ولا حتى أين تسكن.
إن احدهم سأله عما هي فيه، لكنه لا يعرف ما يقوله له، على الدوام منحاز لها، يمكن للمرء إن ينحاز إلى شخص ما، دون أن يكون على صواب. أراد الإمساك بالزمن الضائع، بعكسها التي كانت تفكر إن الزمن يمكن أن لا يضيع أحيانا.
ربما هذا تصور لديه، لكن لم يخطر بباله، تأملها بشكل لا إرادي، لم تتغير، كانت تتمتع بنظرة عذبة جدا، ما إن يراها المرء يدرك قبل الأوان وعلى وجه التقريب إن جمالها لا يوصف، لم يصدق ذلك أن تتدفق الذكريات بدقة متناهية، اللحظات تبدو أكثر وضوحا من غيرها، لكنه ظن إن ما وراء هذه اللحظات هناك جزء من الذاكرة، وهذا ما يجعل لكل قصة قانونها، إلا إن النهاية لامناص منها.
شرع يعاني معاناة لم يكن له عهد بها وهو يتخيلها في ذاكرته، وهذا ما جعله من إن تكون هذه الذكرى أكثر إيلاما وبالتالي ما الذي يمكن أن يفعله حيالها.
هي من النوع الذي فعلها لا يناقض دائما عملها، حبها مشفوعا باحترام المنفعة للجميع، لا تحكم على الأشياء قبل اختبارها، لديها خيال مرهف، ربما تنفعل به بعض الأحيان، أفكارها بدت كنبات لم ينضج في بداية أمرها إلى نضج شيئا فشيئا.
كان حريص عليها دائما يناديها إنها أغلى ما يملك ويتمثل كحرصه على مستودع يضم أنفس الكنوز، يحرسه في سكون الليل وصخب النهار، يشتاق إليها، كما يشتاق للمكان الذي يزدان بها، يعتبرها نعيم قلبه، دائما يريدها أن تكون الأمثل دون أن يكون غيرها، أناني في حبه لها، يجب لن تعيش إلا له وفي طاعته ويعتبر إن الدنيا ما خلقت إلا لسعادتها على أن تحيا خاضعة لشريعته لتخدم سعادته وحبه وغيرته، فجسده لا تكون فيه روح إلا حيث توجد، يحتفظ لنفسه بحق مفاده أن تكون له مدى الحياة، لكن تفكيره يناقض ذلك، لأن كل إنسان حر يستطيع أن يستعمل أشياءه متى شاء ودون إكراه، سعادته تكمن في حلمه أن يعيش معها تحت سقف واحد فينقلها إلى أجمل مفاتن الدنيا، ويهيأ لها من اللذات أمتعها، حيث يعتبر ذلك نمط من أنماط الحياة وأسلوبها الخاضع للتغيير تبعا لما برمي إليه المرء.
أي يوم لا يراها فيه تشرق شمسه وتغرب دون أن تمر بسيرها إلا على ارض خربة حسب اعتقاده إن " الدواء قليل جدا بالنسبة لبشاعة الألم". أما إذا التقى بها فحسبه انه قد دخل الفردوس وبلغ أغلى درجات الكمال وهذا منتهى أمله، لا يريد منه اقل أو أكثر، إلا انه يحاول دائما لن يستعيد توازنه، لكيلا يظهر ضعفه أمامها أو تنهار كبريائه ربما لسبب يجهله، إذا تكلم معها تجيب قبل أن يقول شيئا فاه يكلمه كأنها تعرف ما يدور في ذهنه، يفكر بها، يقف عند النافذة يتطلع إلى الأفق، يصاحب ذلك شعور بالارتياح فترتسم البسمة على شفتيه، أحيانا وأخرى يقلد ضحكتها الجذلى فتنتعش روحه ويشعر بارتعاشه تسري في جسده.
حسب إن الكون الجميل قد حباه بمزية طالما حسد عليها من أبناء مدينته.
عندما بادلته العواطف في صحراء قلبه الوردية وانغزل بظمأ عواطفها برغبة مجنونة لا يطفئها إلا افترار شفتيه عن بسمة تضيئها شدقة تلك الشفتين، تكيد عين الهوى بالقلوب الفتية، شده القدر إلى أوتار ضلالها.
يتأملها وكأنها غصن زيتون، ليس عنده شئ يعمله سوى اشتياقه لها، الشمس أحيانا تكون حارقة، لم تنزل قطر مطر، لكن سينهمر المطر في نيسان، لا يشعر بمتعة إلا معها، قهقه قليلا، ثم انهمرت دموعه، عندما يكون للإنسان قلب حقيقي، تكون عاطفته جياشة وشوقه عظيم لمن يحب، وحالة تسمح له بالحب كان يقول في داخله " لو قطعت أربا وحطم جسدي فأن بقاياه ستبقى تحبها"، هي بالنسبة له سعادة لكونها فتاة حقه تتمتع بهذه الميزة التي نقدمها له أكثر مما تتمتع بالتي تأخذها منه، قلق يملأ قلبه، يسأل نفسه في كل الأحيان ما نوع العالم، ما الهدف من وجوده، أن تكون معه، ظمأة لها ابدي فلا تنهض الأرض ولا تغتسل، ستذبل حقول القمح الذهبية، شريط أفكاره مزدحم في رأسه، تذكر، ذات ليلة هادئة كان وحيدا، فجأة قفز قلبه، بشدة شوقه إلى مخلوقته الممتلئة أنوثة، شعر انه محتاج إليها في كل شئ، صار يتكلم إليها كأنها معه "الليلة كأني أشاهدك في هذا المكان وعيني مفتوحتين على وسعهما، أنت سفينة وأنا الميناء لك، تعالي واتكأي علي واتركي أشرعتك يا زمبقتي التي يفوح شذاها ليدخل شغاف قلبي، عندما أتخيلك معي تنتشي روحي وتهتز السعادة، فتعود لي الحياة من جديد".
تكلم عنها بإعجاب، تمنى لو إن نساء الأرض مثل شبابها، لكون منهن جيشا وحرر العالم من الظلم والطغيان.
علت منه صيحة وحشية، وكأنه أسد لمح لبوته، شعر بانتعاش قلق، يرى فيه عظمة الأشياء، غالبا ما ينساق البشر وراء هذه العظمة، يخلق لنفسه حلم، حلم الإنسانية الأبدية، الحرية التي لا يضحي بها، إلا إن حلمه دائما بلا أمل، لأنه يكشف الأشياء بعد فوات الأوان، ليس من أحلامه ما يتعلق بالفكر، لأنه يعتبره من اخطر أمراض العالم، انه مرض مستعصي، يعتبر بالنسبة له بقايا من الماضي، أو من المعادلات التقليدية في أزمنة الضياع التي لا يمكن أن يكون من نصيبها سوى المواقف الهزلية لعالم أصبح فيه البشر شبه مجانين لتفشي الطمع في نفوسهم، فلا يضمر الواحد لأخيه إلا الشر، لذلك غاب الاستقرار، فصبرا جميل، رغم ذلك إن لا ينتهي أمر المرء إلا كما يضنه الآخرون.
يحبها والباعث الذي يحمله على ذلك شوقه لها، لا يملها أو يستسلم إلى غيرها، فذلك عنده تجارة مخزية، يريدها أن تكون معه على الدوام ما استطاع إلى ذلك سبيلا، يعتبر هذا رمزا دون أن يكون شيئا مبهما بالنسبة له، مهما كان من الأمر فانه مما لاشك فيه إن هذا الحب قد زرعت به الأرض بعناية اتم. انزوى في مكان فسيح، انفرد منها، تكلم مع نفسه وكأنه يناقش شخصا آخر يقابله وقد أحدثت تفاحة آدم الناتئة بوضوح من رقبته حركات صعود وهبوط سريعة على نحو يثير الدهشة ويفوق كل تصور فعبر عن معاناته والآخرين وكأنه يرغب في التعرف على انطباعاته من ذلك الكلام لما حملته له الأيام ولا زالت وكيف إن الفوارق الطبقية هي الأكثر هولا، المجتمع طبقات، أكثرها تفاوتا الذين قضوا زهرة حياتهم لتعليم الأمة وفي النهاية يركن بهم الزمن " كتاب عرائض"، هذه مسؤولية أخلاقية تتحملها الأمة والدولة في آن معا. ربما تكلم على نحو تذكري موضحا انه يخاطب عقله الباطن ليس إلا، جلس على الأرض واستمر يقول لذاته " هل لك من الحرية الآن ما يفوق ما كان لديك في الماضي؟" رد على نفسه " هراء من التفاصيل التي لا يبررها الواقع، هذه الأمور ينبغي التسليم بها".
ترك المكان في اللحظة بعد أن انقطع فجأة تسلسل أفكاره وقال " مالي وهذه الأمور، أن لا أكون مثل النملة التي بإمكانها أن ترى الأشياء الصغيرة لكنها عاجزة عن رؤية الأشياء الكبيرة".
التحق بها وهي تسير قرب شجيرات صغيرة ذات أزهار تشع منها رائحة البنفسج، وضع يده على جبينه، انه يتحمل عناءا كبيرا بسببها، إلا إنها تستحق هذا العناء، هي تعرف جيدا ما به، لكونها عاشرته بصدق، تريده أن يكون صاحب إرادة، تدرك تماما إنها تتمسك برابطة هذه العواطف معه، وهذا معتقد لا تتنازل عنه، لكنها تريده لها وحدها دون أن يشاركها به إنسان آخر وهذا أمر عليه أن يدركه هو والآخرون فإن تحقق يعتبر من الأسباب التي لا غنى عنها في أثمار يتمخض عن سياق شروط موجودة بطبيعة الحال من الممكن أن تجعلها سعيدة، لا في المجال النفسي أو الاجتماعي فحسب، بل في حالات أخرى، لكونه موقف عاطفي قوي تتمتع به ويدخل الفرحة إلى قلبها قبل أن يكون محط اهتمامها وشغفها، معتبرة إن الحياة ليست القدرة على التغيير أو تطبيق القوانين، بل التوحد مباشرة مع من تحب، وهذا مفهوم ينطوي على أن عدم قيام المرء بشئ، وبالتالي يفوت فرص ما، أن ليس بوسعها أن تتنبأ، قد يكون هذا مزعجا لها، إنها لمشكلة أن يحاول المرء أن يستنبط أمور قد لا تكون مواتية لما يريد.
جلست، امسك يدها، انحنى مقبلا وجنتيها، لم يكن قد قبلها من قبل أبدا، كان عذريا معها، بهذا أدفأ قلبها وأفرحها كثيرا، شعرت انه قد أحبها فعلا وبريق السعادة يحبو في عينيها، حبذا لو يأخذها إلى أقاصي الدنيا، ينفرد بها، يهرب معها، لا تريد إلا أن تكون معه دون أن يشاركها احد فيه، كيف استطاعت أن تتحمل ذلك هجست " كم هو ودود ولطيف".
كان الطريق مزين بشجيرات صغيرة متشابكة ذات خضرة جميلة، وعطر يعبق بالأنوف، أشذى عطر في الدنيا، منه أم من الأرض، لا تدري. قال لها بعد أن أدار نظرته الرزينة إليها هنيهة وبكل هدوء:
- إني اطلب يدك للموافقة على زواجـ ......!
قاطعته بعد أن وضعت يدها على فمه قائلة:
* فاجأتني، أنت تتزوجني، كنت أظن غير ذلك، لا تمزح معي، !!
- لماذا؟ قال....
ردت عليه:
* لا تحفل بي، رغم إني امرأة، وهذا بالضبط ما تحتاجه كل امرأة هو الزوج والأولاد، ورغم أنت عندي شئ شيق وكنز عظيم لكن !!
- ولكن كيف، هل بإمكانك أن تخبريني السبب؟
* أنت متزوج، وعندك أطفال، ولا أريد أن أبني سعادتي على تعاسة الآخرين من هم بمعيتك، لينهدم السقف الذي فوق رؤوسهم، عدني أن لا تثور عليّ؟
قال:
- أصغي الي، لا تطوحي بزمام الأمور وتثيري طبعك؟
* أبدا، لكني عرفت إن ذلك لن يجدينا نفعا، على الرغم من إنني أجبتك والأشياء التي تحبها أكثر من أي شئ في هذا الوجود !!
قالت ذلك وغادرته، راح قلبه قبل عقله يفكر بها محموما، كان بوده يعطيها أي شئ لتبقى بقربه خشية حدوث مشهد مروع كالذي أمامه، سمع خطواتها، راح ينظر إليها بعينين سوداويين كانتا مثقلتين بالأعباء وليس فيهما أي بريق، أراد أن يتبعها، لم يكن قادرا على القيام بفعل ما، نادى عليها:
- يوجد شئ آخر ينبغي أن اطلبه منك قبل أن تبتعدي؟
* لا !!! دعني اذهب وابتعد عنك لأبكي بهدوء!
أجابت، وكانت شديدة الحساسية، كان يسمع تكسر العشب اليابس تحت قدميها، وحفيف الأشجار التي تبعد أغصانها عنها، اختفى ظلها شيئا فشيئا.
عادت إلى البيت، دخلت الشرفة، أحست بهواء الليل الرطب منعشا على وجهها، كانت الدنيا بأسرها صامتة بالنسبة لها، أسندت رأسها إلى احد أعمدة الشرفة، أجهشت بالبكاء على من تحب، إلا إن الدموع لم تسعفها، كانت هذه مصيبة فادحة جدا، لم يسع الدمع أن ينبجس، هو كان لها قلعة فتحطمت، نزل المطر وكأنه يكتب كل حرف من الكلمات التي سمعتها منه.
المتواجون الان
455 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

